يميل الرئيس الأمريكي جو بايدن لفقد التركيز في بعض من مقابلاته الصحافية. يصعب على الناس أحياناً أن يقرروا ما إذا كان قصد ما قال أم كانت فلتات. في مقابلة منحها أمس للصحافي الكبير من الـ “سي.إن.إن”، فريد زكريا، كان مركزاً تماماً، وما قاله عن حكومة إسرائيل كان قاسيا. أشار في بعض جمل ثاقبة، إلى مكان الحكومة الحالية في التاريخ كما دفن حلم التطبيع مع السعودية وزيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض.
للأسف، كان دقيقاً. حين قال إنها الحكومة الأكثر تطرفاً منذ حكومة غولدا مائير كان يقصد موقف الحكومة من “المناطق” [الضفة الغربية] وسكانها الفلسطينيين. فقد وعد نتنياهو الأمريكيين في مؤتمر العقبة بالامتناع عن إقامة مستوطنات جديدة، والمساعدة في ترميم السلطة الفلسطينية، لكنه عملياً فقد فعل العكس. وهذا ما يغيظ بايدن.
لكن النفور لا يتوقف عن المستوطنات. فقوانين الانقلاب النظامي وضعت حكومة نتنياهو في المكان الأكثر كرهاً لدى بايدن والحزب الديمقراطي: حلف الديمقراطيات الجديد في وسط أوروبا، وميليشيات التفوق الأبيض في أمريكا، ودونالد ترامب. فالجراح لم تعد جراح حب، بل نزف.
لقد أصبح نتنياهو شخصية غير مرغوب فيها في واشنطن. ما بدأ كحساب على ما فعله قبل سنين بأوباما وبايدن نفسه على سجوده للجناح الأكثر تطرفاً في الحزب الجمهوري، تحول إلى ضغينة في الحاضر نتيجة قرار السماح لسموتريتش بإقامة مستوطنات في كل مكان، وجراء التصريحات غير المسؤولة لوزراء الحكومة، بينهم وزير الخارجية إيلي كوهين.
أقوال بايدن ينبغي أن ترى ليس كطلقة وحيدة أو تعبير عن إحباط لحظي، بل كجزء من مسيرة. الحزب الديمقراطي يتحرر من التزاماته التاريخية تجاه إسرائيل. بايدن، الذي قاتل في الماضي ضد هذه المسيرة، يرفع اليدين. قصة القيم المشتركة لم تعد ذات صلة. ثمة مصالح أمنية – وبهذا، تتلخص قصة الحب.
هنري كيسنجر اشتكى ذات مرة من أن ليس لإسرائيل سياسة خارجية، بل هي سياسة داخلية تندفع إلى الخارج. حكومة نتنياهو الحالية تؤكد شكوى كيسنجر بالكامل؛ فهي تستوطن وتشرع وتركل وكأنه لا يوجد عالم. ربما يكون نتنياهو ضم السموتريتشيين والبن غفيريين إلى حكومته لأنه لا مفر له، لكنه ينمي ويرفع الفينيين والأمسالميين، والديستليين، والقرعيين، والمايغولانيين؟ لماذا ينجر وراءهم؟
قبل بضعة أيام، التقى نتنياهو مع ضيف خارجي، معرفة قديمة له. سأله الضيف عن بن غفير، انتقل نتنياهو إلى نبرة اعتذارية، نبرة محفوظة للمعارف القدماء. “اعتقدت أنه سيتغير بعد أن يتلقى مسؤولية وزير في الحكومة”، قال. “أخطأت”. الخطأ في تقدير السلوك الوزاري لبن غفير وسموتريتش بالتأكيد كان له. فالقوة الهائلة التي أعطاها لهما، أحدهما كوزير مالية زائد ثلث وزير دفاع، والآخر كوزير أمن قومي، لم تنقلهما من الهوامش إلى الوسط، بل نقلت الوسط إلى الهوامش. الحكومة تسافر على الكابينت.
جلسة الحكومة أمس جسدت للجميع حجوم التدهور. تبدأ بما هو شرعي، في نظري على الأقل. قرار دعوة بحث مظاهرات حركة الاحتجاج شرعي، والادعاء بأن الحديث يدور عن تضارب مصالح – الوزراء لا يمكنهم البحث في مظاهرات موجهة ضدهم – مصاب بالازدواجية. فالأزمة الحالية واسعة جداً، شاملة جداً، بحيث بات كل من يعنى بها مشبوهاً بتضارب المصالح؛ فالمحكمة العليا التي تكافح في سبيل قوتها مشبوهة، وقيادة وزارة العدل التي تكافح في سبيل وجودها مشبوهة، ومستحدثو التكنولوجيا العليا الذين يكافحون في سبيل أعمالهم التجارية مشبوهون، والوزراء مشبوهون الوزراء، كل وزير ومصالحه.
أما الشرعي فعقد بحث ودعوة المستشارة القانونية للحكومة والنائب العام للدولة إليه؛ وكذا دعوة المفتش العام ورؤساء الأقسام في الشرطة. ومشروع أيضاً أن تعرض عليهم أسئلة حول خروقات النظام في الحاضر والماضي ومطالبتهم بأجوبة. ومن غير المشروع سبهم وشتمهم وتهديدهم بالتنحية. الحكومة تنحي مستشاراً قانونياً للحكومة: فهكذا تصرفت مع إسحق زمير في قضية خط 300؛ ويمكنها أيضاً أن تنحي مفتشاً عاماً: فهكذا تصرفت مع هرتسل شبير في قضية ملف “افرسيك”. لكن لا يمكنها أن تجعل جلسة حكومة محكمة استعراضية على نمط محاكم ستالين. لم نصل بعد إلى هناك.
ليس الجمهور الإسرائيلي وحده من ينظر إلى تدهور الحكم في إسرائيل بخوف، فعواصم العالم أيضاً ترى المشاهد ويسمعون الأصوات. انظروا، فقد حُذرنا.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 10/7/2023