حين يحتفي الآخرون بالفنان المصري!

لا خلاف على أن مواقع التواصل الاجتماعي أمست لدى البعض فرصة لإفراغ ما يحملونه من عقد وأمراض نفسية، للإساءة إلى كل ظاهرة تستحق الثناء والتقدير، وغاب عن تفكير هؤلاء أن عالم اليوم ليس عالم الأمس، فمن كان يقبع في الهامش تحرَّك نحو المركز والعكس صحيح.
عند تقديم نجوم الغناء المصري في البلدان العربية، عادة ما يحتفي بهم الجمهور بأفخم صورة، وعلى وجه خاص في المملكة العربية السعودية، وبقية دول الخليج العربي. يأتي ذلك تقديرا للريادة المصرية، ولخصوصية ما تم إنتاجه من ذاكرة غنائية وموسيقية معاصرة، استطاع فيها الفنان أن يترك بصمته الشخصية، إلى جانب تأكيد حركية الهوية الوجدانية لبيئته المحلية، وبذلك تصدّر الغناء المصري موقع القلب في ذائقة الجمهور العربي. في المقابل سيكون أمراً طبيعيا، أن يعبِّر الفنانون بدورهم عن تقديرهم لهذا الاحتفاء، لكن الغريب في الأمر عندما يتعرض الفنان المصري على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حملات هجومية، من قبل طيف واسع من المصريين، لا لشيء إلاَّ لأنه قابل هذا التكريم الشعبي بكلمات لا تخلو من اللباقة والدبلوماسية، فهل يرتكب الفنان خطأ عندما يعبَّر حتى ولو بشكل مبالغ به، عن محبته للجمهور الذي كان كريما معه! هذا ما واجهه في الأشهر الأولى من عام 2023 مطربون مثل محمد فؤاد ومحمد منير وشيرين، ولم تسلم من ذلك أسماء كبيرة في عالم التأليف الموسيقى، كما هو الحال مع عمر خيرت وهاني شنودة، بعد أن أقامت لهم هيئة الترفيه في السعودية حفلات ذات طابع احتفالي وتكريمي، كانت على مستوى عالٍ من التنظيم. والمفاجأة حصلت عندما امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتأويلات تحمل نبرة تشكيك بمقاصد الهيئة، فسَّر أصحابها هذا الاهتمام برموز الغناء والفن المصري على أنه يأتي محاولة لسرقة الذاكرة المصرية! فهل يمكن للمنطق أن يقبل هذا الاستنتاج؟ وكيف لبلد عربي يقيم حفلا موسيقيا على أرضه تكريما لفنان من بلد آخر، قاصدا بذلك سرقة تاريخ طويل من الإنجازات تعود إلى بلد الفنان المحتفى به؟
هل يمكن قبول فكرة أنَّ ذاكرة فنية عمرها يمتد لعشرات السنين وتعاقبت على ابتكارها أجيال من المبدعين أن تُسرق بهذه السهولة؟ ثم لماذا لم يتم تسويقها على فنانين أجانب تم الاحتفاء بهم وبتاريخهم في السعودية أمثال المخرج والممثل ميل جيبسون، الممثل الهندي أميتاب، المخرج الأمريكي ميكل باي، الممثلة الإسبانية إستير آسيبو، الممثلة الكوبية صوفيا فيرغارا؟ إزاء وعي بسيط معبأ بمثل هذه التأويلات الغريبة، ليس أمامك سوى أن تصاب بالخيبة.
خلال العقود الماضية أقيمت حفلات تكريم لمثقفين وفنانين عرب في بلاد غير بلادهم، بعضها كانت من بلدان أجنبية، مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا، ومن بين المحتفى بهم، محمود درويش، أدونيس، يوسف شاهين، جواد الأسدي وغيرهم من الأدباء والشعراء والموسيقيين، فهل البلدان الأجنبية طالتها حملات تشكيك لنواياها متهمة إياها بسرقة الذاكرة الثقافية لبلدان الأسماء التي احتفت بهم؟ ثم لماذا دول الخليج تبدو في دائرة الاستهداف دون غيرها بهذه الأنشطة؟ سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة. فمثل هذه الازدواجية في المعايير تحتاج إلى تفسير.. ربما يعود سببها إلى أن البعض يجد صعوبة في استيعاب ما يجري فيها من انفتاح على الثقافة والفنون، فيعاند هؤلاء أنفسهم ولا يرغبون في أن يغادروا ما يحملونه في أذهانهم من صور تقليدية عن بلدان الخليج، تبدو لهم فيها مجرد صحارى، وأن أهلها بدو أجلاف لا يعرفون سوى تربية الإبل، وما من صلة ثقافية تجمعهم مع العالم المتحضر.
بهذا التصور الاستعلائي يحاولون القفز على الحقائق، وتجاهل ما تشهده دول الخليج العربي من تحولات كبيرة، فاليوم هناك أجيال من الخريجيين سبق لهم أن عادوا من جامعات عالمية وهم يحملون أرفع الشهادات الأكاديمية في كل فروع العلم والمعرفة، بما فيها الفضاء، وانخرطوا في ساحات العمل والمؤسسات التعليمية والاقتصادية، وأسسوا حركة ثقافية منفتحة على حقول المعرفة الإنسانية والآداب والدراسات النقدية كافة، إضافة إلى أنهم ساهموا في رسم خطط مستقبلية لبلدانهم ستضعها في مصاف الدول التي تساهم في الاقتصاد العالمي. وكل هذه المؤشرات تؤكد أن النفط ما عاد يمثل الشريان الوحيد للتنمية والاقتصاد، وتبقى الأسئلة في هذا السياق مطروحة وتحتاج إلى إجابات:
هل المشكلة بمن يحتفي أم عند المشككين الذين يقفون على الضفة الأخرى؟
هل المشكلة في الكَريم أمْ البخيل؟ هل المشكلة في الماضي أمْ الحاضر؟ هل المشكلة في الجغرافيا أمْ التاريخ؟ هل المشكلة في السياسة أمْ الفن؟
أين المشكلة في أن تكون كريما عندما تقابل الموقف الجميل بما هو أجمل منه؟

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية