«حمى البحر المتوسط» في مهرجان القدس للسينما العربية: فيلم سمته الفانتازيا وشخصياته معذّبة نفسياً تؤلمها الجغرافيا

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: يواصل مهرجان القدس للسينما العربية في دورته الثالثة فعالياته، بعد افتتاحه في 11 الشهر الجاري بفيلم «19 أب» للمخرج المصري أحمد عبد الله. وتمت فعالية الافتتاح في المسرح الوطني الفلسطيني – الحكواتي بحضور حاشد.
ضمن فعاليات هذا المهرجان عُرض فيلم «حمّى البحر المتوسط»، الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو ضمن فئة «نظرة ما» في مهرجان كان سنة 2022. شريط من 108 دقائق يتسلل بهدوء إلى أعماق شخصياته، في محاولة لاستقراء ما ليس ظاهراً على الوجوه.
لا تراهن كاتبة السيناريو والمخرجة مها الحاج على مرور الزمن لتترك المشاهد يكتشف بالتدريج حال بطل فيلمها وليد. نراه في عيادة العلاج النفسي، ونتفاجأ بقوله لمعالجته وبثقة، إن حال الاكتئاب تتضاعف لديه مع حلول الموعد المخصص للجلسة.
عبر خطين متوازيين يشقّ فيلم «حمى البحر المتوسط» طريقه. بين شخصية «وليد» المُكتئب والشارد النظرات الأبدي. وبين «جلال» الفِرح والمحِب للحياة في ظاهره. شخصيتان تصلانا بشخصيات أخرى، بعضها مؤثر ويحمل دلالات تحكي المكان والزمان والاحتلال وما يتسبب به من أزمات.
في حين بدأت أزمات الكبار تتكشّف نسبياً للمشاهد، يُطلعنا الفيلم على أزمات مُضاعفة منبتها الجغرافيا والتاريخ، المفروضان قسراً على من يرزح تحت ظلم الاحتلال. هي أزمات كبيرة دون شك تطال الأجيال الصاعدة، بعد أن حفرت بقوة في حيوات من الآباء والأجداد.
إذاً في مسار مشغول بعمق وواقعية تجمع مها الحاج في سيناريو الفيلم الذي كتبته وأخرجته بين الرؤيا السينمائية الفلسفية، وبين الحالات السوداوية التي تنتاب بطليها وصولاً إلى رغبة الانتحار. وقد يكون عنوان الفيلم «حمى البحر المتوسط» اختياراً هادفاً وبالغ الدلالة. فهذه الحمى خاصة بمن يولدون ويعيشون على ضفاف المتوسط، تماماً كما هي حمى التاريخ والجغرافيا المزورة التي يفرضها الاحتلال وبخاصة في مناهج التعليم.
من حيفا المدينة الفلسطينية العريقة ضاربة الجذور في الماضي، اختارت مها الحاج أن تكون قصة فيلمها المشغول برؤية اخراجية تحاكي روحية السيناريو. دارت الكاميرا في مبنى بان وكأنه يمثّل أمة. ودارت في حياة عامة مع شخصيتي وليد وجلال وما حولهما من عائلة وأصدقاء. كانت للحياة خصوصيتها الفلسطينية. قد تكون بالتحديد الحمى التي تسبب بها الاحتلال ويتسبب بها يومياً لحيفا وأهلها من الفلسطينيين. في خضم هذه الحياة جرى البحث عن معنى الوجود، وعن كيفية مواجهة الموت والحياة معاً. ومن له الحق بأن يعطى معنى للوجود.
«حمى البحر المتوسط»، سيناريو صادق وشفاف. كاميرا مها الحاج جعلت من شخصياته وخاصة جلال ووليد رجلين يمثلان دوريهما من الداخل. كان وليد متهادياً شارداً ومشاعر الحزن متأصلة به. مكتئباً وجهاً وجسداً، ونظرات، وكلمات وحركة. أما جلال فمن الشخصيات التي نجحت في اخفاء نواياها الداخلية. نجح في أن يمرر علينا كمشاهدين التباس حالته. في حين كنّا نأمل أن يُعدي وليد في لا مبالاته الظاهرة، لكنّ العكس حصل. صنعت مها الحاج من بطليها ثنائي متناغم ومعبّر. ومع شريطها سافرنا سافرنا لبعض الوقت إلى داخل عدد من أحياء حيفا وقليل من بحرها.
الفيلم من بطولة عامر حليحل وأشرف فرح، إلى جانب عدد آخر من الممثلين.
ويختتم المهرجان غداً الأحد بعرض فيلم «تحت الشجرة» التونسي من اخراج أريج السحيري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية