رحلة في العالم النفساني لبطلي فيلم «حمى البحر المتوسط» بين الواقعية والفانتازيا
بيروت ـ «القدس العربي»: بحرفية مميزة وإحساس مرهف صاغت المخرجة مها الحاج سيناريو فيلمها «حمى البحر المتوسط» والذي فاز في العام الماضي بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان، عن فئة «نظرة ما».
أضاءت المخرجة الفلسطينية مها الحاج في «حمى البحر المتوسط» على متاعب نفسية يعيشها بطل الفيلم، بحيث نراه لبعض اللحظات وكأنه منفصل عن محيطه. وفي لحظات أخرى نجده حاملاً على كتفيه همّ وطنه وناسه. إلى وليد الذي شكل ركناً أساسياً من الفيلم، بدا إلى جانبه جلال الذي تمكن من اقناعنا بأنه النقيض للأول.
مع شريط مها الحاج تجولنا في أرجاء حيفا، تعرّفنا إلى ما تيسر من حياة ناسها. عشنا معهم على مدى ساعة وثماني دقائق، واطلعنا على بعض من حياتهم. وهذا يشكل طموحاً دائماً لأن حيفا وفلسطين تشكلان الجزء العزيز الممنوع عنّا.
مها الحاج من المخرجات اللواتي يجدْن صياغة الواقع معجوناً بالفانتازيا. دقيقة في التقاط التفاصيل، وفي تحويل المرارة إلى نقيضها. عُرض فيلمها «حمّى البحر المتوسط» كثيراً في فلسطين التاريخية، وآخرها في مهرجان القدس للسينما العربية حيث حضره أكثر من 120 متفرجا. مع مها الحاج هذا الحوار:
○ أحدث العروض الجماهيرية لفيلم «حُمى البحر المتوسط» كانت في مهرجان القدس للسينما العربية. هل هي المرة الأولى التي يُعرض في فلسطين؟
• بل عروض الفيلم في فلسطين كثيرة جداً. عُرض في رام الله أكثر من مرّة وكذلك في القدس، وبيت لحم وبيت ساحور، وفي غزّة. إلى جانب عروض الجليل والمثلّث وغيرها.
○ كيف تُنظّم العروض في الأراضي المحتلّة في الـ48؟
• بدأ الفيلم يشقّ طريقه محلياً منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مع افتتاح مهرجان رام الله حيث كان العرض الأول. تتم العروض عبر اجتهادات خاصة، فليس هناك موزع أو شركة توزيع. و«فيلم كلينيك» هي الشركة التي تتولى توزيعه في الدول العربية.
○ شخصياتك تنطق من داخلها ومن خلال نظراتها وحركة الجسد. لماذا تغوصين في العالم النفساني للبشر؟
• إنها القصة التي أردت الكتابة عنها، وهي التي شغلت تفكيري. بالتالي كان طبيعياً أن أغوص في الشخصيات التي خلقتُها وأعطيتها الحياة. شخصيات الفيلم تشبهني وتشبه الناس العاديين. بعض المشاهدين يرون ذاتهم في هذه الشخصية أو تلك. هذا يقول جلال يشبهني، وذاك يرى في وليد شبهاً له بحدود ما. برأيي أنه على كل مخرج أن يغوص في الشخصيات التي يخلقها، ولا ينفع أن نترك الشخصيات رسماً سطحياً وحسب.
○ كما أخبرتني عُرض الفيلم في كافة أرجاء فلسطين. كيف كانت ردة الفعل في مجتمع تقليدي؟ هل تقبّل انكسار البطلين؟
• بصراحة لا أفكر مطلقاً بالجمهور حين أكتب السيناريو. ولا أسأل نفسي عن المتلقين الذين سيشاهدون الفيلم. ولا أبحث في خلفياتهم الثقافية سواء كانوا متحررين أو تقليديين. أكتب سيناريو الفيلم تحقيقاً للرضى الذاتي. فكتابة السيناريو شغفي. وعندما أحقق إعجاباً بما كتبته أفترض أن 10 أو 20 أو 100 آخرين سينضمّون لي. وإن توسع الإعجاب أكثر فهذا جميل جداً. خلال العروض سُئلت كثيراً لماذا أبطال فيلمك رجال؟ ولماذا لم تكن البطولة لامرأة؟ وجدتها أسئلة عادية ممكنة الطرح ولم أفسّرها على أنها أسئلة من مجتمع تقليدي. الجمهور الذي ألتقيته خلال عروض الفيلم ليس من مذهب سينمائي واحد. والفن يحتمل وجهات نظر متعددة ومختلفة.
○ يتراوح الفيلم بين الواقعية وبعض الفانتازيا. كيف تمّ الربط بين خيط الواقعية وخيط الفانتازيا بسلاسة ملحوظة؟
• بمجرد اكتمال القصة في مخيلتي أباشر كتابة التفاصيل. البداية كانت من حُلم وليد. حيرني المكان الذي سيحلّ فيه هذا المشهد. في بداية الفيلم أم أين؟ حتى أني لم أكن حاسمة بحتمية ضم هذا المشهد أم لا للفيلم؟ القصة فانتازيا وليست مبنية على وقائع، إنما كل منا قد يجد في تلك الشخصيات شبهاً مع أحد معارفه. بالنسبة لي هي شخصيات مختلقة، من إكتئاب وليد وتورط جلال في عالم الإجرام، وعجز وليد عن مباشرة الكتابة، وبرودة علاقته بعائلته نتيجة إكتئابه. أما القصة بحد ذاتها فهي فانتازيا.
○ حبكة الفيلم المعاناة النفسية لكن الهم الوطني الناتج عن الاحتلال حضر باختصار وبلاغة. هل يمكن لأي فيلم أن يغيب هذا الواقع في فلسطين؟
• باعتقادي هذا صعب، إنما دائماً امكانية التغييب واردة. حتى وإن قصد أحدنا الابتعاد عن السياسة في أي عمل فني، لكنه ينزلق إليها بدون قرار. الواقع السياسي عندنا موجود مع جملة صباح الخير، ومع تشغيل التلفزيون أو الراديو، ومع شربة الماء، ومع قيادة السيارة في الشارع. يمكن لأحدنا إغماض عينيه والتسليم بهذا الواقع، ويمكنه كذلك الغوض في كافة تفاصيل الحياة اليومية ليرى كم هي مدججة بالسياسة. كفنانة ليس لي إغماض عيني والابتعاد عن الموضوع الوطني والسياسي، ولا حتى المحاولة يمكن أن تخطر في بالي. قد يأتي أحدهم ليقترح فيلماً كوميدياً بعيداً عن السياسة، أشجعه وأدعوه للمباشرة السريعة. «حمى البحر المتوسط» ليس فيلماً سياسياً، لكني قصدت ما تضمّنه من سياسة. وليد في الأساس شخصية تحمل الهم الفلسطيني على كتفيها، هو شخصية وطنية ومسيسة جداً.
○ إنما كان خارجاً عن السياق الأخلاقي قول جلال عن فلسطين «بلاّ واشراب ميتها»؟
• صحيح. وهنا نعود إلى سؤالك السابق عن الواقعية في الفيلم. شخصياً سمعت عندنا في «البلاد» هذه الجملة مرّات عديدة. لدى فتح نقاش سياسي، أو تناول خبر سمعناه للتو عن الأحداث اليومية، من المحتمل سماع هذا التعليق. هؤلاء أقلية، إنما سماع هذا الموقف وارد. وتذكيراً قال جلال لاحقاً لوليد «كنت عم استفزك». وعاد ليشير إليه «أكتب عن فلسطين…أكتب عن الاحتلال». الجانب الوطني حاضر في حياة كل فلسطيني حتى لو قصد الابتعاد عن السياسة.
○ كمشاهدة أشهد لك براعتك في إخفاء المشاعر الحقيقية لجلال وكان مصيره مفاجئاً جداً. كيف بنيت هذه الشخصية التي غلب عليها المرح والفرح؟
• فعلياً جلال شخصية مركبة ومفاجئة. «للوهلة» الأولى يظهر عاشقاً للحياة، يحتسي العرق، ويسمع جورج وسوف ولديه عشيقة، يحب الصيد وأكل المشاوي. ظهر جلال وكأن الحياة بالنسبة له ملعقة عسل، وهو متحمّس لأكلها. تعامل وليد مع الحياة وكأن شيئاً لا يستحق العناء لأجله. إنما مع مزيد من الكشف لشخصيته يظهر كم هو ضعيف وحسّاس وقابل للكسر، وكم يتحلّى بقلب أبيض، وكم هو إنسان حقيقي. في البداية ينفر منه المشاهد كما حصل مع وليد الذي وصفه بـ«زنخ وفصيح وثقيل الدم». لكنه بدأ يتعرّى بالتدريج وتظهر صفاته الحلوة وصولاً إلى مشهده الأخير، فقد شعرنا وكأننا فقدنا صديقاً، فهو الإنسان الجدع المستعد لنجدة الجميع.
○ لفتني في اللقاء بين وليد وجلال جملة «زي زيك عايش ع حساب مرتك». ماذا أردت من هذه الجملة؟
• بات وجود المرأة العاملة والرجل غير العامل ملحوظاً من الناحية الاجتماعية والإنثربولوجية وبحدود معينة. لم يكن هدفي الحديث عن هذه الشريحة بل عن جلال ووليد. وقد يكونان الوحيدين اللذين يعيشان على حساب زوجتيهما في العالم العربي. هكذا تقول القصة، المرأة هي القوية وهي التي تؤمن متطلبات البيت. لم أكن فيما قلته في الفيلم مناهضة للذكورية ولا مغرقة في النسوية، بل حيال ظاهرة حب لشخصيتي وليد وجلال، وكنت في نظرة تعاطف معهما. جلال ووليد موجودان صدفة في منزليهما لأنهما يعانيان، وكل منهما لسببه الخاص موجود في بيته ويقوم بالمتطلبات المنزلية. فلما لا؟ فمن قال إن العمل المنزلي مقسوم أصلاً؟
○ في فيلم «أمور شخصية» ترك الأب طفلته في مصنع البلاط في نابلس ثلاثة أيام وعاد بدونها إلى رام الله. شطحت الفانتازيا عندك بقساوة؟
• لدى هذه المرأة سردية تريد الإفصاح عنها. هي سردية رمزية للحالة الفلسطينية والتي لم يعد الجيل الجديد مهتماً بسماعها. تعيش هذه الجدة بين النسيان بسبب العمر وبين الصحوة. علِق في ذهنها من الماضي هذه التروما وكيف نسيها والدها في مصنع البلاط وعاد لأخذها بعد ثلاثة أيام. كافة ما ورد في فيلم «أمور شخصية» كان شخصيا وحقيقيا.
○ هل أنت راضية عن تسويق فيلم «حمى البحر المتوسط» وعروضه؟
• لست راضية كفاية. تمّ بيعه في عدد من الدول الأوروبية كما فرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا. كنت أتمنى تسويقه تجارياً في الولايات المتحدة حيث عُرض في العديد من المهرجانات، ولم يكن كذلك التسويق ذو شأن في الدول العربية. لست بصدد تحميل المسؤوليات لأحد. نحن حيال فيلم «آرت هاوس» وليس كوميديا أو أكشن. هذا النوع من الأفلام روّاده قلة، وقد لا توافق بعض الدول على تناول الفيلم للمسألة السياسية. إنها الحياة.
○ ماذا تعدين للمستقبل؟
• بصدد كتابة فيلم طويل وآمل تصويره في العام المقبل. وفي شهر 11 سأبدأ تصوير فيلم قصير.