كريم دكروب: لا نرفض التطور إنما نواجه ماديته المفرطة بإنسانية أعمالنا الفنية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

مسرح الدمى اللبناني في عيده الثلاثين يستعيد ريبرتواراً من تسع مسرحيات

بيروت ـ «القدس العربي»: ثلاثون عاماً مضت على تأسيس مسرح الدمى اللبناني، تتذكر خلالها الأجيال التي رافقته الكثير من المسرحيات، وخاصة عرض «شو صار بكفرمنخار» الذي شكّل محطة لرحلة مثمرة جداً في عالم مسرح الطفل. رحلة ترافقت مع جهود وأبحاث العاملين في مسرح الدمى ليكون في صلب الأنماط الجديدة التي يتطلبها مسرح الطفل.

عندما كان مسرح الدمى يستعدُّ لبدء موسمه الصيفي والاحتفال بعامه الثلاثين، تفاجأ مؤسسه الفنان كريم دكروب باتصال باكر يبلغه أن مسرح دوار الشمس «عم يولع». فمنذ سنوات طويلة وهذا المسرح يشكل المكان الدائم للعروض. بعد ساعات من الحادث تلقى كريم دكروب اتصالاً من مسرح المونو، وبعده من مسرح المدينة حيث تمّ وضعهما بتصرف مسرح الدمى. وهكذا جرت العروض المقررة لشهر تموز/يوليو في مسرح المونو، وتعود عروض شهر آب/اغسطس إلى دوّار الشمس الذي أزال كافة الأضرار الناجمة عن الحريق.
مع مؤسس مسرح الدمى الدكتور كريم دكروب هذا الحوار:
○ حمد لله على السلامة. كيف بلغك خبر الحريق على مدخل مسرح دوّار الشمس وانت تستعد لاستقبال جمهور الأطفال؟
• الله يسلمك. درجنا على بدء موسم الصيف سنوياً في شهر تموز/يوليو، وكنا نستعد لإطلاقه. فلهذا العام مكانته الكبيرة في قلوبنا حيث مضى ثلاثون عاماً على تأسيس مسرح الدمى في لبنان. في اليوم المقرر لبدء العروض أيقظني اتصال هاتفي في السادسة صباحاً يقول «المسرح عم يولع». بالطبع كان الخبر صادماً. قصدت المسرح ووجدت مدخله يحترق مما آلمني كثيراً.
○ تلقيت تضامناً من إدارة المسرحين العاملين في بيروت المدينة والمونو. كم تأثرت بهذه المشاعر؟
• مع انتشار خبر الحريق في دوّار الشمس تلقيت اتصالاً من مديرة مسرح المونو جوزيان بولس يقول «الحمدلله ع السلامة»، وابلغتني بأن المسرح مفتوح لعروضكم رغم برنامجه المقفل. وبعده مباشرة تلقيت اتصالاً من السيدة نضال الأشقر لإستيضاح ما حصل في دوّار الشمس. ولمسرح الدمى مع مسرح المدينة ونضال الأشقر تاريخ من التعاون بلغ عشر سنوات قبل انتقاله إلى شارع الحمرا الرئيسي. اتصال الأشقر كان عزيزاً جداً. وسنعمل لبرمجة عروض في مسرح المدينة الراسخ في بالنا ببعده الرمزي الكبير. جميل أن تعمل كافة مسارح بيروت بهدف تنمية العمل الثقافي في المدينة، رغم كون الثقافة عملاً فردياً.
○ متى يعود دوّار الشمس إلى العمل؟
• موعد غير معروف نظراً لوجود شركة تأمين. الحريق ترك أضراراً في المدخل بأكمله مع الكافيتريا بالطبع. الحمدلله أن النار لم تصل إلى خشبة المسرح، لكنّ رائحة الحريق بلغت القاعة والمقاعد، وليس بالسهولة إزالتها، فهي تحتاج إلى معالجة خاصة، مع إعادة تأهيل المدخل.
○ مسرح الدمى في عامه الـ30 كيف تقرأ في هذه التجربة؟
• صراحة لست أدري كيف أقرأ في هذه المسيرة. يخطرني مشوار الـ30 سنة وكأنه «غمّض عين وفتح عين». أذكر حين كنت أتابع دراستي في موسكو، وكنت خارجاً من مسرح في مدينة سان بطرسبورغ بعد مشاهدة عرض باليه شهرزاد في الذكرى المئوية للعرض الأول، حينها سألت نفسي لماذا لا نعيد في لبنان عرض مسرحية في ذكراها العشرين مثلاً، وحتى المئة سنة؟ الأفراد يأتون ويذهبون، إنما العرض المسرحي يبقى مدى الحياة. ومن لحظتها شغلني هدف تأسيس مسرح في لبنان يعمل بنظام الريبرتوار، بحيث يتحوّل العرض إلى مؤسسة. في هذه التجربة يمكنني التحدّث عن الطابع الإداري الرؤيوي، والطابع الفني الإبداعي. كان الطابع الإداري صعباً للغاية في بلد يغيب فيه أي دعم، ومن أية جهة كانت. في مسرح الدمى نحن حيال عدة مسرحيات لكل منها ملابسها وديكورها. وهذه المسرحية تحتاج لصيانة مادية خاصة بالديكور وغيره. وصيانة الأداء، أي التدريب المنتظم لكل عمل مسرحي. إيجاد مسرح دائم صعب للغاية على المستوى الإداري واللوجستي، حين ينعدم الدعم على مستوى الدولة. ونحن نتابع العمل دون أي دعم على الإطلاق. في الجانب الإبداعي أعود 30 سنة إلى الوراء حيث قدّمنا مسرحية «شو صار بكفرمنخار». وإلى يومنا المسرحية مطلوبة من الناس ولديها جمهورها. شخصياً أغار من تلك المسرحية، والسبب أن مسرح الدمى تطوّر وبتنا في أماكن مختلفة. الناس تحب مسرح الدمى كما في بداياته، ومن جهتي أحب إعادة عرض شو صار بكفرمنخار، وفي الوقت عينه أحب التركيز على مسيرة مسرح الدمى وأين هو الآن. فأحدث عروضه «يا قمر ضوّي ع الناس» الذي جال في الكثير من بلدان العالم. عرض مطلوب ومرغوب خارج لبنان أكثر منه في داخله، والأسباب كثيرة، وأتفهمها. إنما في الوقت عينه أجده من العروض التي يجب أن يعتادها الجمهور. فبعد شو صار بكفرمنخار أخذ الجمهور وقته ليعتاد هذا النوع من المسرح. ما أعنيه هنا الإبداع على كافة مستوياته من السينوغرافيا، وتصميم الدمى، والمحرك المكشوف. كل هذا أثار استغراب الناس في البداية، لكنه بات لاحقاً من تقاليد مسرح الدمى. كمعني بمسرح الدمى أرغب بأن يطّلع الجمهور على الأنماط المسرحية الجديدة، والتي وصلناها نتيجة الأبحاث التي نقوم بها، وظهرت جلية في آخر العروض «يا قمر ضوّي ع الناس».
○ قلت مرّة أنك تدين في اختيارك لمسرح الأطفال إلى صدفة اللقاء مع طفلين على جبهة رأس النبع-السوديكو خلال الحرب الأهلية. ماذا تقول لهما الآن؟
• «سؤال حلو كتير عن قصة الطفلين». لست أدري أين هما. أقول لهما وأقول للطفل الذي كنته قبلهما، لو تمكنت من مشاهدتهما؟ حتى وإن لم يحصل اللقاء فهما أنقذاني. كنت على جبهة، وكان جائزاً أن أكون مقاتلاً وأستمر، كما آخرون غيري آمنوا بقضية ما تزال قائمة، إنما للأسف تحولت مع الوقت إلى سلعة. وكثر «نْباعو ونْشرو» باسم القضايا التي كنا بصددها. هذان الطفلان أنقذاني من أن أكون سلعة بين أيدي البعض الذين كانوا معنيين بما كنت أؤمن به. محزن قول هذا، لكنه واقع لبنان ونلمسه يومياً. لبنان الذي حلمنا به لم نره، والأرجح أننا لن نراه. الطفلان اللذان جمعتني بهما الصدفة خلال الحرب الأهلية، ساعداني كي افتح أبواب العالم على مصراعيها وأن أرى «كل الدني» من خلال مسرح الدُمى.
○ كيف تقرأ الاختلاف بين طفل الألفية الثالثة والطفل حين بدأت كتابة المسرح للأطفال؟
• الطفل طفل في يومنا وقبل 30 سنة. ليس ضرورياً التذكير اليوم بوجود الـ«تابليت» والذكاء الاصطناعي، والكثير من المستجدات التي تدخل عقولنا ولغتنا. في الوقت عينه أشعر من خلال الأطفال وذويهم الذين يدخلون المسرح بوجود لهفة للتواصل الإنساني الحقيقي ووجهاً لوجه. لمست هذا بعد الجائحة، وبعد الأزمات المتلاحقة التي مررنا بها. أجد شغفاً لسماع الكلام والموسيقى والأجساد التي تتحرك على المسرح. نحن نستخدم التطور التكنولوجي الحاصل في الحياة، ولسنا ضدّه. لكني أشعر بحاجة الإنسان الدائمة للعودة إلى إنسانيته، ومن يقصدون مسرحنا يشعرون بذلك. وباعتقادي أنهم يقدرونه.
○ هل بات لزاماً عليك ككاتب ومخرج أن تأخذ بالاعتبار انتشار الإلكترونيات بين أيدي الأطفال؟ وكيف؟
• على سبيل المثال في مسرحية فراس العطّاس عالجنا هذا الموضوع، ونمط الحياة الجديدة للأطفال. وفي الوقت عينه فإن مسرحية فراس العطّاس فيها أبسط الأنواع من الدُمى، رغم تضمينها عرضاً لأشكال الجديدة من التواصل بين الناس. أعود للقول بأن المسرح والفن عموماً فعل مقاومة. لا تقاوم الفنون التطور، إنما تقاوم محاولة قتلها من قبل التطور التقني. في نهايات القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين ولدى اكتشاف الفوتوغرافيا وانتشار فن التصوير، طرح السؤال عن مصير الفنون التشكيلية ولماذا نرسم اللوحة؟ جاءت الإجابة سريعة من خلال ظهور الفن التشكيلي الانطباعي، ومن خلال المعرض الشهير الذي نظمه الفنانون التشكيليون الانطباعيون داخل محترف للتصوير. وهذا ما يُظهر المقاومة الكاملة للفنون بوجه الهجمات الصناعية والتقنية التي جرّبت قتلها. للفن المسرحي مقاومته، وفن الدمى الذي نقدّمه يقاوم من جهته. لا نرفض التطور إنما نواجه المادية المفرطة التي يحاول التطور فرضها. نواجهها بإنسانية أعمالنا الفنية.
○ هل يحتاج أطفال اليوم إلى مزيد من الجهد لإقناعهم وجذب انتباههم؟ أي هل هم متطلبون أكثر؟
• بالتأكيد. جهودنا دائمة لإقناعهم. وأكثر ما نقنعهم حين نتناول همومهم وليس هموم الكبار نحوهم. الحالة الأبوية والوعظ والإرشاد ليس مقبولاً من الأطفال. عندما نتناول همومهم ونتطور مع تطورها سنجذبهم إلى مسرحنا، وهذا ما يحدث.
○ هل يُدعى مسرح الدمى للعرض في الدول العربية؟
• طبعاً عرضنا تقريباً في معظم الدول العربية. وفي كافة دول الخليج ومصر وتونس، وفي سوريا قبل الأزمة. وعروضنا دائمة تقريباً في الأردن وجمهورنا كبير. ومؤخراً عرضنا في المملكة العربية السعودية ألف وردة ووردة، في مهرجان «طائف الورد». إطلالتنا دائمة في معظم الدول العربية. وحضورنا الخارجي طال معظم دول العالم، ومنها معظم دول أوروبا تقريباً. وعرضنا في جنوب أفريقيا، وكذلك في الصين.
○ كم هي نسبة الشغف التي تحملها في داخلك نحو مسرح الدمى الآن؟
• النسبية ليست قياساً مناسباً للشغف. سينتهي عندما تدخله النسبية. يشكل الشغف محركاً أساسياً ودافعاً لحفر الجبل. تماماً كما شغل النمل. أنظر إلى الفنانين في لبنان وأرى فيهم نملاً يحفر جبلاً. كم حفرنا لست أدري، أعرف أننا جميعاً نحاول وبكافة الجهود الممكنة.
○ وما هو عدد المسرحيات حتى الآن؟
• لم أحصها تماماً إنما بين 25 و30 مسرحية. وفي ريبرتوارنا الذي يُعرض حالياً تسع مسرحيات. مسرحيات أحبّها الجمهور وثبّتها. ومسرحيات أخرى قدمناها ولم تستمر لأسباب متنوعة. وفي مهرجان الصيف نحن بصدد تسع مسرحيات. عروضنا كل يوم الخميس، حيث انتقلنا مؤقتاً وقدمنا كافة العروض المقررة لشهر تموز/يوليو في مسرح المونو. وبدءاً من الخميس في 3 من شهر آب/اغسطس سنعرض في مسرح دوّار الشمس إلى مسرح المونو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية