كيف نحافظ على تراثنا ونجعل منه وسيلة للتقدم؟ سفرات صيف

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
2

مع تقدم السن، نجد بعض الناس يحنون إلى «الماضي الجميل» بشكلٍ شبه مرَضي، ويبالغون بتجميل الماضي والتجاوز عن مساوئ لا يخلو منها أي زمان في أي مكان من العالم. ولكن تذكر الأيام الجميلة قد يخفف من الكآبة التي تصيب بعض البشر الذين يحسبون، أو يحلمون، أن تكون أيام الحاضر شبيهةً أو قريبةً من الماضي الجميل. وبعض هذا الحنين إلى الماضي قد يبدو غير معقول أو مقبول، لأن «الدنيا تغيرت» ويبقى ما كان في الماضي في الخيال وحده، والحنين إليه يبقى في مجال الحنين، على أن لا يزيد عن حده فينقلِبَ إلى ضده، ويكون سببا جديداً لتعاسة الإنسان.
قد يبدو هذا الكلام نوعاً من النصائح التي يقدمها الشيوخ إلى الشباب الذين لا يلبثون أن يتخلوا عنها. ولكن التجوال في بلاد الله الواسعة، إذا تيسر للمرء ذلك، قد يخفف من الكآبة، عندما يرى مصائب بعض الناس، وعندها تهون عليه مصائبه.
في ذلك «الزمان الجميل» نسبياً، قبل أن يغمرَنا «الصقيع العربي» فيُشتِتنا شذَر مذَر، كان بوسع المرء أن يحصل على جواز سفر بختم «شنكَن» يدور به في أصقاع أوروبية، إضافة إلى بلاد عربية لا يتطلب بعضُها سِمَةَ َدخول. وقد تيسر لي يوماً أن أضرب في الأرض، فبدأتُ بأقرب بلد عربي كنا نقرأ عنه كثيراً في أيام المدرسة الابتدائية: دمشق الشام. كان أول ما سمعته في طريقي إلى «مطعم علي بابا» (وقد نصحوني بأنه يقدم «الأكلات الشامية على أصلها») إمرأة متقدمة في السن تسير وتكلم نفسها قائلةً: «الله يرحم أيام كانت البندورة بثلاثة فرنكات». هل كانت تلك سخرية القدر من اقترابي من أغلى مطعم في دمشق، في تلك الأيام: ست عشرة ليرة بالتمام والكمال، ليست في مقدور الغالبية من الشعب. هل أصبحت الآن 16000 ليرة أم أكثر؟ لا يمكن للخيال اليوم أن يدخل في هذا التساؤل.
وذات صيف وجدتُني في فيينا، أدور في أرجاء جامعتها وأسأل عن البيت الذي كان يسكنه فرويد، وقد وجدتُ قبرَه في باحة من القبور متصلة بأبنية الجامعة، ولاحظتُ أن شاهدة قبره هي الوحيدة باللون الأسود! أما الشقة التي كان يسكنها فقد جعلوها متحفاً بأريكتها الجلد التي كان يستلقي عليها المريض ليجيب عن الأسئلة التي يتلقاها من فرويد، لغرض التحليل النفسي. ولا يخرج الزائر من تلك الشقة – المتحف إلا وقد اشترى بضعة بطاقات وكراريس عن فرويد والتحليل النفسي، مكتوبة بعدد من اللغات ليس بينها العربية.
لم أجد كثيراً من الزوار أو السياح في فيينا من يهتم بزيارة الجامعة أو بيت فرويد، ولا حتى دار الأوبرا الشهيرة التي تقدم روائع الموسيقى حتى في الصيف. ولكني وجدتُ الشوارع المحيطة بها، والتي يمنع فيها مرور السيارات، ملأى بالمصطافين من أهل الخليج، يتجمعون أمام محلات الملابس والأحذية وأدوات الزينة، نساء وصبايا لكن رجالهم كانوا يبحثون عن «محلات أخرى»! وقد لفتَ نظري بشكل خاص عدد من الشباب من بلاد عربية شمال أفريقية يدورون على المطاعم في المساء حاملين زهوراً يقدمون منها إلى كل زوجة ترافق زوجها في المطعم، مع ابتسامة ذليلة تتوقع «إكرامية». سألتُ أحد هؤلاء الشباب: من أين لك هذه الزهور؟ فقال أنا وأصحابي ندور على محلات بيع الزهور في المساء عندما يرمون ما لم يبيعوا منها طوال اليوم، ويفضلون عرض زهور جديدة غيرها في صبيحة اليوم الثاني. أما كيف تيسر لهؤلاء الشباب الوصول إلى فيينا فهو سؤال بقي يجول في خاطري.
يبقى الغريبُ غريباً، في وَطنِه أحياناً، كما في هذه الأيام، لكنني وجدتُ بعض الغرباء في فيينا ما يزالون يحملون أوطانهم في بلاد الغُربة. كنتُ أُمازح بعض هؤلاء الشباب حَمَلَة الزهور قائلا: ألا يبدو ما تعملون نوعاً من»الشُحدة»؟ فكان الجواب دائما: كلا… هذا شغل، والشغل «مش عيب»… أعجبني هذا الاحتفاظ بالعزة، ولو كان بهم خصاصة! ومرةً ظهرت لنا حاجة لإجراء «دوزَنَة» للبيانو الذي كان يستعمله أولادنا، ونحن في فيينا بلد الموسيقى. وبعد السؤال عن خبير يقوم لنا بهذه الخدمة قيل لنا إن ذلك يكلف مبلغاً ليس بالقليل، ولكن هناك شابا يابانيا يدرس الموسيقى ويمكن أن يؤدي هذه الخدمة بمبلغ مقبول. وجاء الشاب الخبير وقال إنه يستطيع إنجاز المطلوب بأقل من نصف ساعة، لقاء مبلغ حسبناه قليلاً جداً. وراح الشاب الياباني يعمل بجديةٍ وحِرَفيةٍ عالية ولكنه استغرق ساعةً كاملة فقدمنا له ضعف المبلغ الذي طلبه، ولكنه اعتذر بأدب شديد، قائلاً لا يمكنني أخذ مبلغ ضعف ما طلبتُ. هذا لا يجوز في أخلاقنا اليابانية! تذكرتُ للتو صديقاً ذهب إلى اليابان في مُهمةٍ رسمية، وأوصَله سائق التاكسي من الفندق إلى محل الاجتماع لذلك المؤتمر، ولكنه نسي الحقيبة وما فيها من أوراق رسمية في سيارة التاكسي. وبعد حوالي ربع ساعة والسيد المندوب الحكومي في غاية الاضطراب، جاء سائق التاكسي يسأل عن الرجل وسلمه الحقيبة المنسية، مع عدد من الابتسامات والانحناءات! وأنا إلى اليوم أسأل نفسي: هل سمعنا في بلادنا العربية من أمثلة تشبه هذين المثالين اليابانيين؟
والذي جذب نظري في بعض تلك الزيارات الصيفية أن الناس هناك يكثرون من التفاخر بماضيهم الحضاري، المادي منه والمعنوي، ويُبقون على آثاره ماثلةً أمام الأجيال الجديدة، ويؤثِرون الإشارة إليها في مناهج الدراسة المدرسية. فكلنا مثلا يعرف أن سويسرا مشهورة بصناعة الساعات. ولكن بعض الزوار يريد أن يعرف كيف بدأت صناعة الساعات في سويسرا؟ لقد أخذني أحد الطيبين في زيارة إلى البيت الذي كان يعمل فيه أول صانع للساعات في جنيف. بيت صغير في إحدى غرفه القليلة زاوية فيها أدوات بسيطة مثل مطرقة صغيرة وقطع من الصفائح المعدنية والزجاج والأسلاك الدقيقة، مما لا يوحي بأكثرمن مستلزمات «الأعمال اليدوية» لطفل في مدرسة إبتدائية. أما كيف تطور هذا إلى صناعة ساعات لونجين وأمثالها فهو حكاية شعب يريد الإبداع في مجال جديد، ولا ينسى ماضيه مهما كان بسيطاً. وقد رأيتُ في ما يُدعى «المدينة القديمة» بيوتاً متراكبةً على بعضها من زوايا حرجة، يدعمها جذع شجرة ضخمة، وقد بقيت تلك البيوت على حالها ولم يتغير فيها سوى طلاء لتلك الجذوع الضخمة، وياليتهم أبقوا على ذلك الجذع على طبيعته. كان من الطبيعي جداً أن يقفز إلى ذهني ما يفعله «المتحضِرون» في بلادنا بالأبنية التراثية ومعالم القباب والأقواس والقناطر المشيدة بالحجارة والصخور، ولم يكن لديهم رافعات ومكائن وحفارات مما هو متوفر في أيامنا الحالية. ولكنه الفكر والانتماء الحضاري!
هل يُسمح لنا في هذه الأيام أن نتقدم بسؤال غرير: هل بنا حاجة إلى رفاعة الطهطاوي الجديد ليذهب إلى الغرب ليتعلم منه كيف نحافظ على تراثنا ونحترمه، ونجعل منه وسيلة للتقدم، لا أن نتنكر له ونتخلص منه لغرض توسيع شارع أو لنقيم مكانه عمارة قبيحة ذات طوابق عديدة، لإسكان من لا علاقة لهم بالتراث أو بالوطن أساساً؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية