كونديرا: الحداثي المضاد للحداثة!

حجم الخط
3

مات ميلان كونديرا، وامتلأت المواقع العربية بالأخبار نفسها عنه. كونديرا الكاتب التشيكي المشهور، الذي لم يحالفه الحظ لنيل جائزة نوبل، وهذا في حدّ ذاته سبب كاف يستحق النّحيب عليه مقارنة مع شهرته. التشيكوسلوفاكي الشيوعي الذي طُرِد من الحزب الشيوعي عام 1970، والذي غادر إلى فرنسا بعد الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا بلده الأصلي، فأصبح فرنسيا، ماذا يعرف قارئ اليوم عنه؟
لعلّ المؤسف في ما حدث، وما يحدث دائما عند موت أحد الكُتّاب الكبار هو «حشره» في قالب الرموز، وتقديم «بروفايل» قصير يختصره. هذا الشغوف بالموسيقى بصرف النّظر عن موهبته في الكتابة، درس الموسيقى والدّراما في براغ، وقام بتأليف الكثير من المقطوعات الموسيقية التي لا نعرفها وقد فاز بجائزة عن إحدى مؤلفاته تلك، كما كتب مقالات نجهلها عن موسيقيين مثل، يوهان سيباستيان باخ، وليوس جاناك، وإيغور سترافينسكي، لكنّ قارئه الحقيقي لا بدّ أن يدرك شغفه بالموسيقى من خلال حضورها البارز في رواياته، حيث يشير دوما إلى الملحنين وأعمالهم، مستخدما البنية الموسيقية لتنظيم سرده. على سبيل المثال في روايته الأكثر شهرة «الكائن الذي لا تُحتمَل خفّته» يذكر كثيرا المؤلّف الموسيقي لودفيغ فان بتهوفن والسيمفونية رقم سبعة كوسيلة لترميز المشاعر والأفكار. وتأثيرات هذا النّص المؤسَّسِ على هذه المقطوعة جعل الكثير من الكُتّاب العرب يذكرونها في أعمالهم، دون فهم عميق لخلفية كونديرا البنائية التي اتكّأ عليها لكتابة روايته.
أثرى هذا التشيكي المكتبة الفرنسية لأنه كتب باللغة الفرنسية، وقام بترجمة رواياته الأولى بنفسه من لغته الأم إلى الفرنسية، كان ذلك قرارا صائبا في نجاحه عالميا والاعتراف به ككاتب له بصمته. العناصر الأقلّ شهرة حول كونديرا كانت سببا لإضافة بُعدٍ آخر لفهم حياته وعمله، فاكتشاف جوانب مختلفة من شخصيته وخلفيته الثقافية يفتح مجالا شاسعا أمام قرائه لمعرفته بشكل أفضل.
كتب تلميذه السّابق نوربت كزارني مقالا طويلا عنه، وبدأه بهذه الحكاية الغريبة: «ولد في برنو في الأول من أبريل/نيسان 1929، ولا أدري لماذا لم يصحّح ولا مرة لمن كتبوا عنه أنّه وُلِد في براغ، فحين واجهته بذلك أبدى لامبالاة واضحة، قائلا لا يهمني ذلك». ووفق كزارني دائما فإنّ كونديرا غير مبال بكل شيء متعلّق بسيرته الشخصية، كانت حياته صندوقا مغلقا، وما يُرَوّج عنه من إشاعات لا يسعى لتصحيحه، وكأنّه يعتبر ذلك جزءا من عملية التّرويج المجانية التي يقوم الآخرون بها لأدبه.

بنى كونديرا أسوارا عالية حول نفسه، ونادرا جدا ما يعطي حوارا لأحد الصحافيين، كونهم، بالنسبة له، طفيليين أكثر مما يجب، كل صحافي يقترب منه من أجل محاورته يطرده، وكل شخص يقترب منه لمعرفة المزيد عنه وعن معتقداته وأفكاره يطرده أيضا.

ومع هذا تميّز بشخصية راديكالية واضحة، رغم اختلاط شهرته بالسمعة السيئة التي لاحقته من خصومه السياسيين الذين تخلصوا منه، أو تخلّص منهم دون أسف. هل تصدّقون مقولة فلوبير الشهيرة: «على الفنان الحقيقي أن يجعل الأجيال القادمة تعتقد أنّه لم يعشْ» لقد تمكّن كونديرا من فعل ذلك، يقال إنّ الأشياء القليلة التي يعرفها الإعلام عنه لا تمثّل واحدا في المئة من حياته المعقّدة. وقد قيل إنّه أقرب في فلسفته الخاصة للكاتب التشيكي كارل شابكKarel Capek الذي حين سئل لماذا لم يكتب شعرا، رغم خوضه في كل الألوان الأدبية أجاب: «لأنني أكره الحديث عن نفسي» معتبرا السمة الحقيقية التي تميّز الرّوائي رفض الحديث عن نفسه.
بنى كونديرا أسوارا عالية حول نفسه، ونادرا جدا ما يعطي حوارا لأحد الصحافيين، كونهم، بالنسبة له، طفيليين أكثر مما يجب، كل صحافي يقترب منه من أجل محاورته يطرده، وكل شخص يقترب منه لمعرفة المزيد عنه وعن معتقداته وأفكاره يطرده أيضا. بتلك الطريقة تخلّص من الشعور بمواساة نفسه بعد نشر كل مقابلة له تصبح مثار قلق وعدم رضا على نفسه.

في وقت مبكّر من عام 1972 التقى كونديرا بالكاتب فيليب روث، الذي أنشأ مجموعة نشرتها «بينغوان» للتعريف بكُتّاب من أوروبا الوسطى، ورغم عدم انقطاع صداقته بكونديرا طيلة حياته، إلا أن روث تفادى محاورته وتقديمه، بل قدّم وعدا بنشر شيء عنه بعد موته! كان رجل الظلّ بامتياز، فقد كره حتى البرامج التلفزيونية التي كانت تهتم بمناقشة الأفكار وتقديم الكتب والأدباء، إذ غالبا ما تطفو صراعات الأنا على بلاتوهات تلك البرامج، وتصبح أشبه بحلبات حرب شخصية. الأكيد أنّه كان مهذّبا، ومتواضعا، وذكيا وصارما في الآن نفسه، مع تميّز لا مثيل من روح الدُّعابة، التي يرجعها بشكل عفوي لبلدته التي خرج منها حين كانت تشيكوسلوفاكيا بلدا قائما بذاته، قبل أن يقسمه بلد آخر تفـتّت هو الآخر بسبب الحروب إلى عدد من البلدان الصغيرة. تحضر نكتُه هكذا، بأبعاد سياسية طريفة، وهو في الغالب يسلب لبّ مستمعيه كما يقول تلميذه كزارني، بسبب هذه النكات الحاضرة، وبسبب لكنته الفرنسية المتميزة، خاصة حين ينطق حرف «الرّاء» على طريقته.
كيف نختصر هذا الروائي إذن بعد أن اكتملت حياته، وأغلق دفتّها الثانية مؤخّرا؟ يتّفق بعض النّقاد على أن كونديرا له هوية واحدة ووحيدة وهي الرواية، ينتمي إليها، ويسكنها كما تسكنه. هو كائن لغوي، تقوده عربة حالمة، وهو على هذا الأساس لم يكن يعرف أين سينتهي مصيره، لقد اختار طريقا لا مستقبل واضح له، فالرّوائي لا يصنع الكثير من أفكاره، إنّه مُكتشِفٌ يسعى لاكتشاف الجانب غير المعروف من الوجود، ثم إن كونديرا بالذات لم يكن مفتونا بصوته، بل بالشكل الذي اتبعه، والأشكال التي لبّت متطلبات حلمه، لم تكن سوى جزء من عمله. أحد أسرار كونديرا يرتكز على قراءاته التي صقلت موهبته، إذ تعود الأسماء نفسها التي ميّزت شبابه: «رابليه، سرفانتس، ديدرو، وستيرن» يجسّدون ما يسمّيه هو «النّصف الأول من الرواية، أو الشوط الأول. في حواراته القليلة يتحدّث عن «شرائع الرواية» وكيف تغيّرت مع تغيُّر الزمن، من هذا الباب لقّنه كل من سرفانتس، وديدرو قواعد الرواية الأولى، أليس ذلك غريبا؟ قبل أن يُشرّع نوافذه الخاصة على النُّقص القاتل في الشعر، فيحلّق عاليا في الفضاء الحر للرواية، ما جعل البعض يعتبرونه كاتبا حديثا مضادّا للحداثة. قد يبدو هذا الأمر مناقضا لتاريخه، لكن هذا هو كونديرا الذي لم يقنعه شعره، حتى إنه بالغ في رفضه، فلم يعد نشر مجموعته الشعرية الأولى أبدا، رغم استمراره في ترجمة بعض الشعراء الذين أحبهم. فقد قيل إنّه يقرأ الشعر كمن يصغي للموسيقى، وإن كان ذلك مجرّد احتمال من احتمالات عديدة قابلة للطّرح. كما دافع عن بعض الفنون الحديثة بعينها، فقد كان منفتحا على الجديد دون إنكار أو تدمير الكلاسيكيات. والخلاصة أنه كاتب مختلف، كتب من أجل فهم أسرار أو ألغاز كثيرة شكّلت صدمات متتالية في حياته، مثل صدمته الثورية، فقد أدرك أن ممثلي الثورة أبسط من أن يصبحوا أبطالا ورموزا، لهذا السبب لا يمكن اعتبار نصوصه نصوصا تأريخية لمرحلة، أو وجهة نظر لشخص يعبر المراحل، يمكن لأدبه أن يعيش طويلا مثل أدب سرفانتس، لأنّه يطفح بالفكر الفلسفي العميق، ويحفر في موضوعات تجدّدت الأسئلة بشأنها مثل الهوية والحرية والحب والذاكرة والحالة الإنسانية ككل. ومثل سرفانتس تماما تحضر ملاحظاته الحادّة وروح دعاباته الخفية، وهذا ما يميز أسلوبه ولغته حتى حين يكون عمله متجذّرا في سياقات تاريخية وسياسية محدّدة.
يشتهر كونديرا أيضا بما يقترحه على قارئه من مراجع أدبية وفلسفية وموسيقية. قارئه لا بدّ أن يشعر بأنه يكتشف طبقات جديدة من المعنى من خلال تلك المراجع مُقدّراً الطريقة التي ينسج بها شبكة نصِّيَّة غنية ومعقّدة. ومع هذا فكلُّ ما قيل عنه لا شيء أمام طبيعته ككاتب عاش متواضعا ومات كذلك، ولعلّ من حسن حظّه أنّه لم ينل جائزة نوبل، لأنّها كانت ستفسد مكانته المرموقة التي صنعها بنصّه لا غير.

شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية