الفيلم الأرجنتيني The Wrath of God «غضب الله»: تقطيع الزَّمن في لعبة السَّرد السينمائي بحثا عن الحقيقة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

أحيانا يقف الإنسان عاجزا عن تفسير ما يحدث في حياته، ويفشل في فهم حالة الانهيار التي تعصف بوجوده، عندها يقف مذهولا أمام ما يواجهه، هذا ما يسرده فيلم «غضب الله» إنتاج 2022 للمخرج سيباستيان شيندل (مواليد 1975). فالشابة لوسيانا (ماكارينا أتشاغا) بعد أن يختطف الموت أفراد عائلتها واحدا بعد الآخر بشكل غامض، تطرح تساؤلاتها عن خفايا ما يجري، لكنها تفشل في أن تجد سببا لهذا الموت سوى أن تحوم بشكوكها حول كلوستر (دييغو بيريتي) الكاتب الروائي الشهير الذي كانت تعمل لديه بصفة مدونة لكتاباته، مع أنها لا تملك دليلا ماديا دامغا على تورطه.
كلوستر مثل أي روائي نجح في تحقيق شهرة كبيرة من الطبيعي أن يحسده كتاب آخرون لم يحالفهم الحظ في تحقيق ما يصبون إليه من نجاح، كما هو الحال مع الكاتب الصحافي الشاب استيبان (خوان مينوخين) الذي سبق أن عملت لوسيانا تحت أمرته قبل كلوستر، ووجدت في حينه أن لديه شكوكا حول أهمية كتابات كلوستر، ودائما ما كان يكتب مقالات ليست في صالح رواياته، لذا تلجأ إليه لإعادة تفكيك حكاية الموت الغامض في محاولة لسردها بطريقة منطقية، لربما ينكشف الدافع الذي يكمن خلف أستارها، مراهنة بذلك على ما يحمله استيبان من تحامل على شخصية الكاتب كلوستر، حيث سبق له أن عبّر عن ذلك في سلسلة مقالات نشرها في الصحيفة التي يعمل فيها.
طالما أن الغموض هو العنصر المركزي الذي يغلف الأسباب التي تقف وراء موت عائلة لوسيان، فقد جاء أسلوب السرد في سيناريو الفيلم، متماهيا معه في بناء حبكته، مستثمرا ما قد يخلقه من تشويق في رحلة البحث عن الحقيقة المغيَّبة، لأن أساليب السرد تتنوع بأنماطها، تبعا لخاصية الحكاية، ورؤية السارد للكيفية التي ينبغي أن تسرد بها، ابتداء من نقطة البداية وانتهاء بالخاتمة، فالحكاية لا تكتسب أهميتها وتأثيرها على المتلقي إلاَّ من خلال طريقة سردها ورؤية السارد للمعالجة الفنية التي ينظر بها إلى الزمن السردي وهو يعيد تركيبها. من هنا اعتمد الفيلم في بناء الحبكة على تشظي الزمن وتقطيعه إلى وحدات ليس وفقا لترتيبها الزمني، لكي لا يفقد السرد السينمائي عنصر الغموض الذي أحاط بموت أفراد أسرة لوسيانا واحدا بعد الآخر. فالغموض يبقى القوة الدافعة لتدفق إيقاع السرد واستقطاب حواس المتلقي، ويبقيه مستيقظا طوال وقت العرض وفي داخله تتصاعد الرغبة في تخمين الأسباب، وصولا إلى معرفة الحقيقة. بمعنى أن البناء السردي في الفيلم لم ينشغل بالحكاية وفق مسار أفقي، بقدر ما كان مهتما في إعادة صياغتها وتركيبها مونتاجيا، عبر تقنية التقطيع السريع دون تمهيد، فيما هو يتنقل ما بين أحداث الماضي والحاضر، من وجهة نظر السارد/ لوسيانا بحثا عن إشارة تقودها مع استيبان إلى تورط كلوستر في موت عائلتها. هذه المراهنة التقنية في السرد تشير إلى أن سيناريو الفيلم كان انشغاله منصبا على الشكل والصياغة الفنية، بقصد فتح آفاق أمام المتلقي حتى يتشارك مع الشخصيات بأسئلته، ولا يستكين إلى الاسترخاء الذي يحدثه الفيلم في ما لو انساق السرد إلى بنية تقليدية.

متن الحكاية

تبدأ الحكاية عندما حاول كلوستر في لحظة ما استغلال لوسيانا عاطفيا أثناء عملها معه، فسمح لنفسه في الاقتراب منها وتقبيلها، متوهما بانها كانت تسعى لاستمالته والتقرب إليه، لكنه فوجئ برفضها الشديد ومغادرتها بيته. ولم يكن كلوستر يتوقع منها هذا الموقف، فشعر بأنه قد ارتكب خطأ كبيرا، لذا حاول أن يخفي عن زوجته وطفلته الوحيدة المتعلقة بلوسيانا، سبب انقطاعها عن العمل في اليوم التالي، مبررا ذلك بأنها مشغولة بدراستها.
تكتشف زوجته في ما بعد وعن طريق الصدفة ورقة الشكوى التي رفعتها لوسيانا إلى القضاء عن طريق محاميتها ضد زوجها، حينها تنهار نفسيا فتعاودها حالتها المرضية التي سبق أن عانت منها، إذ كانت في ما مضى راقصة باليه شهيرة، لكن مسيرتها المهنية انطفأت فجأة وفقدت مجدها بعد أن اصيبت قدمها، وبذلك انتهت حكاية النجمة وزال بريقها، ولم يبق منها سوى صورة كبيرة وهي ترتدي ثياب راقصة الباليه معلقة على أحد جدران البيت، وهذا ما سبب لها انتكاسة نفسية حادة جعلتها تعاني من انهيارات عصبية شديدة، خضعت بسببها إلى رحلة علاجية طويلة نجحت إلى حد ما في تهدئتها. لكن ورقة الشكوى فجرت في داخلها الشعور بالهزيمة مرة أخرى، ولم تعد تملك زمام السيطرة على نفسها، وحال انتهائها من قراءتها، انفصلت عن وعيها، ولم تعد تدرك ما يدور حولها، بينما كانت طفلتها تنادي عليها من غرفة الحمَّام وهي غاطسة في البانيو لكي تحمِّمَها بدلا من والدها الذي اعتاد يوميا أن يحمِّمَها، لأنه تأخر عن موعد عودته المنتظم إلى البيت. إلاَّ أن شعورها بالخيانة التي اقترفها زوجها بحقها، أفقدها القدرة على التحكم بانفعالاتها، وبينما هي شاردة الذهن بعيدا عما حولها أغرقت إبنتها في البانيو دون أن تدرك ما تفعل إلى أن لفظت أنفاسها، ولمّا صحت على نفسها واستوعبت الجريمة التي ارتكبتها، انسحبت بهدوء إلى غرفتها وجلست على حافة السرير، ثم تناولت علبة معبأة بحبوب مهدئة للأعصاب وأفرغتها كلها في يدها ثم ابتلعتها. ولمَّا عاد كلوستر إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل ويتفاجأ بموت زوجته وابنته، لم ينتظر وقتا طويلا حتى يدرك سبب الكارثة التي حلت عليه وعلى عائلته، عندما يكتشف أن زوجته قد أطلعت على ورقة الشكوى. فيقرر الانتقام من لوسيانا وعائلتها، محملا إياها مسؤولية ما جرى له من كارثة. ولأنه روائي فقد استثمر موهبته في حبك القصص لتنفيذ خطته بالثأر منها، مستخدما ما يملكه من معلومات عنها وعن جميع أفراد أسرتها، حيث سبق لها أن أفضت بها أمامه أثناء ما كانت تعمل عنده، لأن طبيعة علاقتها معه ومع أفراد عائلته كانت تبعث فيها الاطمئنان، فلم تكن تتردد في أن تبوح بأسرار عائلتها. لذا كان من المنطقي أن يشحذ مخيلته الروائية في بناء حكاية يكتنفها الغموض وهو يخطط لعملية الانتقام، لتبدأ قدراته التقنية في مرحلة اختبار جديدة في إيهام وتظليل الآخرين وهو يفرِّقُ تفاصيل حكاية الثأر، ليس في رواية متخيلة يكتبها على الورق، إنما في الواقع الحقيقي الذي طالما استلهم منه نتاجه الروائي، حتى أنه في بداية الفيلم وبينما كانت لوسيانا تصغي إليه وهي تطبع على الحاسوب ما يصدر عنه من جمل، ردد على مسامعها مقطعا من شريعة حمورابي حول معاقبة المجرمين «السن بالسن، والعين بالعين». وكان ذلك تلمحيا مبكرا إلى ما تختزنه هذه الشخصية في وعيها من استعداد لاقتراف القتل.
يحاول الصحافي استيبان بحكم عمله المهني تجميع شظايا القصة الواقعية وهو يستمع لكلا الجانبين كما اعتاد أن يفعل في التحقيقات الصحافية التي طالما كلَّفه بها رئيس التحرير، نظرا لما يتمتع به من موهبة وذكاء وسرعة في التنفيذ دون غيره من العاملين في الجريدة. ورغم أنه نجح في تحقيق زيارة كلوستر في بيته، إلاَّ أنَّه وقع في حيرة من أمره، وعجز عن الوصول إلى الحقيقة بغياب الأدلة الدامغة التي تبرئ أو تدين كلوستر، فالشابة فقدت أفراد عائلتها بخطة محكمة لا يظهر منها أي إشارة واضحة تدينه، وفي المقابل يبدو كلوستر ضحية هو الآخر من بعد أن فقد زوجته وطفلته، وغرق في عزلة كئيبة داخل قصره الواسع.

لغة الحوار والصورة

رغم أهمية الحوار في سرد حكاية الفيلم، باعتباره مأخوذا عن رواية، إلاَّ أن المخرج منح الصورة ما تختزنه من امكانات في مستويات بنائها السردي. فالعلاقة بين الحوار والصورة تكتسب قيمتها من تكامليتها في استدراج المتلقي إلى التجربة الفنية وهي تتشكل بعناصرها على الشاشة، فالمخرج تحرك بخطابه الفني بعيدا عن المباشرة، في منطقة قائمة على الإيحاء متأرجحا بين الحلم واليقظة، وهذا يعني تأكيده على انحسار المساحة التي تفصل ما بين الصورة والحوار، فيما هو يعمل على تبادلهما للمواقع أثناء ما يبث شفرات رسالته الجمالية. المتابع للسينما الأرجنتينية يجدها بعيدة عن نمطية البناء الفني السائدة في الفيلم الهووليودي، وهي أقرب إلى السينما الأوروبية من حيث تنوع الرؤى والأساليب التي تطرح من خلالها الموضوعات. والجانب الآخر المهم فيها سعيها الدائم إلى الاقتراب وبقوة من الواقع والقضايا التي تشغل الفرد والمجتمع، فهي ليست خيارا لتحقيق الأرباح عبر أشرطة تحقق التسلية، إنما مركزية حكايتها تسير في إطار الوعي بالفن السينمائي باعتباره حقلا إبداعيا يستمد قوته من قدرته على الاقتراب من قضايا الإنسان، وبنية جمالية يستدعي خطابها إثارة الوعي والتأمل لدى المتلقي.
والمخرج سيباستيان شيندل عادة ما يعتمد في أفلامه على تحقيق الإثارة النفسية مع الإصرار على تحقيق سياق اجتماعي قوي، ولعل أكثر ما يثيره في صناعة الأفلام هو إمكانية الاستكشاف في مجالات جديدة، وهذا ما أكَّدَهُ في أحاديثه للصحافة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية