ابن رشد أم «أفرويس»؟

كتب هنري كوربان في الفصل الثامن من كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، وقد خصّصه للفلسفة العربيّة في الأندلس، «أنّ الكلام على ابن رشد، من خلال بضعة أسطر، أمر مَهيب وصعب». وإذا كان هنري كوربان، وهو العالم المتضلّع في الفلسفة، يتهيّب الحديث عن «إمام شرّاح أرسطو» كما كان يعرف في العصور الوسطى، و»الشارح الأكبر» كما يصفه «دانتي» في «الكوميديا الالهية»، فما بالك بهذا ال الذي لا يعرف من الرشديّة، وفلسفة المشائين، إلاّ ما يعرفه قليل أو كثيرٌ من المتسلقين على جذوع الشعر، من موسيقاه وعلم عروضه؟
ومع ذلك لا بأس أن يدليَ هذا الوهايبي بدلوه ـ وهو من مواليد برج القوس ـ فإذا لم ينزح ماءً من بئر ابن رشد؛ فله من استعارات الشعر، أن يتصوّر في هيئة برج الدلو؛ أعني صورة الرجل القائم وهو يمسك دلوا في يده، وكأنّه يسكب الماء؛ من نقطة ما في السماء، هذه «الكأس المقلوبة» كما سمّاها عمر الخيّام.
لأعد إلى ابن رشد أو «أفرويس» كما كان يسمّيه اللاتين، حتّى لا يحجزني عنه الاستطراد، فمثله لا يجمل أن ننساه، ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف تتحوّل البلاد العربيّة إلى مسرح للفوضى ومنكرالجرائم باسم الوطنيّة أو باسم الشريعة. وعلى فداحة ما نرى؛ نقول ـ حتى لا يكون كلامنا مدعاة لليأس أوالعدميّة ـ ما يُقال عن ألمانيا من انّها نهضت نهضتها الأدبيّة والفكريّة في مفتتح القرن التاسع عشر، وهي مبعثرة الشمل مجروحة العزّة؛ ولكنّ فيلسوفها الكبير هيجل استكمل مصنّفه «ظاهرة العقل»، ومدافع نابليون تصمّ أذنيه. إنّ في سيرة ابن رشد الحافلة جوانب متعدّدة يذكرها أهل الفلسفة بكبير التقدير وعميق الإعجاب. وكثير منهم يقرّ بأنّها ممّا يصعب الإحاطة به، و إيفاؤه حقه، غير أنّ ما يأسر واحدا مثلي، في سيرة هذا الحكيم الفذّ، إنّما هي مفارقة لا إِخَالها إلاّ مثيرة، في تاريخ الفلسفة عندنا، عندما استحكم الخلاف بين الحكمة والشريعة، أو عندهم، على الضفة الأخرى من المتوسّط، في تاريخ الفلسفة المدرسية (السكولاستيكية)، عندما احتدم النزاع بين أنصار الرشديّة وخصومها، واضطرّت الكنيسة عام 1271م و1277م، إلى إصدار لائحة تدين الطروح الفلسفيّة «الرشديّة» التي تعارض العقيدة المسيحيّة أو تناقضها، أي تلك الحاصلة من تأويل ابن رشد وأتباعه من الفلاسفة المدرسيّين في الغرب اللاتيني، لفلسفة ارسطو. من كان يتصوّر أن ينهض ذلك المسلم المالكي، بدور رائد، في فلسفة الغرب ومعتقداته الدينية خلال القرن الثالث عشر، على نحو لم يكتب إلاّ لأرسطو؟
إنّها مفارقات التاريخ الذي لا تنقضي عجائبه وغرائبه، فقد عبرت الرشديّة المجازة العبرانيّة منذ أن أقبلت طائفة من فلاسفة اليهود في اسبانيا على جمع المخطوطات الفلسفيّة العربيّة النادرة؛ بسبب مناهضة الموحّدين للفلسفة، واعتراضهم على ترجمتها ودراستها؛ حتى أنّهم اضطروا أحيانا لصونها من التلف والاحتراق إلى نقل الأصل العربي بحروف عبرية. ثم جازت الرشديّة إلى الغرب اللاتيني، فنهض مايكل سكوت بترجمة شروح ابن رشد عَلَى أرسطو خلال الثلث الأول من القرن الثالث عشر، ثم ّتبعه هرمان الألماني؛ فأتمّ بعضها الآخر. ولم يحلّ منتصف القرن الثالث عشر حتى كان القسم الأعظم من شروح ابن رشد، قد نُقل إلى اللاتينية. أمّا مصنّفاته الأخرى (الحجاجيّة) مثل «تهافت التهافت» وهو ردّ على نقد الغزالي للفلسفة، و»فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» و»الكشف عن مناهج الأدلّة»، فلم يحفل بها النّقلةُ إلى اللاتينية، باستثناء «التهافت» الذي ترجم إلى اللاتينية عام 1328 م.
لكأنّ الاسم الذي اشتُهِر به ابن رشد في الغرب اللاتيني «أفرويس»، وهو ليس إلاّ تحريفا للاسم العربي؛ يتمثّل المفارقة التي نحن بصددها، كأجلى ما يكون؛ حتى لكأنّنا ازاء شخصيّتين لا شخصية واحدة. فقد كانت الرشديّة شرخا في الفلسفة المدرسيّة اللاتينيّة مع» سيجرد وبرابانت» المنتصر لابن رشد دون تحفظ، و»توما الايكويني» في كتابه «وحدة العقل أو الرد على الرشديّين»، ثمّ مع غيرهم من كبار فلاسفة العصور الوسطى؛ إذ تواصل الأثر الرشدي في مدرسة «بادوا» في إيطاليا إلى أواسط القرن السابع عشر، وربّما تعدّاه إلى القرن الثامن عشر؛ في ما يقرّره أهل الفلسفة من أنّ بعض فلاسفة الألمان (مندلسون ولسينغ) نهجُوا نهجا رشديّا في تدبّر العقائد الدينيّة من حيث هي متّفقة في الجوهر؛ وإن اختلفت من حيث التمثل الجمهوري للحقيقة.
حدث كلّ هذا، على حين أنّ آثار ابن رشد مرّت في الشرق دون أثر يذكر؛ بالرّغم من أنّ ابن رشد وهو ليس فيلسوفا فحسب، وإنّما هو طبيب وقاضٍ أيضا وعالمٌ بالشعر والرياضيات والفلك؛ ولم يقدّم الفلسفة أو الحكمة على الشريعة، على قدر ما أحكم الصلة بينهما. وهو يعرف أنّ الأمر في كليهما، يتعلّق بحقيقة واحدة بعينها؛ ولكنّها تظهر في مستويات مختلفة، من التأويل والإدراك. وهما ليستا بحقيقتين متعارضتين أو بحقيقة مزدوجة؛ هي من نسْج الرشديّة اللاتينيّة السياسيّة. فلعلّ المنحى التأويلي، بكلّ ما يتضمّنه في الباطنيّة الإسلاميّة، هو الذي ينبغي اعتباره وتطويره؛ كلّما تعلّق الأمر بمقاومة الأصوليّة المتزمّتة المتشبّثة بظاهر الشريعة؛ وليس الرشديّة السياسيّة.
أليست مفارقة أخرى دالّة، أن يتمّ إخراج جثمان ابن رشد من قبره، في مرّاكش عام 1199م؛ ويُرحّل مع كتبه إلى قرطبة؟ أمّا القبر الفارغ، فقد حلّ به جثمان الوليّ أبي العبّاس السبتي. وربّ لحدٍ صار لحدا مرارا…

كاتب تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية