يعوّل العراق على «الدبلوماسية الاقتصادية» في علاقاته الخارجية مع دول المنطقة والعالم بعد أن طوى صفحة الإرهاب الذي اجتاح نحو ثلث مساحته في صيف 2014. وفيما يرى المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، الدكتور أحمد الصحاف، في استقرار البلاد انعكاسات على استقرار المنطقة، أشار إلى دور بغداد في تطبيع الأوضاع بين طهران والرياض، لافتاً في الوقت عيّنه إلى دعم العراق للأمن والاستقرار الدوليين.
وأجرت «القدس العربي» حواراً مع الصحاف، تحدّث فيه عن جمّلة ملفات تتعلق بسياسة الدبلوماسية العراقية، فضلاً عن تطورات حوادث حرق نسخ من المصحف والعلم العراقي في السويد والدنمارك. وأدناه نصّ المقابلة:
○ إلى ماذا يستند العراق في علاقاته الدبلوماسية سواء على مستوى العالم أو المنطقة؟
• السياسة العراقية الخارجية تخطو صوب التكريس للمزيد من التوازن وتنشيط العلاقات مع جميع الأطراف على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف، والهدف من هذه الدبلوماسية المتصاعدة هو التكريس للمزيد من عناصر القوّة ضمن الأداء الحكومي لحكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بوصفها حكومة خادمة لتطلعات أبناء الشعب وللمزيد من حيازة المصالح الوطنية خلال فترة الأداء الحكومي الحالي.
الخارجية العراقية منفتحة على جميع الأطراف لديمومة هذه المصالح ضمن شراكات استراتيجية متعددة تقوم على تنويع البوابات الاقتصادية للعراق، بهدف تعزيز معدلات الاستجابة الداخلية. والعراق نحى عبر دبلوماسيته لتكريس حوارات جماعية على مستوى المنطقة، لان دول الجوار تمثّل أولوية قصوى في السياسة الخارجية وخطاب الدبلوماسية العراقية وإجراءاتها.
استقرار العراق هو استقرار للمنطقة والعكس بالعكس، وكان العراق قد استضاف العديد من الجولات التفاوضية بين طهران والرياض، ونجح في إعادة تطبيع هذه العلاقات من جديد، إدراكاً من سياسته الخارجية بأن هذا الاستقرار بين الجانبين المجاورين للعراق سينعكس على أمنه واستقراره وسيرفع من معدلات التنسيق والتواصل بين أطراف المنطقة ويتعداها إلى المجموعات الأخرى التي تتواجد فيها السعودية؛ كمجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية، والمجموعات التي تتواجد فيها إيران سواء في منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة وغيرها من المجموعات متعدّدة الأطراف.
والتكامل في نسج هذه المصالح يحتاج ويتطلب المزيد من الوضوح والصراحة والمشاركة على مستوى مصادر القوّة لمجموع الأطراف، وكذلك مواجهة التحديات بشكلٍ مشترك، فالعراق واجه الإرهاب منذ سنين ودحر الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها عصابات التطرف والتكفير «داعش» بدعم ومساندة جميع شركاء العراق وأصدقائه.
والعراق يثمّن هذه الوقفة الجادة، لأن الإرهاب كان يهدد بُنيّة الدولة، ونجاح أبناء الشعب والقوات الأمنية على اختلاف صنوفها وتشكيلاتها من الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والمتطوعين من أبناء العشائر وقوات البيشمركه وجهاز مكافحة الإرهاب. هذه الاستجابة الوطنية جاءت معززة للأمن والاستقرار على مستوى المنطقة، وتحوّل العراق إلى دلالة كبيرة في مواجهة الإرهاب، وكان ذلك نصراً عزيزاً يضاف إلى مصادر القوّة للدولة. أنا أتحدث عن الدولة العراقية بوصفها الهياكل القانونية والدستورية التي من خلالها تتوفر الاستجابة لأبناء الشعب على المستوى الداخلي وينفتح العراق على جميع شركائه وأصدقائه في المستوى الخارجي.
انتقلت السياسة الخارجية العراقية من موقع ردّة الفعل إلى موقع الفعل والمبادرة، ومن موقع التأثر إلى موقع بناء التأثير والمشاركة مع الآخرين، حتى بات العراق اليوم طرفاً متوازناً يقع في قلب الاستراتيجية على مستوى المنطقة ويتوافر على فرص اقتصادية واستثمارية وتنموية كبيرة وواعدة، ويتطلع لأن تمتد الأيادي جميعاً لبناء مسارات تنموية تنعكس على مصالح شعوب المنطقة وجميع شركاء العراق وأصدقائه مع المراعاة التامة للسيادة الوطنية العراقية ومصالح الدولة.
ونتيجة لتراكم عناصر القوى للدبلوماسية العراقية التي كرّست لمزيد من التوازن والخطاب المعتدل والفاعلية الدبلوماسية على مستوى المنطقة وما أبعد منها، تراكمت عناصر القوى هذه لتضع العراق في حيّز التقاء الحوارات الاستراتيجية، وأن تجعله منصّة متقدمة للتعبير عن الشراكات الاستراتيجية المتنوعة، فالعاصمة بغداد استضافت المؤتمر الأول للتعاون والشراكة، كما استضافت العاصمة الأردنية عمان مؤتمر بغداد بنسخته الثانية، ونستعد لإقامة النسخة الثالثة من المؤتمر.
وهذه الشراكات وعبر الانفتاح على كل الأطراف وتنسيق المصالح المشتركة والمتوازنة الراعية لمصالح البلاد، هي نتيجة لما يتوفّر في العراق من فرص استراتيجية وحيوية على مستوى موارده الطبيعية وقدراته البشرية، الذي تحوّلت كل مصادر القوة هذه إلى أدوات فاعلة ومهمة للدبلوماسية العراقية. فبعد الانتهاء من صفحة مواجهة الإرهاب وجماعاته فإن العزم منعقد على الدبلوماسية الاقتصادية التي تدعو إلى استقطاب المزيد من الشراكات والتفاعلات الاستثمارية والتنموية للنهوض بالواقع العراقي داخلياً، ويأتي هذا السياق كجزء من التزامات وزارة الخارجية العراقية وضمن قواعدها الإجرائية التي تتصل بتنفيذ البرنامج الحكومي.
○ ما موقف العراق من الحرب الروسية ـ الأوكرانية وتداعياتها؟ وهل له دور لإنهائها؟
• حمّلت الدبلوماسية العراقية مبادرة مهمة جداً في الجامعة العربية، انبثق عنها قرار بتشكيل لجنة من عدد من وزراء الخارجية العرب من بينهم العراق. هذه اللجنة سُميت بفريق الاتصال والتواصل، ويقع عليها عاتق التنسيق مع طرفي الصراع في موسكو وكييّف ومع الاتحاد الأوروبي، وأجريت العديد من اللقاءات والحوارات لبحث إمكانية نزع فتيل هذه الحرب ومنع ارتداداتها على العالم، إذ أن هذه الحرب تحمل انعكاسات خطيرة جداً على مستقبل وواقع الطاقة عالمياً وكذلك الأمن الغذائي العالمي.
والعراق يُدرك بأن هذه الانعكاسات ستضع العديد من الأطراف أمام التزامات حرجة، ولذلك كان طرفاً أساسياً وفاعلاً في ذلك. دعونا منذ الأيام الأولى لنشوب هذه الحرب إلى أهمية الارتكان إلى طاولة الحوارات والأخذ بالمبادرات التي تدعو إلى الانتهاء من المواجهات واللجوء إلى الحلول التي تجنّب الجانبين الروسي والأوكراني وجميع الأطراف في العالم مغبّة ارتدادات هذه الحرب.
والعراق خاض عدداً من الحوارات في موسكو وبولندا ومع شخصيات أوروبية بشأن إنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية، فضلاً عن إجراء حوار مباشر مع وزير الخارجية الروسي في موسكو، حيث أن العراق يحوز على درجة عالية من المقبولية في هذه الحوارات لكونه طرفاً موثوقاً به على مستوى المنطقة، وإن كل الأطراف تُدرك إن مبادراته إنما هي انعكاس لرؤية عراقية لتعزيز الاستقرار والتوازن على مستوى المنطقة والعالم.
العراق يدعم الأمن والاستقرار لجميع الأطراف (في إشارة إلى الأزمة الروسية ـ الأوكرانية) ويدعوهم إلى ذلك، ولن يدّخر جهداً في أن يكون طرفاً فاعلاً بأي مبادرة لإنهاء هذه الحرب وتجنّب العالم المزيد من الارتدادات الناجمة عنها، بكونه اليوم طرفاً فاعلاً وأساسياً في أيّ مسار يدعم الأمن والسلم الدوليين.
○ اتخذ العراق جمّلة مواقف بشأن حوادث تدنيس المصحف والإساءة للعلم العراقي في السويد والدنمارك. كيف تنظر الدبلوماسية العراقية لتكرار مثل هذه الأفعال؟
• استمرت وزارة الخارجية العراقية في مطالبة الجانب السويدي بمنع اتساع وتكرار هذه الظواهر (تدنيس المصحف والإساءة للعلم العراقي) التي تزدري وتسيء لأبناء الدين الإسلامي ومن خلال هذه الأفعال يتم توجيه الإساءة إلى نسخ من المصحف الشريف ولمرتين متتاليتين أمام مبنى سفارة جمهورية العراق في ستوكهولم وكذلك في الدنمارك.
وإذ يدين ويستنكر العراق بأشدّ العبارات أفعالاً كهذه، دعا الجانب السويدي إلى أهمية مراجعة هذه المواقف. الجانب السويدي استمر بالقول إنه يدين ويستنكر هذه الأفعال ويشعر بالأسى لما تخلّفه من مشاعر غاضبة لدى المسلمين حول العالم، كما إن الخارجية العراقية خاطبت الجانب السويدي بتسليم سلوان موميكا إلى السلطات العراقية ليلقى جزاءه العادل وفقاً للقانون المحلي، وقلنا أيضاً إن هذه الأفعال لا يمكن قبولها على أساس إنها تندرج ضمن حرية التعبير وحق التظاهر التي يجب أن تكون مرعيّة وتحفظّ مشاعر أبناء الأديان وكتبهم السماوية ولا تزدريهم.
أن هذه الأفعال ستعيد ذاكرة العنّف والكراهية والتطرف من جديد، والخارجية العراقية دعت لمرتين الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي لأن تعقد اجتماعاً استثنائياً طارئاً على المستوى الوزاري لمناقشة تداعيات هذا الأمر، وعقد الاجتماع وقدّم العراق خمسة مقترحات بهذا الشأن.
وأشار وزير الخارجية فؤاد حسين خلال الاجتماع إلى أن الصكوك الدولية تدين هذه الأعمال ولا تبيح التمييز والعنصرية، فكما إن هناك قرارات دولية تجرّم معاداة السامية حول العالم فلا بد أن لا تقوم هذه القرارات على أساس عنّصري تمييزي لجماعة دون أخرى أو لدين دون آخر، بل يجب أن تكون على قدر من التساوي بين جميع الأديان وأتباعها في العالم.
العراق التزام بقواعد إجرائية صارمة، وعبّر عن رؤية الحكومة في هذا الشأن. ونعتقد أن سماح الدول بهذه الأفعال سيضعهم أمام التزامات حرجة. ونتيجة المواقف العراقية صدرت مواقف داعمة للعراق وتندّد وتستنكر هذه الأفعال مثل البيانات التي صدرت من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي.
أما عن إجراءات وزارة الخارجية العراقية على المستوى الثنائي، فقد جرت العديد من الاتصالات بين وزير الخارجية العراقي مع نظرائه العرب والأوروبيين ودول الجوار العراقي وكانت مواقفهم منسجمة مع الموقف العراقي، كما يأتي موقف العراق منسجماً مع علاقاته متعددة الأطراف. العراق أعلن موقفه بوضوح أنه ملتزم باتفاقية فيينا في تنظيم العلاقات الدبلوماسية ويرى الهجوم الذي طال السفارة السويدية في بغداد (الشهر الماضي) عملاً مجافياً للالتزامات المتوخاة بهذا الشأن، كما إن الحكومة العراقية أعربت عن التزامها الكامل بحفظ أمن البعثات الدبلوماسية. والعراق يدعم علاقاته وشراكاته مع كل الأطراف.
○ كيف يمكن للعراق تطمين جيرانه (تركيا وإيران) بشأن الهجمات التي تُنفّذها الجماعات المسلحة المعارضة للبلدين والمتمركزة في الشمال العراقي؟
• العراق لا يسمح بأيّ تدخل من أيّ طرف في شؤونه الداخلية، ويرحب بالتعاون والتنسيق والتواصل مع كل الأطراف استناداً لمبدأ احترام السيادة والقرار الحكومي العراقي، مع تأكيد العراق التزامه باتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات الدبلوماسية، ونرحب باتساع نمط الدبلوماسية بشكل متصاعد لتعزيز دور العراق ضمن نسق التفاعلات الإقليمية والدولية.
والعراق ملتزم دستورياً بأن لا تستخدم أراضيه مقراً أو ممراً لإلحاق الضرر والأذى بأيّ من دول الجوار، ونعمل وننسق مع دول الجوار لتعزيز الأمن على مستوى المنطقة، والعراق ينسق مع جميع الأطراف لتأمين الشريط الحدودي الممتد بينه وكل من تركيا وإيران. نعتقد أن تكامل التنسيق والتواصل وتبادل المعلومات بشكل مشترك ومواجهة التحديات المشتركة هو الحلّ الصحيح، ويبقى موضوع قواعد حسن الجوار والبناء على الفرص المتاحة لبلداننا هو الأساس في علاقاتنا.