بيروت-“القدس العربي”:
بالتزامن مع الذكرى السنوية ال 17 لحرب تموز/يوليو 2006، ثمة مساع دولية للتخفيف من حدة التوتر الذي يتفاعل على الحدود الجنوبية بعد محاولات قوات الاحتلال الإسرائيلي قضم الجزء الشمالي لبلدة الغجر اللبنانية وإقامة حزب الله خيمتين في مزارع شبعا، وأبرز من يعمل على احتواء هذا التوتر بعد قوات “اليونيفيل” هو كبير مستشاري البيت الأبيض لشؤون الطاقة آموس هوكشتاين الذي نجحت وساطته في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ويستعد على الأرجح للتوسط في ترسيم الحدود البرية بعد وصوله إلى تل أبيب للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغابي، لئلا ينذر التوتر بتصعيد للوضع.
وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، أبدى استعداده للترسيم البري في وقت أوعزت وزارة الخارجية اللبنانية إلى بعثة لبنان الدائمة في نيويورك لتقديم “شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن حول تكريس الجانب الإسرائيلي احتلاله الكامل واستكمال ضم الجزء الشمالي اللبناني لبلدة الغجر”.
صلاحية التفاوض
إلا أن رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل استغرب استعداد لبنان للترسيم البري، وغرّد على “تويتر”: “نستغرب ما تقوم به الحكومة من أن: “لبنان أبلغ الأمم المتحدة استعداده لترسيم الحدود الجنوبية على امتداد الخط الأزرق”. إن هذا الكلام يشكّل مخالفة دستورية فاضحة، فالتفاوض أولاً هو من صلاحية رئيس الجمهورية بالمبدأ، عملًا بالقسم. ثانياً، لا شيء اسمه ترسيم حدود برية، فهي مرسّمة ومحددة ومعترف بها دولياً على قاعدة اتفاقية بوليه-نيوكومب سنة 1923، وقرار مجلس الأمن رقم 425 الذي ينص على انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية”، وقال “لا تنازل عن حبّة تراب من أرض لبنان وأي كلام عن تفاوض على الحدود البرية هو خرق للدستور وعمل مشبوه ويُعرّض من يقوم به للمساءلة والمحاسبة. أما قضية الخيمتين والغجر فهي أمر آخر، وتحرّك هوكشتاين في المنطقة شأن آخر”، مضيفاً: “في ذكرى عدوان 12 تموز، نؤكد على حق لبنان بالمقاومة لاستعادة كامل حقوقنا في الأرض والسيادة عليها”.
وفي المواقف من ذكرى حرب تموز، قال المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان “مع تموز 2023، نتذكر حرب الجنوب التي حددت مصير كل لبنان عام 2006 والتي تحوّلت فيها الميركافا مكبّاً للنفايات وانتهت بكارثة طالت صميم تل أبيب، والمعادلة اليوم: أي حرب تقع سيكون فيها منتصر واحد هو المقاومة، وحرب بلا دبابات وسط ترسانة مسيّرات يعني انهيار جبهة الشمال، وإذا انهارت جبهة الشمال فتوقّعوا الصوت من القدس، وميزان الردع الحالي تختصره هيبة الخيمة التي تقضّ مضاجع تل أبيب”. وأضاف قبلان في بيان: “المشهد اليوم: خيمة المقاومة على الخط الأزرق فيما الصريخ في تل أبيب، ومن أجل تسوية خيمة المقاومة، تل أبيب تزحف على ركبتيها وتتوسل العالم والآتي أعظم، وما زال انتصار تموز يتنفّس، ويمكن اختصار ترسانة ومجاميع المقاومة بالفرط صوتي بكل الأبعاد، وتهديد تل أبيب كلام فراغ وأنين عاجز، واليد الطولى اليوم للمقاومة، ومقاومة قوية يعني لبنان قوي، وزمن بيع أو تأجير الأوطان انتهى، والرحمة للشهداء”.
حوار الممانعة
واستبق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إطلالة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله المسائية بدعوة الأمين العام للأمم المتحدة وقيادة “اليونيفيل” “لإصدار قرار صريح وحاسم حول المسألة الحدودية الجنوبية الشائكة، باعتبار أنها الجهة الوحيدة القادرة على حسم هذه المسألة وقطع الشك باليقين، ناهيك عن بلورة الحقيقة أمام الرأي العام اللبناني”، وذلك في خلال استقبال جعجع في معراب، المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا قبيل مغادرتها إلى نيويورك، حيث ستعرض تقريرها السنوي حول القرار 1701 في مجلس الأمن.
وشكّل اللقاء فرصة لتناول الملف الرئاسي العالق، فأوضح جعجع للمسؤولة الأممية “أن الحل الوحيد يكمن في انتخاب رئيس جديد للبنان، قادر على إعادة تشكيل السلطة وبالتالي الانطلاق نحو الإصلاح ومعالجة كل المسائل العالقة”، وأطلعها على “تمسك فريق الممانعة بالحوار وفق الشكل الذي يطرحه، بهدف تشتيت الأنظار وتضييع الفرصة السانحة أمام اللبنانيين”، مشدداً على “ضرورة إقلاع هذا الفريق عن سياسة التعطيل التي ينتهجها والتوجه إلى المجلس النيابي، وعدم الخروج منه قبل انتخاب الرئيس العتيد الذي طال انتظاره”.
لودريان والعلولا
بالموازاة، أفيد عن اجتماع سيُعقد للمجموعة الخماسية في قطر مطلع الأسبوع المقبل لاستكمال البحث في الاستحقاق الرئاسي في لبنان وسيكون على طاولة النقاش موضوع عقد طاولة حوار للأفرقاء السياسيين في لبنان أو خارجه وإمكان طرح خيار ثالث لرئاسة الجمهورية. ولم يُحسَم إذا كان الموفد الرئاسي جان إيف لودريان سيشارك في اجتماع المجموعة الخماسية أم لا قبل مجيئه إلى بيروت، علماً أن لودريان انتقل إلى الرياض والتقى المستشار في الأمانة العامة لمجلس الوزراء السعودي نزار العلولا وجرى استعراض للعلاقات الثنائية ولآخر تطورات الملف اللبناني.
وكان رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل لفت إلى “أن الجلسة الانتخابية الأخيرة أظهرت بشكل قاطع أن مرشح الثنائي الشيعي اصطدم بحائط مسدود ولم يبلغ العتبة التي تبرّر بقاءه كمرشح، وهذا ما يضعنا أمام معادلة جديدة مفادها أن أي عناد من هذه الجهة سيقابله عناد من الجهة الأخرى، والعكس صحيح، وأي مرونة ستقابل بمرونة على أساس الاتفاق والتلاقي، إما التلاقي بالحوار للاتفاق على مرشح ثالث وإما جلسات متتالية لمعرفة امكان العبور إلى العتبة المطلوبة، فإذا عَبَرها أي مرشح هذا يعني أن لديه إمكان الوصول ومبروك، ولكن انتظار الخارج فهو أمر غير سيادي”.
حوار التيار والحزب
وقال باسيل عقب اجتماع “تكتل لبنان القوي”: “نقدّر كثيراً الجهود الفرنسية وندعو لاستمرارها على قاعدة مساعدة اللبنانيين للاتفاق وليس لفرض رئيس عليهم، فالحوار مقبول أو مرغوب إذا كان يمرّر حلولاً، لكنه مرفوض إذا كان لتمرير الوقت وانتظار ظروف ليتمكن فريق من فرض مرشحه”. وأضاف: “عاودنا التحاور مع حزب الله بذهنية إيجاد حل من دون فرض أو شروط مسبقة، وهذا الحوار الذي بدأ بوتيرة جيدة وإيجابية، نأمل أن يتكثف للوصول إلى نتائج تأتي بالمنفعة لجميع اللبنانيين وليس لفريق على حساب فريق”، داعياً ” إلى عدم رهان أحد على تغيير موقفنا في الحوار تحت عناوين المشاركة بالسلطة والحصص والوعود المستقبلية، فالموقف لن يتغير لأنه يقوم على ركائز ثابتة ميثاقية حقوقية تمثيلية وطنية وإصلاحية”.
وختم باسيل بانتقاد ما سمّاه “تجرؤ الحكومة وتفكيرها في العمل جدياً لتعيين حاكم مصرف مركزي ومجلس عسكري وقائد جيش ربما لاحقاً في غياب رئيس جمهورية، ما يضعه في موقع متباين مع الحزب التقدمي الاشتراكي الراغب في تعيين رئيس أركان للجيش، واعتبر باسيل “أن أية محاولة للتعيين العسكري بخلاف الدستور تتخطى وزير الدفاع سنعتبرها انقلاباً عسكرياً حقيقياً ولن نسكت عنه”.
في غضون ذلك، ما زال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في مرحلة مراجعة بعد موقفه الأخير “لا تعيين ولا تمديد لحاكم مصرف لبنان” وما زال يتريث في الدعوة إلى جلسة لمجلس الوزراء في ضوء ما تشهده الساحة اللبنانية من تجاذبات سياسية حول موضوع التعيينات وغياب الغطاء المسيحي.