جوليا كريستيفا منظِّرة ومحلّلة نفسية فرنسية بارزة، وكاتبة من أصل بلغاري، كتبت العديد من الأعمال المهمّة في مجال التحليل النفسي واللغويات والفلسفة، تتناول بعض كتبها مواضيع تتعلّق بالحب والعلاقات الإنسانية. وقد أردت في مقال اليوم أن أتوقف عند كتابها «قصص في الحب» ترجمة محمود بن جماعة، الصادر عن دار التنوير (تونس، لبنان، مصر) لأهمية نظريات جوليا كريستيفا في كل ما يتعلّق بإدراكنا للآخرين والعواطف التي تأتي بتفاعلنا معهم، وديناميكيّات الحب، وقوى الرعب، والحقد. وغوصها أيضا في قضايا الاضطرابات النفسية في المجتمع الحديث، وتشريحها لأشكال مختلفة من المعاناة النفسية وليدة ظروف الحياة الجديدة، وتأثيرها على قدرتنا على الحب والعطاء العاطفي. مع ملاحظة أن هذا الكتاب اتبعته كريستيفا بكتاب آخر بعد عشر سنوات «أمراض النفس الجديدة» تطرّقت فيه للجوانب النفسية والاجتماعية، التي يمكن أن تؤثّر في العلاقات الرومانسية.
«الحب وهمٌ ضروري» تقول كريستيفا التي فكّرت وكتبت كثيرا عن الحب، معترفة «حاولتُ أن أبني نفسي في أمواج العالم والتاريخ، إذ لا أعتقد أن هذا قدري». فلماذا هو وهم، ولماذا هو خارج السيطرة الفردية والقدرية؟ تُطرح هذه الأسئلة من باب البحث عن جواب شافٍ، كون العلاقة معقّدة جدا بين الحب والمتعة، وبين حالة الحب كحالة ميتافيزيقية، تجمع بين العاطفي والفكري والجسدي، ما يجعل مشاركة اللحظات الحميمة مع شخص ما، يمكن أن تولِّد متعة وفرحا وإثارة وسعادة، وهذا في حدّ ذاته حافز للبحث عن الرومانسية والحفاظ عليها. إذ من المرجّح أن نرغب في مواصلتها واستثمار الوقت والطاقة فيها، كون المتعة عنصرٌ مهم جدا لتقوية الرّوابط والحفاظ على علاقة طويلة الأمد. أمّا الحب الذي يتجاوز المتعة البسيطة ويشمل عناصر أعمق وأكثرَ تعقيدا، فهو الحب الذي وصفته كريستيفا في كتابها، بالارتقاء بالفرد إلى مستوى أبعاد الكون، شارحة ذلك الكون بقولها: «إنّه كوننا نحن، كوني أنا وكونُه هو، في حالة من الاختلاط والتّوسُّع، فضاء مُمَدَّد لا متناهٍ، حيث انطلاقا من مواطن الخلل فيَّ، أتفوَّه عن طريق المحبوب، بذكر رؤيةٍ مثالية.. إنّها ضربٌ من المُحال لكنّها تظلُّ قائمة».
الحب شاسع، ويمكنه أن يشمل أوقاتا من الألم والتضحية والعنف، وصعوبة في التواصل، وغالبا ما يشمل خبرات أوسع مثل التعاطف والرحمة والالتزام والدّعم المتبادل، لكن قد يكون مربكا حين يأتي مع كمٍّ غير مفهوم من الخشية! وهي نوع من الخوف، من تجاوز بعض الموانع والمحظورات، لكن بالأخص يتولّد هذا الخوف من عبور الذات وتجاوزها، وتقصد الكاتبة بالضبط ذلك الحب الذي يغمرنا ويمحونا ويتركنا دون إشباع، على أشكاله المختلفة، سواء كان رومانسيا أم عائليا أم أفلاطونيا، فلكلّ حب ديناميكياته الخاصّة ومستوياته، فهو في النهاية إن استطعنا حصره في مفهوم بسيط ومختصر حالة تعتمد على السياقات الثقافية والقيم الفردية والتّجارب الشخصية. انطلاقا من تجربتها الإنسانية الشخصية إلى تجربتها العلمية الأدبية، تذكِّرنا جوليا كريستيفا أن كل القصص ترتكز على الحب، وتقصد هنا حب الكائنات التي تهتم بها، فاتحة أفقا كبيرا لتحديد تلك الكائنات، بدءا ببلغاريا موطنها الأصلي إلى فرنسا البلد الحاضن لها، إلى أمريكا البلد الذي حقّقت فيه مقروئية كبيرة، ثم تذكر والدها ستويان ووالدتها كريستين، وزوجها الكاتب فيليب سوليرس، وابنها ديفيد، إلى علاقات أخرى تمثّلت في حياتها الحميمة، التي لم تنفصل أبدا عن طبيعة عملها كمحلِّلة نفسية وكاتبة، إلى نضالها من أجل حريّة النساء ودعم الأفراد ذوي الحاجات الخاصة، تتحدث عن كل ذلك بصراحة وأحيانا بغضب، عابرة الهويات والحدود، ناسجة الجسور بين الحب والانضباط والالتزامات، مع أنّها لا تنسى تنبيهنا بقولها: «إنّي أقرُّ بأنّ المصير الخاص لضروب الحب التي عشتها (ولعلّه ينبغي القول: المصير الخاص لهشاشتي المتخفيّة وراء قناع اليقظة) يؤدّي إلى استفحال ذلك الخلل في خطابي أمام تجربة الحبّ المتمثلة في التشابك اللولبي ما بين الجنسانية والمُثُل المتداخلة».
في الكتاب شمولية ماتعة موزّعة وفق ستة فصول ضخمة على مدى 380 صفحة، كل فصل مقسّم إلى عناوين فرعية، تسهّل عملية القراءة، رغم ذهابها بعيدا في وصف التجربة العاطفية عبر الأزمنة وتغيراتها. الجميل في الكتاب أيضا أنها تستعين بالأدب، كما بنتائج الدراسات العلمية للتوسُّع في هذا الموضوع الحسّاس، بحكم أنّ الأدب هو البصمة الإنسانية الحقيقية على تجاربه.
ليس غريبا إذن أن نقرأ عن روميو وجولييت، وبودلير، أو ستندال، أو غيرهم، وعن النصوص المقدّسة، وتأثيرات الدين على المُكوِّنات العاطفية لدى أتباعه. تقيس الانفعالات البشرية وفق المحرّض أو الموجِّه المقدّس، ثم وفق الخطاب الأسطوري الذي انقلب إلى خطاب فلسفي، فهناك تاريخ طويل للمواقف والخطابات في الحب، وهو بلا شك مستودع النفس الغربية الأكثر عذوبة كما تصفه.
ليس غريبا إذن أن نقرأ عن روميو وجولييت، وبودلير، أو ستندال، أو غيرهم، وعن النصوص المقدّسة، وتأثيرات الدين على المُكوِّنات العاطفية لدى أتباعه. تقيس الانفعالات البشرية وفق المحرّض أو الموجِّه المقدّس، ثم وفق الخطاب الأسطوري الذي انقلب إلى خطاب فلسفي، فهناك تاريخ طويل للمواقف والخطابات في الحب، وهو بلا شك مستودع النفس الغربية الأكثر عذوبة كما تصفه. تأخذنا في رحلة إلى أعماق النصوص واستكشاف الأنساق الشبقية منها وغير الشبقية، منذ القرن الرّابع قبل الميلاد إلى أواخر القرن العشرين، خاصة في الغرب، كون الشرق «اللاشبقي» قد ينشدها في القصائد لكنّه يحصر الحب في النسق الأخلاقي الديني، كمعبر لتكوين العائلة عن طريق التناسل، قبل أن ينتج الفرنسيسكان واليسوعيون حبًّا أكثر «انحرافا» سيفرض بعد سان برنار «أمام حب الأب، الحب الأمومي، وستصبح صورة العذراء مع الطفل بالنسبة إلى الغرب بأكمله، أساس أعز ما يملكه الحب».
لن يفوت كريستيفا موضوع حسّاس مثل التأويل الكلاسيكي للحب عند أفلاطون، والحديث عن «إيروس» الحب الأهْوَس، وهو مصطلح نكتشف معناه الخاص في الفلسفة والأساطير، والذي لا يرتبط على وجه التحديد بفيلسوف يدعى «إيروس» كما قد يتبادر لذهن القارئ، ففي الأساطير اليونانية إيروس هو إله الحب والرّغبة، غالبا ما يتمُّ تصويره على أنّه طفل مجنّح مسلّح بقوس وسهام، وهو يرتبط بشغف الحب والجاذبية الجنسية، غالبا ما يرتبط بقوى الرّغبة والوقوع في الحب. وفي الفلسفة يستخدم كمصطلح لوصف أشكال الحب والسعي خلف الوفاء والبحث عن الخير والمعرفة. وفي سياقات أخرى يمكن مناقشة «إيروس» لفهم العواطف والرغبات البشرية.
هناك في الكتاب عناوين قد لن تهمنا لارتباطها الوثيق بالمفهوم الديني، من وجهة نظر يهودية أو مسيحية، لكن بالإمكان الاطلاع عليها من باب المعرفة بالشيء والتمييز بين ما ينطبق علينا كمجتمع مسلم بعيد عن الدراسات الغربية، وما لا ينطبق. «أن نحب أو أن نفكّر» مثلا على طريقة القديس توما، أو القدّيس أوغسطين «بأنّ أفضل طريقة في أن نحب، هي أن نحب أنفسنا في سبيل الله وبسببه» إذ وحدها محبة الله تعدُنا بالخلاص.
تختتم كريستيفا كتابها بالوقوف أمام عتبة خطاب الحب، وارتباطه بالرغبة التّواقة إلى الاستهلاك المباشر، لأن الحب «شكل من أشكال التعبير العاطفي الشديد» يتدخّل الحرف لإيصال رسالته، والكشف عن رغبات المرء وتوقعاته. وهو بذلك يعمل على سدّ النقص الذي يسببه التباعد الجسدي، محافظا على الرابطة العاطفية وإطالة الرغبة، أضف إلى كل هذا البعد التخييلي الذي بنى هذا الصرح الزمني الضخم المليء بمفاهيم كلها تنصبُّ في توصيف الحب وتخيلات العاشق وأحلامه وتطلعاته وميولاته وأمراضه وانحرافاته وتعقيداته، التي جعلت الكاتبة تشعر بأن ما قالته لم يشبع رغبتها في القول، كما لم يُشبِع نهم القارئ بحثا عن تطابق مشترك بينه وبين هذا التنوع الغرائبي في إنتاج شغف ورغبة في التزاوج والسكن إلى الآخر، رغم كل التحديات والعقبات التي تتغيّر عبر الحقب والأزمان.
شاعرة وإعلامية من البحرين