استطاعت موسيقى الراي أن تتجدد وتعدد أوجهها، أن تدمج إيقاعات وتستبعد أخرى، لكن الثابت الذي ظل حاضراً من غير مساس: هو النص. فالراي خرج من قصيدة الملحون (العامية). وسنجد أن أهم النصوص الشعرية التي رافقت الراي، منذ بداياته، كتبها شعراء ملحون من خمس مدن جزائرية: مستغانم، سيدي بلعباس، معسكر، عين تموشنت وكذلك تلمسان. إذن فالبداية الأصلية لهذه الموسيقى كانت من غرب البلاد. قد يتساءل أحد: وماذا عن وهران؟ تجدر الإشارة أن وهران تاريخيا كانت من الحواضر زمن الاستعمار، والشعر الملحون يأتي من خارج الميتروبول، لأن الميتروبول معرض للهجنة اللسانية عكس خارجه. بالتالي فإن المحور الأساسي في التوزيع الجغرافي للراي يُحيل إلى غرب الجزائر. مع أن المدن الخمس التي سلف ذكرها لم تكن وعاءً في كتابة تلك الأشعار، بل يقصد منها أنها كانت مسقط رأس الشعراء. فالشاعران مصطفى بن براهيم على غرار عبد القادر الخالدي عاشا حياة ترحال، من مكان لآخر، ويصعب تحديد موقع كتابتهما لنصوصهما.
تنقلات الآلة
لكن القصيدة وحدها لم تكن كافية (على الرغم من مكانتها في صلب العملية الرايوية) بل نحن في حاجة إلى الآلة، قصد أن يصير النص أغنية. والآلة التي لم يستغن عنها الراي، منذ نشأته، وخروجه من رحم أغنية البدوي، هي القصبة. هذه الآلة هي بمثابة الأوكسجين الذي لا غنى عنه في الانتقال من القصيد إلى الغناء. هي أشبه بالناي وحضورها كان سبباً في انتقال من الكتابة إلى الأداء. وإن كان الشعراء أوائل من غرب البلاد، فإن القصبة لها تاريخ الآخر، فهي من مكان آخر بعيد ومختلف عن وهران وضواحيها. آلة القصبة قدمت من شرق البلاد. ونجد أثراً في كتابات رحالة من القرن السابع عشر يذكرون هذ الآلة (بفجواتها التسعة، لكن عددها سوف ينخفض مع الوقت ويتغير حسب رغبة العازف وموهبته) وأن موضعها الأول كان في منطقة الأوراس (شرق الجزائر). فقد كانت الآلة الأثيرة في مناسبات الفرح مثل الزفاف أو الختان، لكن أيضاً في مناسبات دينية في تلحين قصائد في مناسبات تتعلق بعاشوراء أو المولد النبوي. هكذا إذن سوف يحصل انتقال جغرافي للقصبة من الشرق إلى الغرب، مروراً بمنطقة القبائل (أمازيغ وسط البلاد). في منطقة القبائل القصبة كانت من الثوابت ولا تزال كذلك، بناء عليه فإن الانتقال من القصيدة إلى الأغنية، في نمط الراي، جاء بالاستعانة بآلة من شرق البلاد (سوف يُضاف إليها القلال، وهي آلة أقرب إلى الطبلة، والغاية منه خلق إيقاعات راقصة، كان للفرجة أكثر من التلحين). على الرغم من تطور وسائل العزف والإنتاج فإن صوت القصبة لا يزال يتردد في أغاني الراي إلى غاية اليوم.
يبقى أننا لم نذكر منطقة أخرى سيكون لها دور حاسم في تاريخ الراي، وهي مدينة الجزائر العاصمة، فحين افتتاح مقام الشهيد عام 1986 (لغاية سياحية وأخرى تاريخية في استذكار حرب التحرير) تبادرت إلى الاذهان إقامة مناسبة فنية للترويج له، وكانت هذه المناسبة مهرجانا للراي. لا بد من أن نكون صريحين مع أنفسنا، فلولا هذه الرغبة في الترويج لمقام الشهيد لما رأينا موسيقى الراي في العاصمة، لظلت حكراً على وهران وما جاورها، ولما فُتحت لها أبواب سوف نأتي على ذكرها. من غير أن ننسى فضل مدير رياض الفتح آنذاك، الذي ساعد مغنيي الراي كثيراً من موقعه الإداري والسياسي. وصول الراي إلى الجزائر العاصمة من مقام الشهيد سهّل وصولها إلى التلفزيون (وكان ممنوعا قبل ذلك). والمنع لا يتعلق بالراي في حد ذاته، بل يجب أن نفهم تلك المرحلة وما ساد فيها من مركزية الفعل الثقافي، أي أن كل فعل مقاومة أو فعل مناوئ أو تعبير فني خارج عن المألوف، كان غير مرغوب فيها. فقد كنا في مرحلة الحزب الواحد.
الوصول إلى الشاشة
من الجزائر العاصمة سوف يدخل الراي إلى البيوت، والأمر لا يتعلق ببث أغان، بل بإنتاج أول فيلم غنائي في الجزائر، وهو (لحن الأمل) عام 1992، هذا الفيلم وإن جاء متأخراً فقد ساعد في إتاحة قاعدة أوسع لجمهور الراي، كما أن من لعب دور البطولة فيه هو مغني راي، لكنه ليس من غرب البلاد، بل من العاصمة هو عبد الرحمن جلطي. هكذا إذن فإن الحيز الجغرافي في وسط البلاد سوف يلعب دوراً استثنائياً في صناعة الراي، من غير أن نغفل أن ديوان رياض الفتح واصل دعمه للمغنين الشباب مطلع التسعينيات في مساعدتهم، ونلتمس ذلك من خلال مساعدته لهم في تصوير فيديوهات كليب. سوف نجد أن ما لا يقل عن 12 فيديو كليب مهم في تاريخ الراي قد صور في رياض الفتح بالتالي في وسط البلاد، وليس في غربها إذن. من غير أن ننسى كذلك تأثيرات موسيقى القناوي من الجنوب، على الجيل الأول من (الشباب) في سبعينيات القرن الماضي.
صحيح أن وهران كانت عاصمة الصناعة الرايوية، لكن بالعودة إلى واحدة من شهادات بوعلام بن حوة (صاحب شركة ديسكو مغريب) فإن أكبر سوق لتلقي الراي كان في شرق البلاد. ففي مطلع الثمانينيات ظهر استديو تسجيل مهم، في مدينة العلمة (ولاية سطيف) تداولت عليه أكبر الأسماء الفنية، والغرض من ذلك الاستديو لم يكن التسجيل فقط، بل إتاحة الراي للجمهور المحلي في سطيف وولايات مجاورة (مثل قسنطينة) الذي كان أكثر كثافة من المتلقين في غرب البلاد.
إذن إننا إزاء خريطة تمس مناطق البلاد غربا وشرقا ووسطا في صناعة هذا الكائن الرايوي، في الصناعة الرايوية، ونظن أن حجزها في نطاق وهران وحدها، يعد مثل من يعيدها إلى محليتها، بعدما انطلقت إلى الأفاق الشاسعة، وأفضل خدمة نقدمها للراي من أجل استمراره أن نعيد توزيعه جغرافيا، بشكل عادل مع الشرق ووسط البلاد، لا أن يظل في حيز واحد، قد سبق له أن تجاوزه تاريخيا.
روائي جزائري