جدلية المنفى والملكوت

حجم الخط
1

مثلما تعدد المنفى ولم يعد ذا دلالة مكانية فقط فإن الملكوت أيضا تعدد، وهذه الثنائية من أكثر الثنائيات تعقيدا وإثارة للسجال، رغم أن اختزالها إلى البعد المكاني ـ الجغرافي فقط أغفل التاريخ والزمان وكذلك المنفى الميتافيزيقي الذي يجعل من الإقامة على هذه الأرض منفى لمن يحلم بالأبدية، وما كُتب عن المنفى راوح بين تجارب ذاتية وأخرى مُتخيّلة، لكن المُتخيّل لا ينقطع عن الواقعي الذي يشكّل جذره، فالخيال هو في نهاية المطاف ذاكرة يُعاد إنتاجها، لكن بتصعيد وإضافة، لهذا قال ستيفن سندر إن الكتابة عن القطب المتجمد ممكنة لمن لم يذهب إليه ويكابد ما كابده طائر البطريق شرط أن يكون جرّب الصقيع والجوع والوحشة ولو لليلة واحدة، وحين كتب البير كامو مجموعة من القصص بعنوان «المنفى والملكوت»، فقد عبّر عن ثلاثة منافي بمقاربات مختلفة، فقصة « الفنان يعمل» المشحونة بحنين إلى العزلة تقدم فنانا يضطر إلى الإقامة في قفص معلّق على شجرة كي ينعم بوقته وحريّته، ورغم أنها قصة مُتخيّلة إلا أن هناك شاعرا أقام بالفعل في قفص معلّق على شجرة هو كمنجز.
والمنفى الثاني زماني لأن كامو بنزعته الهيلينية المتوسطية شغوف بالزمن الإغريقي الذي استلهم من أساطيره، أهم كتبه ومنها «أسطورة سيزيف»، والمنفى الثالث ميتافيزيقي لأنه يعبّر عن شوق مكبوت للانعتاق من نطاق الحياة بمعناها العضوي والتوحد مع الأبدية، وهو بذلك متأثر بنيتشة الذي طالما أشار إليه، وأشاد بحسيته وهو صاحب المقولة الشهيرة عما سماه العود الأبدي، لكن نادرا ما نجد أي إيحاء لدى كامو بالحنين إلى وطن جغرافي وهو الفرنسي الذي وُلد وعاش ودفن في الجزائر.
وقد يكون المنفى محددا بملكوت ميثولوجي، كما هي الدياسبورا بالنسبة لليهود، حيث لا تكون أرض الميعاد هي أرض الميلاد، وهناك أيضا المنفى باعتباره العزلة المنشودة، لكن المضاءة والعالية كما هي بالنسبة لبرديائيف الذي عبّر عن رؤاه في هذه المسألة في كتابه «العزلة والمجتمع»، ودفع ثمن موقفه في نظام شمولي أساء فهمه كما أساء فهم آخرين أعيد إليهم الاعتبار مثل سولنجستين .
والمنافي منها ما هو طوعي وما هو قسري، فالمخلوعون من جذورهم بالقوة منفاهم واضح ومحدد، لأن ملكوتهم هو الوطن الذي ولدوا فيه وتم تهجيرهم منه. أما المنفى الطوعي فهو ما يمارسه الإنسان بمحض إرادته من خيار النفي والهجرة، إما بدافع المغامرة أو البحث عن الجديد واللامألوف أو بهدف تعميق التجربة وتنوع مصادرها، وما يقدمه حليم بركات في كتابه «غربة الكاتب العربي» عن الهجرة الطوعية يستحق الرجوع إليه، فهو يذكر نماذج عربية وأخرى من الغرب، منها الطيب صالح وروايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» التي عبرت عن شهوة الانتقام والثأر من الغرب الكولونيالي، من خلال استعراض فحولة شرقية، وقد بحث جورج طرابيشي هذه المسألة بالتفصيل حين أضاف إلى الطيب صالح كلا من توفيق الحكيم وسهيل إدريس في روايتيهما «عصفور من الشرق» و»الحي اللاتيني»، وانتهى طرابيشي إلى توصيف هذه الظاهرة بأنها أطروحة جنسوية تذكّر الشرق وتؤنث الغرب.
يذكر حليم بركات العديد من اسماء الروائيين والمبدعين الغربيين الذي كان دافعهم للنفي طوعيا، بدءا من جوزيف كونراد وروايته «قلب الظلام» بعد رحلة نفي إلى أفريقيا، وكذلك جيمس جويس الذي ابتعد عن أيرلندا وبالتحديد عن مدينة دبلن كي يراها، كما يبتعد الفنان عن اللوحة فتلك مسافة ضرورية للإحاطة بالمشهد. وممن اختاروا النفي الطوعي هنري جيمس وهنري ميلر وهمنغواي وآلدوس هكسلي ودوس باسوس وآخرون، وما كان لحليم بركات أن يستشعر النفي لولا مكابدته له، وتعبيره عنه في عدة روايات أبرزها «طائر الحوم».
وحين كتب إدوارد سعيد عن المنفى حدّد أولا فهمه الخاص لمصطلح النفي، ومنفاه تبعا لهذا التحديد عن وطن يحبه وعن لغة لم يعبر بها عن ذاته والمنفي بالنسبة إليه مُقتلع من جذوره وتربته ووطنه، والمفارقة قدر تعلّقها بسعيد أن الرجل ذا المولد المقدسي، الذي توفرت له منذ صباه فرصة الاندماج في الغرب وأصبح أكاديميا مرموقا يشار إليه بالبنان في أرقى جامعاته استشعر النفي في العمق من الذهن والوجدان معا، فهو على سبيل المثال بعد صدور كتابه «الاستشراق» تعرّض لحملة تغذيها نوبة سعار ضده، قادها برنارد لويس الذي يمثّل فلول الاستشراق الكولونيالي، ويخيب ظن جاك بيرك الذي قال قبل عقود إن الاستشراق التقليدي قد أخلى المكان لدراسات إنسانية وحضارية.
أدرك ادوارد سعيد النفي مبكرا فهو يروي أنه في صباه كان في القاهرة ووالده عضو في أحد النوادي التي كانت تصنّف بأنها ارستقراطية، وذات يوم منعه جندي بريطاني من الدخول إلى النادي، رغم انه يتقن الإنكليزية واسمه ادوارد وديانته مسيحية، وقد تكون هذه الحادثة جذرا نفسيا بنى عليه ادوارد في ما بعد أهم أطروحاته، سواء ما تعلّق بالاستشراق أو ما سماه تغطية الإسلام في كتاب آخر! لهذا أوصى ادوارد بأن ينثر رماد جسده في سماء لبنان وعلى مقربة من بوابة فاطمة التي التقطت له صورة فيها وهو يرمي حجرا على الاحتلال!
إن جدلية المنفى والملكوت لها تجليات غير قابلة للحصر، لأن الملكوت هو ما يحدد المنفى ودلالاته، فقد يكون وطنا بالمعنى التقليدي البسيط الذي عبّر عنه محمود درويش حين قال: لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين، وقد تكون فكرة تغذيها الميثولوجيا، كما هو الحال بالنسبة لليهود، وقد يكون المنفى زمانيا وتاريخيا، بحيث يشعر المنفي بأنه يعيش في زمن غير الزمن الذي يشتهيه ومكان غير المكان الذي يحلم به.
وأحيانا يكون المنفى غامضا ومجرد نداهة لها حفيف قادم من المجهول، كذلك البلد البعيد الذي كانت تحلم ببلوغه بطلة جيته، وتبكي حنينا إليه، وهي لا تستطيع تحديده أو تحديد الجهة التي توصلها اليه. وهو ذاته ذلك الحنين الفيروزي الغامض الذي عبّر عنه الرحابنة في أغنية شهيرة هي: أنا عندي حنين ما باعرف لمين!
ولا يفوتني هنا التذكير
بمنفى آخر ملكوته اللغة، حين يعاني المبدع بالتحديد من ازدواجية القلب واللسان، وهذا ما عبّر عنه كُتّاب عرب بالفرنسية منهم مالك حداد وآسيا جبّار وآخرون، ولعلّ عبارة مالك حداد الشهيرة اللغة الفرنسية منفاي تختصر كل ما يمكن قوله عن هذا المنفى!
كاتب أردني

خيري منصور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية