“التوراة تعفيك من الخدمة”… إسرائيل بانتظار الهزة الارتدادية بعد “المعقولية”

حجم الخط
0

علة المعقولية تقلصت. ومنطقي حدوث هذا في دولة غير معقولة كدولتنا، غير أن كل مقالات التحليل التي تشرح الضرر الذي قد يقع بسبب تقليص علة المعقولية دحرت جانباً. فالكل منشغل بإحساس خراب البيت الثالث، هذه بداية النهاية. اسمحوا لي أن أقترح إمكانية أخرى. هذا التشريع يمثل نهاية البداية؛ فقد أقيمت دولة إسرائيل في خلطة مجنونة. ثم نجح هذا ونجا وتطور بنوع من المعجزة، لكن حقيقة أن قيام الدولة باعوجاج تنجت جانباً تحت غطاء انفعال عودة صهيون بعد ألفي سنة منفى، بلا دستور ومع وثيقة استقلال صيغت على عجل، حين كانت القوة بالوقوف عند سؤال: يهودية أم ديمقراطية؟ فلنقم الدولة أولاً، ثم نحطم الرأس. إذن، ها نحن الآن نحطم الرؤوس في ذروة الحر.
كل أولئك الذين يخشون من اقتراب الدكتاتورية تحت غطاء الديمقراطية نسوا أننا كنا في واحدة كهذه على مدى الخمسينيات وبعد ذلك. كانت حكومات استخدمت “الشاباك” للتنصت على خصوم سياسيين، وكان خبز عيشهم تعيين مقربين وتوزيع وظائف لأناسهم، حكومات انتهجت إكراها ثقافياً رهيباً وحاولت صهر عموم الهويات في كتلة واحدة من خلال نفيها ونكرانها.
دولة واحدة، بلاد كثيرة
كل الفجوات الصغيرة اتسعت مع السنين لتصبح شروحاً عميقة. مع جهد كبير، نجح المركز في حفظ الغطاء في أننا نعيش في الدولة ذاتها، بينما عملياً كنا نعيش في “بلدان أخرى” طوال الوقت. لقد كشف التشريع عن عمق الهوة التي تفصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل. انقسمنا إلى مجموعتين. الأولى ديمقراطية أولاً وتلحقها (ربما) يهودية، والأخرى يهودية أولاً وعندها (ربما) ديمقراطية. والآن، تتقاتل المجموعتان في الشوارع بحماسة، فتصدح بشروخ الماضي ولا تعنى بالمستقبل.
نقدر أناس الاحتجاج والحماسة الهائلة التي ضحوا فيها بوقتهم ومالهم وبسلامة أجسادهم من أجل دولة إسرائيل الجديرة بنظرهم. لكن النجاح الهائل للاحتجاج في تقرير جدول الأعمال العام وبدون هدف واضح، باستثناء إسقاط الحكومة، كان في طالحها. وصلت النشوى إلى ذروتها مع المسيرات إلى القدس. ليس واضحاً ما الذي سعى زعماء الاحتجاج لتحقيقه؛ إذ إن الحكومات تسقط بـ “الكولسات” والمؤامرات البرلمانية أو تستبدل في صناديق الاقتراع وليس في المسيرات إلى القدس، مع التلويح بالإعلام وحصار الكنيست.
اللحظة الأكثر طعناً لم تكن التصويت، بل صور الاعتداد التي جاءت بعده. دم أخيك تسفك وأنتم تجرون التصوير الذاتي؟ لكن التصوير الذاتي هذا كان رمزياً على نحو خاص. فهذه الحكومة تعرف أساساً ضد من تعمل أكثر مما تعرف إلى أين تسير، وهذا أساس المشكلة – انعدام الثقة بحكومة كل جوهرها هو زق إصبع في العين والعمل “ضد”.
هذا الاعتداد خطير
إذا لم يكن يوم أول أمس كافياً ليهز الدولة، فقد رفع الحريديم أمس مشروع قانون أساس: تعلم التوراة كي يزقوا إصبعاً أخرى في العين. غير أن لهذا الاعتداد ثمناً. ديمغرافياً، الحريديم والمستوطنون أقلية تحتاج إلى الأصوات التقليدية كي يخلقوا ائتلاف سيطرة. حتى اليوم، سارت أغلبية التقليديين خلف أناس القبعات انطلاقًا من التزام تاريخي باليهودية قبل الديمقراطية. لكن التقليدية قد تحتوي وشمات الآيات وفستاناً قصيراً واستقبال السبت، وكنيساً وبحراً، وديمقراطية ويهودية معاً.
الذين يعولون على أن التقليديين في حقيبتهم الدينية، سيكتشفون بأن من يتجرأ على فرض الخيار بين اليهودي أو الديمقراطي على التقليديين سيفقدهم في صالح اختيار الإسرائيلية. يمكن البكاء على البيت الثالث الذي ضاع في واقع الأمر أول أمس، ويمكن البدء بالنظر 25 سنة إلى الأمام والفهم بأنه أمامنا الربع الرابع الأهم لدولة إسرائيل، الربع الذي وقعت فيه أوجاع الرأس على الجيل الأصح ليفهم ما هو الديمقراطي وما هو اليهودي، وأساساً كيف يرتبط كل هذا من جديد ليكون إسرائيلياً.

دافيد بيرتس
إسرائيل اليوم 26/7/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية