لندن ـ «القدس العربي»: بعيدا عن حمى دوري روشن والميركاتو السعودي، بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها في سوق انتقالات اللاعبين في الدوريات الأوروبية الكبرى، بتسونامي من الصفقات المدوية، وكالعادة في الدوري الأشهر والأغلى عالميا البريميرليغ الانكليزي، بإنفاق يزيد على المليار جنيه إسترليني حتى وقت كتابة هذه الكلمات. وفي المقابل، تركز بعض الأندية على الهدايا المجانية والفرص النادرة، لضرب عصفورين بحجر، الأول حفظ ماء وجه الإدارة أمام المشجعين، والثاني دعم المدرب بدماء جديدة من دون المساس بالاقتصاد المتهالك، والآن دعونا نلقي نظرة تحليلية على الفرق الأكثر نشاطا وحركة في الميركاتو، وأيضا تعيس الحظ الذي يحتاج معجزة من السماء لتسوية أوضاعه قبل غلق النافذة.
الأكثر إنفاقا
بالنظر إلى النادي الأكثر إنفاقا سواء على مستوى الدوري الإنكليزي الممتاز أو باقي الدوري الدوريات الأوروبية الكبرى، قد يتفاجأ البعض من أن الحصان الأسود حتى الآن هو آرسنال، محطما رقمه القياسي في الشراء، بضخ ما يلامس الربع مليار إسترليني لرفع جودة وكفاءة مشروع المدرب ميكيل آرتيتا، على أمل أن ينجح في البناء على إنجاز الموسم الماضي. صحيح النهاية لم تكن الأفضل، لكن دعونا لا ننسى، أن سقف طموح أكثر المتفائلين من عشاق المدفعجية في بداية حملة 2022-2023، كان يقتصر على إنهاء الموسم ضمن الأربعة الأوائل، لرؤية الفريق في ليالي الثلاثاء والأربعاء الأوروبية، بعد صدمة الموسم قبل الماضي، حين تفنن الفريق في التفريط في المركز الرابع لمصلحة العدو الشمالي اللدود توتنهام في الأمتار الأخيرة، لكن على أرض الواقع، يمكن القول إن آرتيتا حقق أكثر من المطلوب منه، رغم خروجه من الموسم بخفي حنين، وهذا تجلى في شخصية وعقلية اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، خاصة في فترة ما قبل الانهيار في الربع الأخير. تلك الفترة التي كانت كاشفة لنقاط الضعف والأشياء التي يحتاجها آرتيتا حتى يكون قادرا على مقارعة أستاذه بيب غوارديولا والصمود أمامه في لعبة النفس الطويل، وعلى إثرها عجلت الإدارة بتقديم الدعم اللازم لعراب المشروع، باستقطاب الصفقات التي حددها بالاسم، وبدأت أواخر يونيو/ حزيران الماضي، بالحصول على توقيع جناح الغريم العاصمي تشلسي كاي هافيرتز، مقابل رسوم تخطت حاجز الـ60 مليون بعملة المملكة المتحدة، في ما وُصفت بـ«المقامرة»، وذلك بطبيعة الحال، للانطباع المثير الذي تركه الدولي الألماني في تجربته في «ستامفورد بريدج»، كلاعب كان يُنتظر منه محاكاة دور طيب الذكر إيدين هازارد قبل إرساله إلى ريال مدريد، بعد إطلاق سراحه من باير ليفركوزن في صفقة ضخمة كبدت الخزينة الزرقاء 10 ملايين أكثر من عائد بيعه للغانرز، بيد أنه على أرض الواقع، اكتفى بدور البطولة في أضيق المناسبات والمواعيد، حتى أن أغلب مشجعي الأسود اللندنية، لا يتذكرون سوى هدفه الشهير في نهائي دوري الأبطال وآخر في نهائي كأس العالم للأندية في دولة الإمارات، والأكثر غرابة، علامات الاستفهام الكثيرة حول مستواه مع منتخب بلاده الألماني، كأنه شبح لذاك السفاح الذي خطف الأنظار في موسمه الأخير في البوندسليغا، وهذا يعني أن الميستر آرتيتا، سيكون أمام تحد كبير، لاحتواء الجوهرة الألمانية وإعادة تلك النسخة الذهبية التي كان عليها قبل أن يرتدي القميص الأزرق، والسؤال الذي يشغل بال الكثير من عشاق آرسنال، أين سيلعب كاي هافيرتز في تشكيلة المدرب؟ هل سينافس مارتينيلي على مكان في مركز الجناح المهاجم الأيسر؟ أم سيشعل المنافسة مع ساكا في الجانب الآخر؟ أم سيلعب بخطة تستوعب الوافد الجديد والمهاجم الأول غابرييل جيزوس في التشكيل الأساسي؟ كلها أسئلة سيجيب عليها صاحب قرار نقل اللاعب إلى ملعب «الإمارات».
بعدها بأسبوعين، وقع آرسنال مع الصفقة الأغلى في تاريخه، بشراء نجم وسط وستهام ديكلان رايس، مقابل رسوم تخطت حاجز الـ100 مليون باوند، بعد دوره المؤثر في حصول «المطارق» على بطولة المؤتمر الأوروبي، كأول لقب أوروبي يحقق الفريق اللندني في تاريخه، ومن ناحية المنطق والعقل، قد تبدو صفقة باهظة الثمن، لكنها «ضربة معلم»، بالاستحواذ على لاعب يملك ما يكفي من المقومات والمؤهلات للعب في أعلى مستوى تنافسي، بعد وصوله لمرحلة الانفجار الكروي على مستوى أندية الوسط، بالصورة التي رسمها لنفسه، كواحد من أفضل لاعبي خط الوسط في الدوري الإنكليزي الممتاز، والدليل على ذلك، أن آرسنال فاز بتوقيعه بعد معركة حامية الوطيس مع القوة المالية لمانشستر سيتي، وهذا يعكس جدية الإدارة في إعادة النادي إلى سابق عهده، كقوة لا يستهان بها في البريميرليغ، يتبقى فقط أن يرد ديكلان الدين للمدرب الإسباني والمسؤولين في ناديه الجديد، أولا بتعويض رحيل القائد الأسبق غرانيت تشاكا، بعد الموافقة على بيعه لباير ليفركوزن الألماني، ثانيا وهو الأهم، أن يعطي الوسط الإضافة التي يبحث عنها المدرب، بتشكيل ثنائية نارية مع توماس بارتي، في حال قرر الاستمرار في المشروع لموسم آخر، بجانب الاستفادة من ومضاته الهجومية المميزة برفقة مارتن أوديغارد وثلاثي الهجوم، على طريقة إيلكاي غندوغان ورودري أمام كيفن دي بروين وعصابة الخير في مانشستر سيتي، ولو أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن مهمة الوافد الجديد ستكون سهلة، ولعلنا نتذكر معاناة زميله في المنتخب جاك غريليش، في بداياته مع السكاي بلوز، حين تأثر بالضغوط الإعلامية والجماهيرية بعد الضجة الكبير على قيمة انتقاله من أستون فيلا إلى السيتي، إلى أن استفاق من سباته العميق في نهاية موسمه الثاني في قلعة «الاتحاد»، فهل سيتأقلم سريعا مع رفاقه الجدد؟ أم سيستغرق بعض الوقت حتى يعتاد على اللعب في أعلى مستوى تنافسي؟ ونفس الأمر بالنسبة لثالث الوافدين الجدد، والإشارة إلى المدافع يورين تيمبر، الذي جاء من أياكس أمستردام مقابل 35 مليون بنفس العملة، بعد ظهوره المميز مع عملاق الأراضي المنخفضة في الموسمين الأخيرين، كواحد من المواهب المثيرة للإعجاب، لقدرته على اللعب في مركزي قلب الدفاع والظهير الأيمن بنفس الجودة والكفاءة، بجانب لمسته المميزة في البناء من الخلف إلى الأمام، وهذا الأمر من شأنه أن يعطي دفاع المدفعجية العمق أو الوحشية التي افتقرها بعد إصابة ويليام ساليبا في نهاية الموسم الماضي، فقط بشهادة بعض الخبراء، لا يعيبه سوى أنه ليس مميزا في ألعاب الهواء، وهذه ستكون واحدة من مهام مدربه الجديد، حتى يطور من موهبته في استخلاص الكرة وقراءة أفكار المنافسين والتمرير إلى الأمام برؤية لاعب وسط من النوع الأنيق، فهل يا ترى سيجد آرتيتا ضالته وتكون الصفقات الجديدة بوابته لتضييق الفجوة مع القوة الجبارة لبيب غوارديولا الذي لم يخسر المنافسة على لقب الدوري إلا مرات نادرة منذ صعوده على ساحة التدريب في موسم الثلاثية التاريخية مع برشلونة موسم 2008-2009.
الأكثر نشاطا
إذا كان آرسنال الأكثر إنفاقا، فلا أحد يجاري باريس سان جيرمان في نشاطه، من قبل حتى الاستقرار على الخبير الإسباني لويس إنريكي، ليكون البديل الإستراتيجي للفرنسي السابق كريستوف غالتييه، باصطياد مجموعة من الأسماء والمواهب اللامعة بأقل التكاليف، استكمالا للسياسة المتبعة في الآونة الأخيرة، والمختلفة كليا عن سياسة العقد الماضي، التي كانت ترتكز على فكرة الإنفاق ببذخ في فئة الميغا والسوبر ستارز، على غرار التوقيع مع الثنائي نيمار جونيور وكيليان مبابي في صيف 2017، بينما في الميركاتو الحالي ومع وصول أسعار اللاعبين ومستوى التضخم إلى أرقام غير مسبوقة، أنفق النادي حتى الآن ما مجموعه 159 مليون يورو، لتعزيز صفوفه بصفقات من نوعية جوهرة وسط سبورتنغ مانويل أوغارتي، للتخلص من صداع ضعف عمق الوسط، منذ هبوط مستوى الإيطالي ماركو فيراتي. والى جانب ضم المدافع المميز لوكاس هيرنانديز، مقابل حصول بايرن ميونيخ على 45 مليون بعملة القارة العجوز. ولم يكتف المستشار الرياضي لويس كامبوس بالمدافع الفرنسي على مستوى الدفاع، بل خطف أيضا مدافع الإنتر المخضرم ميلان سكرينيار، في صفقة انتقال حر، بعد فشل كل محاولات إقناعه بتمديد عقده في وكر الأفاعي، وهذا ما كان ينقص الفريق الفرنسي منذ فترة ليست بالقصيرة، بالمبالغة في الاعتماد على ماركينيوس وشريكه كثير الإصابات كيمبيمبي، في ما كان الجميع ينادي بتأمين الخط الخلفي ولو بقلب دفاع واحد من الطراز العالمي، وبالأحرى الاستعانة بواحد من أفضل مدافعي العالم، بتأثير فان دايك في سنوات الذروة مع ليفربول وروبن دياز في دفاع مانشستر سيتي وهكذا. وشملت ضربات النادي الباريسي الموفقة، صفقة المدريدي الطامح في استعادة مستواه الهوليوودي ماركو أسينسيو، الذي فَضل الخروج من «سانتياغو بيرنابيو»، بحثا عن دقائق لعب أكثر، وبالتبعية العودة إلى النسخة المخيفة للمدافعين وحراس المرمى التي كان عليها قبل إصابته المدمرة بقطع في الرباط الصليبي. وفي كل الأحوال، تبدو صفقة أسينسيو مفيدة لكلا الطرفين، بالنسبة للاعب، ستكون فرصة ثمينة للعودة الى الاستمتاع بكرة القدم، والبحث عن أهداف وطموحات جديدة، بعد حصوله على كل البطولات المحلية والقارية مع ريال مدريد، وأيضا الهروب من مقاعد بدلاء «البيرنابيو»، أما الفريق الباريسي، سيحاول الاستفادة من حماسة اللاعب المجاني وخبرته الكبيرة في دوري الأبطال، بالرغم من صغر سنه، وهذا مقابل راتب سنوي مناسب، لن يزيد بأي حال من الأحوال على 10 ملايين يورو.
ثورة المحطمين
نعود إلى أثرياء البريميرليغ، وتحديدا الفرق الكبيرة التي تسعى جاهدة لتعويض خيبة أمل الموسم الماضي، والحديث عن ليفربول، الذي بصم على واحد من أسوأ مواسمه، ليس فقط في عصر المدرب الألماني يورغن كلوب، بل أيضا في التاريخ المعاصر، بموسم صفري على مستوى البطولات وفشل في الحصول على واحد من المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، ولهذا وافق النادي على فتح خزائنه أمام المدرب، بإنفاق أكثر من 100 مليون إسترليني حتى الآن، منها ما يزيد على 60 مليوناً لشراء دومينيك سوبوسلاي من لايبزيغ الألماني، كبديل على نفس نهج جود بيلنغهام، لموهبته ومهاراته الفنية وقوته البدنية شبه المثالية لأفكار المدرب يورغن كلوب، ولا ننسى أنه ما زال بعمر 22 عاما، ومن الممكن أن يتطور مستواه تحت قيادة كلوب، ليتحول إلى سوبر ستار في مركزه كلاعب وسط مهاجم، وسبقه في «الآنفيلد» في بداية الميركاتو، لاعب برايتون السابق أليكس ماك أليستر، صاحب الجهد الوفير والحلول المتنوعة في وسط الملاعب، كلاعب جوكر أو متعدد الاستخدام في مختلف مراكز وسط الملعب، وبالإضافة إلى ذلك، يُنظر إليه كواحد من أبطال العالم، الذين ساعدوا القائد ليونيل ميسي، للفوز بكأس العالم قطر 2022، وتمت الصفقة مقابل 35 مليون إسترليني، لتعزيز خيارات كلوب في وسط الملعب، بعد الاستغناء عن عواجيز الوسط جيمس ميلنر وجوردان هيندرسون. وعلى سيرة الاستغناء، يقوم المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، بعمل مذبحة للاعبين في تشلسي، لمعالجة الكوارث التي ارتكبتها الإدارة الجديدة الموسم الماضي، بإنفاق أكثر من نصف مليار جنيه استرليني على شراء لاعبين خلال فترتي انتقالات الصيف والشتاء، وكانت المحصلة، النجاة من الهبوط إلى دوري تشامبيونشب، ونلاحظ أن النادي باع لاعبين بقرابة الربع مليار، مثل كاي هافيرتز، ومايسون ماونت إلى مانشستر يونايتد، وماتيو كوفاسيتش إلى مانشستر سيتي، وخاليدو كوليبالي إلى الهلال السعودي، وإدوارد ميندي إلى الأهلي السعودي، وكريستيان بوليسيتش وروبن لوفتس تشيك إلى ميلان، في المقابل أنفق النادي ما يزيد قليلا على 100 مليون، نصفهم لشراء نكونكو من لايبزيغ، ليخلص البوتش من إشكالية عقم الخط الأمامي وضعف الفاعلية الهجومية، بالصورة التي جعلت الفريق يتحول إلى مادة ساخرة الموسم الماضي، ومعه الشهير بنيمار السنغال نيكولاس جاكسون، الذي يتمتع بالمعايير التي يبحث عنها تشلسي، بالتركيز على اللاعبين الشباب ذوي الإمكانيات الكبيرة، وهذا ما يميز ابن أكاديمية فياريال، بمهارته الرائعة في المراوغة وشق طريقه نحو المرمى من أضيق وأقصر الطرق سواء على الأطراف أو في العمق، مع إيجابية ملموسة على المرمى، ظهرت في موسمه الأخير مع الغواصات الصفراء، بتوقيعه على 12 هدفا من مشاركته في 35 مباراة، وكل ذلك، بغرض إنعاش الهجوم والتخلص من صداع عقم المهاجمين. أما مانشستر سيتي، فلم يبرم سوى صفقة كوفاشيتش من تشلسي، فيما أنفق اليونايتد مثل ليفربول وتشلسي، حوالي 100 مليون لضم الحارس أونانا من إنتر وماونت من تشلسي، وأكثر بقليل توتنهام، 136 مليوناً، لجلب جيمس ماديسون بعد هبوط ليستر سيتي، وبيدرو بورو من سبورتنغ البرتغالي وتفعيل بند شراء ديان كولوسيفسكي من يوفنتوس.
تعيس الحظ
بينما يسير ريال مدريد على طريقة «واثق الخطى يمشي ملكا»، بعد ضم جود بيلنغهام وأردا غولر (ميسي التركي) واستعارة خوسيلو، يواجه غريمه التقليدي برشلونة واحدة من أكبر الأزمات في السنوات الماضية، تكمن في تراكم الديون والمستحقات المالية المطلوبة من النادي على المدى المتوسط، أبسطها عجز الرئيس جوان لابورتا على توفير ما مجموعه 60 مليون يورو من استحقاقات الروافع الاقتصادية التي قام بها العام الماضي، وذلك في الوقت الذي يسابق فيه المسؤولون الزمن لإقناع المنبوذين والفائضين عن حاجة المدرب تشافي هيرنانديز، بالخروج من «كامب نو» بشكل آمن، كما حدث مع القائد السابق جيرار بيكيه، الذي تنازل عن باقي مستحقاته، على عكس مثلا الأسطورة ليونيل ميسي، الذي ما زال يتقاضى رواتبه المتأخرة منذ تجميد الرواتب في فترة كورونا، وذلك رغم مرور عامين على رحيله. وفي كل الأحوال، لن يتمكن النادي الكتالوني من إضافة الوافدين الجدد إلا بعد تسديد مستحقاته المالية، رغم أن الصفقات الجديدة لم تتعد العشرة ملايين يورو، نصفهم للاعب تشلسي الأسبق وجيرونا السابق أوريل روميو، الذي من المفترض أنه جاء ليعوض رحيل مهندس الوسط سيرجيو بوسكيتس، والنصف الآخر في المدافع ميكيل فاي، القادم من كوستوسيا زغرب، فيما جاء إيلكاي غندوغان و إينييغو مارتينيز بموجب قانون بوسمان، بعد انتهاء عقد الأول مع المان سيتي والثاني مع بلباو، فهل سيجد البارسا حلا لأزمته الاقتصادية برافعة اقتصادية جديدة من شأنها أن تساعد لابورتا على جلب صفقات تليق بالنادي؟ أم ستخرج الأمور عن سيطرة الرئيس المحامي؟ دعونا ننتظر ما سيحدث في الأسابيع المتبقية على غلق الميركاتو.