كنت وحيدا على الشاطئ وكانت الليلة بلا نسيم يهبّ وبلا بحر يخبّ؛ كانت على حدّ عبارات العرب القدامى ليلة وامدة. الومد من أسماء الحَرّ العربية ولكنّه حرّ الرطوبة البحريّة؛ ففي اللسان أن الومد هو « نَدًى يجيء في صميم الحرّ من قبل البحر مع سكون ريح؛ وقيل هو الحرّ أيًّا كان مع سكون الريح» (لسان العرب، 3/ 470).
كنت وحيدا على شاطئ في ليلة وامدة لا شيء يزعجني غير ظلّي الذي يتبعني وخيالات مارّة على الشاطئ في أنس من يفيض عليه الليل بأنسه ويغرقه الأنس في سحره. جسدي الذي لا أشعر به إلاّ كتلة واحدة، أريد أن أخفيه حتى لا يراني العابرون وحيدا بلا رفيق ولا مؤنس. الجسد أرهق الجميع من الشعراء إلى السحرة إلى المتصوّفة أرهقهم بأنّه ساحر جذاب إذا كان يتثنّى طريّا كغصن بانٍ أو إذا اختفى بإشارة من عصا ساحر، أو إذا عذّب انتقاما لروح مسجونة. جسدي الذي يراه المارة شبحا وأراه شوقا في خيال من يحبّني، يريد أن يحتضنني بشوق ليس كيانا يفصل شيئا هو الأداة التي تكتب وجودي الآن، وهنا وهو الجوهر، الذي يختصرني في كلّ مرّة أحضر فيها بين يدي من يحبّني أو يكرهني.
للجسد في الفكر البشري تاريخ فقد سعت جماعات عدّة للفصل بينه وبين الذهن، وجعلت أحدهما يتحكم في الآخر تحكم قائد فرقة أوركسترالية في الآلات العازفة. لكنّ هذا التصوّر جوبه بآخر يعتبر الجسد كيانا ذكيّا هو في تفاعل مع الذهن مشترك. الجسد ذكيّ ذكاء كلّ من له القدرة على أن يبني فكرة بعيدة على قادح قريب: ذكاء من يشمّ عطرا فيعرف أن حبيبة القلب قادمة من بعيد، وذكاء من يتعرف عليها من نبرة صوت ضائع في الجلبة البعيدة، يناديك صوتها دون أن يناديك ويسميك دون أن يسميك، ستعرف وأنت في الظلام صوتها حتى إن لم ترها. الجسدُ الذكيّ هو الجسد الذي يتعامل معه الإنسان لا على أنّه وعاء للروح أو متحرك بإمرة الذهن؛ بل يتعامل معه على أنّه مؤثّر فيهما أيضا. وبدلا من الحديث عن دفن الجسد في الروح أو في الذهن بات من الممكن الحديث اليوم عن طمر الذهن في الجسد. وعلى العموم ساعدت العلوم العرفانيّة على أن تصنع وجهة نظر تفاعليّة بين الذهن والجسد ضمن ما يعرف باسم الجسدنة. في قول أبي الطيب المتنبي في إحدى مدحيّاته في سيف الدولة (كئيبا توقّاني العَواذِلُ في الدّجى// كما يتَوقّى ريِّضَ الخيل حَازِمُهْ) لا يوجد حضور صريح للجسد: لا جسد الكئيب ولا هيكل الحصان الذي اعتمد شكلا مصوّرا عارضا بشكل بشريّ هو الذي يعنينا. عليك أن تبحث وأنت تقرأ البيت عن جسمين وقد طمرا في لفافتين: لفافة الكآبة لهذا الجسد البشري، ولفافة الخيل الذي أجهدته حركة من يدربه. وعلى الرغم من هذا الغياب، فإنّه من غير الممكن أن تفهم معنى البيت، من غير أن تتمثّل للجسد حضورا ما ولو تقريبيّا. جسدُ العاشق حاضر ضمنيّا خيالٌ يلفّه سوادُ الدجى مثلما يلفّني أنا الجالس على هذا الشاطئ في ليلة وامدة. كلانا: أنا المتحدّث إليك هنا، وهو المطلّ عليك من بيته الشعريّ العاجيّ، حاضر ولكن لا أحد منّا يرى بوضوح. دعك من خيالي أنا والمح خياله في ذلك البيت ستجده وقد طمرته الطبيعة بعتمتها فصار لا يرى لا لأنّه مختفٍ، بل لأنّه» مُتوقّى منه» يحذره العواذلُ: لائموه ممّن يقولون له: لا تعشقها إن تعشقها تصرْ إلى ما أنت فيه ويذوي جسدك ويبريه الحزن، لكنّ هذا الجسد الذي تخفيه العتمة هو أيضا واقع تحت طبقات سميكات من المشاعر السوداء: إنّه كئيبٌ منكسر النفس مغتمّ. الكآبة في بيت الشعر لم تكن صفة أو نعتا كما يقول النحاة، لقد كانت حالا. الحال بما هو مصطلح نحويّ عبارة مجسدنة. الجسدنة في الاستعمال العرفاني لا تعني أن تتخلّص من الروح وتترك الكون بلا ذهن يرتع فيه الجسد كما يشاء، ولكن لا تعني أيضا أن الذهن (أو الروح بالمعنى الكلاسيكي للعبارة) هي ما يهيمن على إدراكنا للعالم. الحال التي هي اسم يركّز على الهيئة التي يجري فيها الفعل تعني أنّك ترى فاعل الفعل على هيئة مرئيّة (وهذا طرازها) أو غير مرئيّة مستشفّة من الجسد ذاته (وهذا هامشها). في التفكير الحديث لا يوجد ذهن منفصل عن الجسد، أو بعبارة أخرى لن تفلح مجاهدة المتصوّفة ولا رياضاتهم في تعذيب الجسد وقتله حتى تزول قضبانه التي تخفي الروح.
الجسدنة هي تفاعل الجسد مع الذهن في المحيط الاجتماعي والثقافي المعين. وفي هذا السياق يفهم عدم التوازن هذا بين ضغط الفرد (العاشق) واللائمين وهو ضغط غير متكافئ، ففي العادة تضغط الجماعة اللائمة على الفرد بفعل الجسد والذهن.
حتى تكون كئيبا عليّ أنا من يراك أن أعرف أنّك كذلك، وحتّى أعرف أنّك كذلك عليك أن تعرض لي الدليل على أنّك كئيب. تستطيع أن تحدّثني فتقول لي (أنا كئيب) فأصدّقك ويمكن أن أكذّبك فأقول لك (أنت بخير). هنا تكون اللغة دليلا على أنّك كئيب لأنّك بالتقطيع الصوتي (وهو تشخيص جسدي تؤدّيه آلاتنا الناطقة) رمزت باللغة إلى كونك كئيبا. لكن ليس كلّ كئيب واصفا باللغة كآبته. فكم من كئيب لا يخبرك عن كآبته باللغة: ولمَ تراه سيفعل وهو منصرف عنك وعن كونك، لا يبالي بك أن عرفت بكآبته أو جهلتها. لكنّك، على الرغم من كلّ ذلك تعلم وتكتشف من علامات للروح تلقى شيفراتها على قارعة الجسد. لو استعرنا للذهن وعلاقته بالجسد صورة من الأوركسترا السابقة، لكنا إزاء استعارتين كلاسيكية ترى أن الذهن هو قائد الأوركسترا على ما بيّنّاه سابقا، واستعارة عرفانيّة تنظر إلى تفاعل الآلات وانسجامها لتأدية نغم معلوم. في هذا التفاعل أنت لن تميز بين صوت الكمان وصوت البوق أو غيرهما من آلات العزف، ستكون إزاء منتج واحد متناغم. بهذا المعنى فإنّ (كئيبا) بما هي حال هي تفاعل بين الجسد المنعزل والروح الباطنة تنتج هذه الحالة. لن يكون الجسد قائدا أو علامة سيكون جزءا من معزوفة الكآبة التي يكون عليها المتحدث. وقس عليه بالنسبة إلى بقية العبارات ففي (توقّاني) مثلا فإنّ الجسد يمكن أن يحضر بشكل ضمني باعتباره جسدا يُتجنّب؛ لكنّ الجسد المتجنَّب ليس لا جسدا ولا روحا، بل هو تفاعل أنتج شخصا يتوقّاه العاذلون. العاذلون هم كتلة من البشر فعلها تسليط اللوم على الذات وسلطتها الفاعلة عدديّة (الجمع) والعدد تشكيل مجسّد لقوة تتألّف من أفراد وهي جماعة ذهنية، لأنّها تختلف مع الملوم في سلوكه تجاه من يحبّ: هي سلطة ضاغطة بالعدد وبالفكرة. غالبا ما تصدر الثقافة الضاغطة شعارات باسم عدم مخالفة الجماعة المالكة التي تملك ‹الحسّ السليم.
الجسدنة هي تفاعل الجسد مع الذهن في المحيط الاجتماعي والثقافي المعين. وفي هذا السياق يفهم عدم التوازن هذا بين ضغط الفرد (العاشق) واللائمين وهو ضغط غير متكافئ، ففي العادة تضغط الجماعة اللائمة على الفرد بفعل الجسد والذهن. التأثير الجسدي في محيط هو جزء من فكرة البيت الشعريّ وجزء من معنى الجسدنة، إذ يبدو اللائمون في وضعيّة من يقدم على الفعل الجسداني في المحيط، ولكنه يُحجم عنه. يصبح للعاشق المفرد الكئيب قوة ضاغطة بحجم القوة الضاغطة الجماعيّة المناقضة أو أكثر.
في ليلة الومد هذه يجلس جسدي لا كئيبا ولا فرحا وحيدا، لا يخفيني الليل عمّن يمكن أن يلومني في عشقها. غربة جسدي أنا أكثر من غربة جسد متوقّى كئيب. خارج البيت الشعريّ العاجيّ لا يلفني الليل ولا أتخفّى به. أنا جسد يبحث في الشعر عن جسد مثيل له ليكسر به وحشته، لكنّه حين يجده يشعر بغربة أكثر: لقد كان جسدا كئيبا غير أنّه أرستقراطيّ باذخ، سيّد في روحه مهيب، عاشق تخشاه قبيلة العاذلين فلا تقول له رسالتها في العذل. كان جسدا يعطّل أجسادا أن تتكلم. بينما كان جسدي بروليتاريّا يصارع من أجل لقمة عشق عابرة.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة