سوزان ديشامب: من الهامش إلى فن يقلب الصورة

إسماعيل كرك
حجم الخط
0

لدى الحديث عن أعمال سوزان ديشامب، لابد من أن يربط ناظر هذه السطور بينها وبين الفنان الفرنسي مارسيل ديشامب إنْ ليس باسم العائلة المشترك، فسيكون بتقارب الزمان والمكان أو ربما الذهنيتين، لكن ثمَّ فرقا تجريبيا قد يصنع فارقاً ذكورياً بين ما أتيح لمارسيل ديشامب وبين التهميش الذي طال سوزان كامرأة شأنها شأن نساء جيلها من العديد من المبدعات الأخريات، لكن ومع ذلك، سيكون هناك اختلاف في هوية التجربتين، إذ ستبدو سوزان تَشْكُل الرسم، التصاميم واللغة معاً بطرق متعددة، كما هو الحال في لوحات بيكابيا الميكانيكية، حيث استخدمت سوزان الصور الآلية كقصة رمزية للموضوع البشري، مؤكدة على الجانب الوظيفي للعلاقات الاجتماعية والجنسية وعلى المفاهيم الإنسانية للحب.
وفقاً لمقالات الباحثة ناعومي سويلسون-غروس التي تناولت دراسات مهمة حول ماهية وفاعلية الهوية النسوية بداية القرن العشرين، كانت سويلسون-غروس قد ركزت على نساء الدادا في باريس ولا سيما سوزان ديشامب، حيث استعرضت بشكل مُفَصَّل الإهمال والتهميش الذي تعرضت له في روايات الفن والتاريخ والذي طال تجاربها، محاولةً التأكيد على أن تاريخ الفن لم ينصفها بل أهمل تلك التجارب المتقدمة متبنِّيةً حقيقةَ أن سوزان أُبعدت عن مواهبها وفاق إهمالُ أعمالها الإهمالَ الذي طال نظيراتها من النساء في زيورخ وبرلين، من خلال ربط اسمها باسم مارسيل ديشامب. كما ركزت سويلسون-غروس أيضاً على الابتكارات التي قامت بها من خلال رسومات هندسية وتراكيب مفاهيمية، منتقدةً اكتفاء تاريخ الفن بعدم الإشارة إليها باسمها الصريح بل «بأخت مارسيل»!.
تحضر في هذا السياق حقيقة جوهرية مفادها أنه في بدايات القرن الماضي وعلى الرغم من تغييرها للكثير من المفاهيم التقليدية، إلا أن روح الدادائية في أوروبا لم تَكُن خاليةً من القمع، ولم تكُن حركة دادا أيضاً خاليةً من ميول معادية للمرأة! في الواقع، كانت كلمة دادا تستحضر فكرة الذَكر سواءً كأب أو كسُلطةٍ مسيطرة، وهكذا كان من المفترض أن يُنظَرَ إلى الزميلات في الحركة دون أن يُسمع صوتُهن وإلى النساء كمُرَبِيات لا مُغتَصَبات، وأن المرأة لطيفةٌ وغيرُ مُقْلِقة! إلا أن كتاب سويلسن-غروس يُعتَبرُ أول كتاب يوضح كيف تغير دور المرأة في المجتمع الأوروبي والأمريكي وهو ما كان حاسماً للدادائية، فبدأت المناقشات حول تحديد النسل والاقتراع، وانخفاض عدد السكان الذكور وتوسيع القوى العاملة النسائية، وظهور المرأة الجديدة والفرويدية من بين القوى التي ساهمت في تثبيت المشروع الدادائي في الفن كحجر زاوية.
في عام 1919 تزوجت سوزان من الفنان الفرنسي جان كروتي وأنجبتْ منه، ما لبثت بعدها أن عملت مع مارسيل ديشامب في نيويورك والتقت به عندما جاء إلى باريس قبل ثلاث سنوات من ذلك التاريخ. ولكنها بذلك الزواج خسرت «مكانةً إضافية» كونها زوجة «بعمل جزئي» الأمر الذي قلَّلَ من مكانتها كفنانة، وحجب مشاركتها في مشهد باريس الفني.
أما في كتابها «نساء الدادا» الصادر في نيسان/ابريل 2009 عن Yale University Press فتتحدث الفرنسية روت هيموس أستاذة الفنون المرئية ومديرة معهد بحوث الفن والإنسانيات عن تجارب سوزان ديشامب والمعارض التي أقامتها مؤكدةً على عمق تلك التجارب أوائل القرن العشرين حيث تم إقصاء النساء في الهوامش أو تم ذِكرهن فقط كزوجات أو صديقات أو أخوات لرجال دادا بنبرة تتحدى هذا الافتراض وتركز على المساهمات الإبداعية التي قدمتها ديشامب إلى الدادائية مستخدمةً تقنياتها وأساليبها المُميِّزة لتمرد الدادا ضد التقاليد الجمالية والثقافية، فتحلل هيموس تأثير الجنس على عمل المرأة، وذلك لإظهارها مُبتكِرةً لا مقلِّدةً ضمن حركة الدادا، من خلال معرض سوزان وزوجها الفنان جان كورتي الأول الذي أقيم في غاليري مونتانيه في الفترة ما بين 4-14 نيسان/أبريل 1921 والذي حمل عنوان «تابو» تبعه معرضٌ آخر بعنوان «الإشعاع» الذي أقيم في شهري كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 1922- باريس ورمز إلى خطوط اتصال غير مرئية بين الجنسين إما كنوع من القوة المغناطيسية، أو استعارة للجاذبية الجنسية أو الرومانسية، أو حتى عمليات الإرسال عن بُعد التي يتم تسهيلها من خلال التقنيات الجديدة للإبراق اللاسلكي والراديو، ليأتي بعدها معرض «لونٌ واضح مع دعم غير صحيح» في غاليري هيوارد – لندن، بالإضافة إلى عدة معارض عالمية أخرى في بيرن صالة الفن- سويسرا وكلاً من المتحف الوطني للفن الحديث وكذلك مركز جورج بومبيدو في باريس ومتحف هيوستن للفنون الجميلة ومتحف الفن في فيلادلفيا.

إشارات الحداثة الأولى

في الحقيقة كانت أواخر عام 1915 انطلاقةً مبكرةً لإبداعات سوزان وذلك عندما ذهبت لإخلاء استوديو مارسيل ديشامب في باريس، واستطاعت التقاط إشارات الحداثة الأولى وما كان قد أعدَّهُ مارسيل للمرحلة المقبلة 1916-1921 فأنتجت مجموعة كبيرة من الأعمال من خلال لغة رسمية ستسمى فيما بعد «الأشكال الميكانيكية» والتي كانت تصورات مأخوذة من أشياء ميكانيكية أو تكنولوجية شائعة ومرتبة لوصف واستنتاج فاعليتها وأبعادها المتعددة خصوصاً تلك المتعلقة بالرغبة أو السلوك البشري حيث عبّرَتْ سوزان من خلال عملها «مصنع الفرح» والذي أنجزته سنة 1920عن الرغبات كملفات مختلفة في تشكيلها ولونها كما يظهر الرقم 6 كعدد يتنامى مع التزايد المُطَّرِد للرغبات.
يصور فرانسيس بيكابيا المَيل الميكانيكي في رسالة إلى مارسيل ديشامب كتبها في كانون الثاني/يناير 1916 حيث أوضح فيها مفهومه عن «الوصفات» الصناعية الجاهزة وذَكَر عجلة الدراجة الهوائية ورف الزجاجات (Bottlerack) العملين التي صادفتهما سوزان في الاستوديو وطلب منها مارسيل ديشامب أن تُكمل إحداها بإضافة نقش «d’après Marcel Duchmp» أي «ما بعد مارسيل ديشامب» حيث أدى تعاونها مع مارسيل إلى ثقته بانفتاح سوزان على الإنتاج الفني الراديكالي.
عندما كانت في السابعة والعشرين أي في العام الذي شهد الإعلان عن البيان الدادائي الأول، قابلت جان كروتي الفنان الذي كان يعمل مع مارسيل ديشامب في ذات الاستوديو، فأبدعت واحداً من أعمالها المبكرة والذي حمل عنوان «Multiplication brisée et rétablie» أو «الضرب مكسور ومُستعاد» الذي اكتمل في عام 1919حيث احتوى التكوين على صور دادائية بأشياء من صنع الإنسان مثل البرج ومنظر المدينة يُعتَقَد أيضاً أن العمل المشار إليه يعكس فلسفة تماسِّها مع الموجودات في المجتمع والتي تحتاج إلى تعريفات أخرى خارج مفهوم «المتفق عليه» بينما يشكل أحد أفضل أعمالها Un et une menacés «ذكر وأنثى مُهدَّدَين» والذي أشارت من خلاله إلى الرمزية الميكانيكية المرتبطة بالحب وبالعلاقة الحميمة وكذلك إلى أجزاء الآلة الحقيقية ومقارنتها بأجزاء الجسم البشري ما فسح المجال إلى حد كبير للحركة الدادائية لتطوير رؤاها فيما تلا ذلك.
أما زواجها بسن الثلاثين من جان كورتي فلم يرُقْ لمارسيل ديشامب فأرسل لهما هدية زفاف مع تعليمات بشأن كتاب جاهز يتضمن تعليق كتاب هندسة على الشُرفة وتَرْك الريح والأمطار تُمَزِّقانه! معللاً ذلك بالقول: «كان يجب تعليق الزواج في الهواء الطلق، أجل، يجب تعليقه لتمر الريح عبر الكتاب، وتختار مشاكلها الخاصة، يسعدني أن أقدم فكرة السعادة كما يسعدني أنني غير راضٍ عن المواد الجاهزة، فكتاب الهندسة يرمز إلى العقلانية والحقيقة العلمية التي أُزيلت من وظيفتها الطبيعية وتم تدنيسها، لكن سوزان صنعتْ لروحها صورةً صغيرة بسبب المواد الجاهزة الصالحة للتدمير وهذا كل ما تَبقَّى، لأن الريح دمرتها». فيأتي رد سوزان على ذلك عملياً وبحس فني متقدم من خلال عملها الفني المبتَكَر «مارسيل ديشامب ليس سعيداً» حيث صنعتْ من مِزَق الصفحات التي دمرتها الريح صورةً جديدةً فصورت الملابس الجاهزة وأرسلتها لمارسيل ليجيبها: «لقد أحببت حقًا صورة الملابس الجاهزة وهي تشعر بالملل على الشرفة، إذا كان الأمر كذلك تماماً فمزقيها إلى أشلاء يمكنك استبدالها». من خلال تلك الأشلاء التي تحولت إلى عمل فني أراد ديشامب تنبيه سوزان إلى أن أي فكرة يمكن استبدالها بفكرة أخرى مشابهة، تماماً كما استبدل رف الزجاجات الأصلي بآخرَ مشابه وأكثر من مرة، فأنتجت سوزان عملاً فنياً جديداً بطريقة الاستنساخ الميكانيكي المساعد لتصنع أخيراً شكلاً آخر رسمت نسخةً منه. كان اتباع تلك الخطوات يثير مزيداً من التساؤلات حول الأصالة والتكرار الذي تستكشفه أدوات أخيها الجاهزة فأنجزت صورتين تظهران أن سوزان ديشامب رسمتهما بتمثيل مقلوب، حيث كان ذلك القرار المُتَعمَّد سيقلب الصورة رأساً على عقب ويحرض على عدم التمسك بالصورة النمطية.
أبدى مارسيل أيضاً اهتماماً مستمراً بأعمال سوزان، وقدَّم لها مساعدته من خلال آرائه وتشجيعه، ففي مقابلته مع مارسيل لفتَ الكاتب والمؤرخ بيير كابان الانتباه إلى أجواء إبداعية مواتية في منزل طفولة ديشامب، بما في ذلك مهارات والدته الفنية، وسأله «هل كانت أختك سوزان أقرب شخص إليك؟» أجاب مارسيل: «نعم، كانت كذلك منذ أن رسمتْ الحياة كلها أو أقل من الحياة بقليل، ولكنْ إذا قارنتَها بي بالمثابرة والحماس فسأقول بأن سوزان أكثر مني حماساً».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية