مشهد من «عيلة اتعملها بلوك»
يلعب نجوم السينما والمسرح والتلفزيون عادة دور الوسطاء بين الجمهور والساسة، فمن خلال ما يتم تقديمه من أعمال ذات صله بالقضايا المهمة والخطيرة تبدأ عمليات قياس الرأي العام على ردود الأفعال الجماهيرية والشعبية، تجاه ما يُراد متابعته من أحداث على مستويات كثيرة، سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، ولهذا فإن مقدار الفنان النجم وحجمه يكون له اعتبار كبير في هذا الخصوص، بوصفه المؤشر الدقيق الدال على عملية التفاعل والتأثير في الشارع السياسي.
ولأهمية دور الفنان ورأيه يتم تصديره في كثير من الأحوال لاستبيان الحقائق بشكل مباشر، أو غير مباشر، وهو نظام معمول به في كل دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتبع أكبر مؤسساتها الإنتاجية هوليوود لجهاز المخابرات «cia» وتتصل بعض نشاطاتها السينمائية الكبرى وأفلامها باهظة التكلفة بقضايا سياسية بالغة الحساسية والتعقيد، وهناك نماذج كثيرة ومُتعددة أبرزها فيلم 11/ 9 فهرنهايت للمخرج مايكل مور، الذي انتقد فيه سياسة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في تعامله مع أحداث 11 سبتمبر/أيلول وقضية الإرهاب في الشرق الأوسط.
في العالم العربي أيضاً لا يمكن فصل الفنان وأعماله الإبداعية المؤثرة عن سائر القضايا المُجتمعية ذات الأهمية، وكثيراً ما دخل بعض الفنانين كأطراف أصيلة في بعض الأحداث، باعتبارهم شركاء في تنمية الوعي الفكري لعموم الجماهير، بما يقدمونه من إبداعات فنية يقطع الجميع بتأثيرها على الفرد والمجتمع. ومن بين ما ظهر تأثيرهم القوي كنجوم مهمين الفنان السوري دريد لحام والفنان المصري عادل إمام ونور الشريف وعبد العزيز مخيون وصلاح السعدني وعزت العلايلي ومحمد صبحي، فهؤلاء هم المثقفون، أصحاب وجهات النظر السياسية التي قد يختلف ويتفق عليها البعض، فمن رحل منهم ظل أثره باقياً في أدواره وأعماله، أما العائش الحي فهو المُشتبك مع قضايا بلاده ووطنه، حسب وجهة نظره وما يتفق مع ثقافته وتوجهاته، ولا غضاضة في مسألة الاختلاف في أسلوب الطرح، أو الخلاف في وجهات النظر طالما الهدف مشروع والشُبهات مُنتفية، فما يحدُث من سجال بين الجماعة الثقافية، وإن شابه شيء من الانفعال لا يعدو كونه سحابة صيف ستمر مرور الكرام، بما لا يُعكر الصفو. لقد مر الفنان الراحل نور الشريف بمراحل كثيرة من المواجهة أدت في بعض الأحيان، إلى غضب بعض الشخصيات في السُلطة، ولعل أبرز ما واجهه الفنان الكبير إبان نجوميته الطاغية وتأثيره القوي، جاء نتيجة قيامه بتجسيد شخصية فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، في توقيت لم يكن مناسباً من وجهة نظر البعض، لكنه لم يعتبر ذلك نهاية المطاف واستمر في تقديم أعمال أخرى كان لها الصدى نفسه، كمسلسل «ما تخافوش» ومسرحية «يا غولا عينك حمرا» وفيلم «زمن حاتم زهران»، وكلها أعمال تضمنت رؤى نقدية شديدة اللهجة وجهت إلى النظام السياسي القائم آنذاك.
وبعدها قدم نور الشريف مسلسل «التعلب» الذي دارت أحداثه حول واحدة من بطولات جهاز المخابرات المصري، ليؤكد أن ضمير الفنان هو الوازع الأساسي لما يقدمه، وأن مسؤوليته الأدبية تتحدد وفق قناعاته الشخصية ورؤيته السياسية، التي لا تتعارض مع الثوابت الوطنية، وبناءً على هذه القاعدة بقيت علاقة الراحل نور الشريف، كنموذج للفنان المُثقف مع الأجهزة الأمنية والرقابية متوازنة ومستقرة حتى وفاته.
كذلك كانت بعض أدوار الفنانين المذكورين محل نقاش في أوقات كثيرة ولم تكن أبداً سبباً في خلق أزمة، أو تشويش على الفنان، فصلاح السعدني قام ببطولة فيلم «أحلام صغيرة» الذي عرض مشاهد تراجيدية حزينة من نكسة يونيو/حزيران وأدان المسؤولين عنها وتأسى على الأحلام التي عقدت عليها الجماهير العربية آمالاً عريضة، لكن ذلك لم يتعارض مع وطنيته ولا حُبه لعبد الناصر وإيمانه بالمشروع القومي. هناك أيضاً فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» لعادل إمام، هذا الفيلم مثل صدمه حقيقية للجمهور وقت عرضه الأول في دور السينما، كونه تعرض لقضية التعذيب في فترة حُكم الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس جهاز المخابرات المصرية صلاح نصر في مرحلة الستينيات. كما أن فيلم «الكرنك» عرض ما هو أسوأ وأشد قسوة ولم يُنقص ذلك من قدر نجيب محفوظ كأديب كبير، أو علي بدرخان كمخرج مهم أو نور الشريف أو كمال الشناوي أو سُعاد حسني، ولم تحدث أزمة رقابية ولم يعترض أي من صُناع العمل على الكتابات النقدية في حينه.
«عيلة اتعملها بلوك»
ما أثير على الساحة الفنية مُجدداً بخصوص المسرحية الغنائية الاستعراضية «عيلة اتعملها بلوك» التي احتج بطلها الفنان محمد صبحي على حذف بعض مشاهدها، وعرضها في توقيت غير ملائم، حسب رأيه على قناة «سي بي سي» المملوكة للشركة المُتحدة للخدمات الإعلامية، كان أمراً لافتاً بقوة فليس من المعهود عن محمد صبحي اللجوء إلى التصعيد بهذه الطريقة، وتحويل المسألة الفنية الخلافية إلى قضية سياسية، وهو الفنان الشهير صاحب الأعمال المسرحية القيمة، «الجوكر» و»وجهة نظر» و»تخاريف» و»الهمجي» و»بالعربي الفصيح» و»ماما أمريكا» و»لعبة الست» و»كارمن» وغيرها، لاسيما أنه يتمتع بشعبية كبيرة تحتم عليه التصرف بحكمة وعدم التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة شخصية، فالانسحاب من العمل والتوقف عن تقديم الجديد مع الشركة المُتحدة، ليس بالطبع في صالح المسرح المصري ولا مسيرته الفنية! لقد أخذت المشكلة الفنية حيزاً إعلامياً أكبر مما تستحق، ومنحت الفرصة لبعض خصوم صبحي ومنافسيه للتدخل بالسلب لتعميق هوة الخلاف بينه وبين الشركة المُتحدة، وإعلان الحرب عليه كما حدث في مواسم سابقة للحيلولة دون استمراره في العطاء الإبداعي الخاص والاستثنائي والمتميز فليته ينتبه.
كاتب مصري