لندن ـ «القدس العربي»: «سأكون واضحا للغاية، لقد طلب منا الرحيل بشكل مباشر وواضح. قال إنه يملك عرضا من باريس سان جيرمان وهم يتواصلون معه، هذا قراره الشخصي وأنا أشعر بخيبة أمل لأننا اعتنينا به كثيرا حتى أصبح سعيدا ومرتاحا ويصنع الفارق. حسنا قال إنه يملك العرض وإنه اتخذ القرار وانتهى الأمر»، بهذه الكلمات الواضحة، بادر المدير الفني لبرشلونة تشافي هيرنانديز، بإعلان صفقة انتقال جناحه الفرنسي السابق عثمان ديمبيلي إلى صفوف باريس سان جيرمان، مقابل تفعيل بند الشرط الجزائي الهزيل في عقده، والمقدر بنحو 50 مليون يورو، وسط دهشة واستغراب مشجعي البلو غرانا، والعكس بالنسبة لعشاق النادي الباريسي، رغم حالة الانقسام الواضحة بينهم على الصفقة، ما بين مؤيدين ومتفائلين بانفجار موهبة الوافد الجديد بعد فك نحسه في «كامب نو»، وفئة أخرى تضع علامات استفهام بالجملة على تاريخ ديمبيلي المروع مع الإصابات والانتكاسات طويلة الأجل.
تفاحة فاسدة
صحيح الغالبية العظمى من مشجعي البارسا، عبروا عن غضبهم مما وُصف على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي بـ«خيانة ديمبيلي»، وذلك ليس فقط حزنا على خسارته بهذا الثمن البخس، بل أيضا للطريقة التي تخلى بها النادي، متخذا قرار الرحيل بشكل مفاجئ وأحادي، بعد سنوات من صبر النادي عليه، أو كما قالها المدرب تشافي: «بعد سنوات من الاعتناء به» في لحظات ضعفه مع الإصابات المتكررة على مستوى الكاحل والركبة، لكن البعض من الجمهور الكتالوني يرفض البكاء على اللبن المسكوب، الى درجة أن منهم من يرى أن النادي هو الرابح الأكبر من هروب لاعبه الفرنسي، لعدة أسباب، منها على سبيل المثال، إخفاقه الشديد في تحقيق المطلوب منه منذ وصوله من «سيغنال أيدونا بارك» في صيف 2017، في صفقة أثارت جدلا على نطاق واسع وقتها، نظرا لضخامة المبلغ الذي وافق رئيس برشلونة السابق جوزيب ماريا بارتوميو دفعه لنظيره في بوروسيا دورتموند، أكثر من 110 ملايين يورو، لنقل عثمان إلى عملاق الليغا، وآنذاك بالغ رئيس البارسا في رهانه وتوقعاته على الوافد الجديد، قائلا جملته الخالدة: «ديمبيلي أفضل من اللاعب الذي جاء ليعوضه»، وكانت الإشارة إلى الساحر البرازيلي نيمار جونيور، بعد صفعة باريس سان جيرمان، التي ما زال يُسمع صداها حتى الآن، بيد أنه على أرض الواقع، سرعان ما أثبتت التجارب والسنين، أن بارتوميو ومجلسه المعاون جانبهم التوفيق في نظرتهم المستقبلية لمشروع طيب الذكر ارنستو فالفيردي، الذي تولى المهمة في نفس الصيف بعد الانفصال عن لويس إنريكي، وتجلى ذلك في الحملات المدريدية الساخرة من الصفقة، بداية من المشهد الكوميدي في بروتوكول تقديمه للمشجعين، حين فشل في محاكاة أطفال الأكاديمية في ترويض الكرة بالحركات الاستعراضية البدائية في الشوارع والحارات، مرورا بمشاكله وصراعاته الطويلة مع إصاباته السيئة، نهاية ببصمته الخجولة في فترات عودته، وذلك في الوقت الذي كان يستطيع فيه برشلونة الحصول على توقيع كيليان مبابي، بعد صعوده النيزيكي مع موناكو وقبل أن يخطفه باريس سان جيرمان بصيغة الإعارة مع أحقية الشراء بعقد دائم، لتجنب خرق قواعد اللعب المالي النظيف بعد تحرير نيمار من «كامب نو»، لكن بارتوميو وأصحاب القرار في النادي الكتالوني، فضلوا عثمان على مواطنه كيليان، بحجة أن طريقة الأخير لا تناسب فلسفة وأفكار «تيكي تاكا»، التي ظل النادي يبحث عنها إلى أن جاء تشافي هيرنانديز منتصف الموسم قبل الماضي.
بيئة مدمرة
لا يُخفى على أحد، أن ديمبيلي عانى كثيرا من صدقاته الفاسدة، تاركا نفسه في مرحلة المراهقة والتسكع مع الرفقاء في الشوارع وأندية «البلاي ستيشن» حتى مطلع الفجر، وذلك في الوقت الذي كان قد تحول فيه إلى لاعب محترف، يتقاضى عشرات الآلاف من اليوروهات شهريا من ناديه الألماني الأسبق بوروسيا دورتموند، وقد ظهرت هذه المخاوف بعد انكشاف سلوكه المثير للريبة، باتهامه بشكل صريح بتدمير منزل مدرب ليفربول يورغن كلوب، الذي كان يستأجره في دورتموند، قبل أن يصل إلى مستوى الوحش في سنواته الأولى مع برشلونة، بإدمان التأخر عن حضور التدريبات في الصباح، وذلك كما يعرف الصغير قبل الكبير في كتالونيا، لسهر اللاعب مع زملاء السوء حتى الصباح وعدم قدرته على الاستيقاظ في وقت التدريبات، إلى ما وصفه موقع «Goal» العالمي بـ«النظام الغذائي الكارثي»، الذي كان يتبعه الدولي الفرنسي في سنوات العزوبية الأولى في إسبانيا، حتى أن أحد المصادر قال بالنص: «وجدنا عدداً لا يحصى من الوجبات السريعة في منزله»، في المقابل كان يرفض تناول السمك والطعام الصحي الذي كان يعده طاهيه السابق، وهذا كان يفسر سبب انهياره بدنيا وعضليا بعد وصوله لأعلى مستوى من الالتزام والاحتراف داخل برشلونة، وباعترافه في تصريح سابق مع منصة «موندو ديبورتيفو» قال نصا: «الآن أرى أنه من الضروري العمل بجد داخل وخارج الملعب، جاءت الإصابات لأنني عندما كنت في العشرين من عمري لم أعمل بجد كما أفعل الآن، من الواضح أنه إذا لم تعمل، فلن تتمكن من الاستمتاع بكرة القدم، ولن تلعب كثيرا وستكون عرضة أكثر للإصابات. الآن أنا أقوى»، وكان هذا التصريح العنتري في مثل هذه الأيام العام الماضي، ومع ذلك، لو عُدنا الى إحصائياته وأرقامه الفردية الموسم الماضي، سنتفاجأ بأنه لم يكسر حاجز الـ2000 دقيقة لعب في حملة استعادة الليغا، تأثرا بانتكاسته في أوتار الركبة، التي تسببت في ابتعاده عن الملاعب لمدة 3 أشهر، وذلك في أفضل مواسمه مع الفريق وبعد استقراره عاطفيا بالعثور على شريكة العمر المغربية ريما أدبوش. وهذا لم نتحدث عن تأثيره الطفيف في الثلث الأخير من الملعب، مكتفيا بتسجيل 5 أهداف وصناعة 7 في 25 مباراة على مستوى الدوري الإسباني، من أصل 8 أهداف و9 تمريرات حاسمة في 2196 دقيقة لعب في مختلف المسابقات، ناهيك عن الحرج الكبير الذي سببه لبرشلونة بالنسخة الباهتة التي كان عليها مع منتخب فرنسا في مونديال قطر 2022، خاصة في المباراة النهائية أمام الأرجنتين، التي سحب فيها مبابي البساط من تحت أقدام الجميع، بمن فيهم الكبير ليونيل ميسي، بتوقيعه على ثلاثة أهداف (هاتريك)، في ما لم يكن هناك أي تأثير لعثمان طوال فترة وجوده داخل الميدان، قبل أن يضطر المدرب ديدييه ديشان لاستبداله قبل خمس دقائق من نهاية الوقت الأصلي.
شعرة معاوية
الشيء المؤكد، أن برشلونة بذل كل ما في وسعه لمساعدة ديمبيلي على النجاح سواء في زمن ليونيل ميسي أو بعد رحيله، وهذا الأمر كشفه وكيل الأعمال جونيور مينغويلا، صاحب الانفراد بمعلومة تفضيل عثمان على مبابي، رغم قدرة النادي على شراء الأخير مقابل 155 مليون بعملة القارة العجوز، لكن صاحب الشأن هو من رفض مساعدة نفسه، خاصة في سنوات انحرافه قبل الزواج، وفي نهاية المطاف، قرر رد الصاع صاعين لجوان لابورتا ومجلسه المعاون، بعد حصوله على معلومة تُفيد بأن النادي يخطط لاستغلاله في صفقة محتملة لشراء كيليان مبابي، ما اعتبرها معاملة غير لائقة من قبل الإدارة، ليعاقب البارسا باتفاقه وانتقاله إلى «حديقة الأمراء»، في أسوأ سيناريو كان ينتظره رئيس برشلونة، حيث انتهى به الأمر بخسارة ديمبيلي ومبابي معا، وذلك مقابل الحصول على 50 مليون يورو فقط، بموجب اتفاق النادي مع وكيل أعمال اللاعب، بوضع شرط جزائي في المتناول، مقابل موافقة اللاعب على البقاء وتجديد عقده بدلا من رحيله بدون مقابل بعد انتهاء عقده في يونيو / حزيران 2022، لكن الشيء الذي يركز عليه الإعلام المقرب من الكيان في الوقت الراهن، هو إظهار مكاسب مشروع تشافي من خروج اللاعب الزجاجي، بتحليل كل ما قدمه للنادي على مدار 6 سنوات، ومقارنته بالتكاليف الباهظة التي تكبدتها الخزينة لشراء عقده من أسود الفيستيفاليا، حتى أن بعض النقاد والمتابعين، لديهم قناعات بأن الفريق كان يؤدي دائما بشكل أفضل بدونه، وسيكون كذلك بعد رحيله عن الفريق وعودته إلى الليغ1، وهؤلاء يستشهدون بحصيلته وإنتاجه أمام المرمى المتواضع على مدار 6 سنوات، راسما لنفسه صورة الجناح المهاجم القادر على إهانة وبعثرة أي مدافع أو ظهير على هذا الكوكب، مع سرعة تحاكي العدائين الأولمبيين، وموهبة نادرة باللعب والمراوغة والتمرير والتسديد بنفس الجودة والدقة بكلتا القدمين، لكن يعيبه قلة تركيزه واستهتاره في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، على غرار فرصته التاريخية التي أهدرها بغرابة وهو على أمتار تعد على أصابع اليد الواحدة من مرمى الحارس أليسون في ذهاب نصف نهائي كأس دوري أبطال أوروبا 2019، تلك الفرصة التي حرمت البلو غرانا من قتل الريدز معنويا ونفسيا بالرصاصة الرابعة، وبالتبعية فتحت الباب على مصراعيه لمباراة ريمونتادا «الرابع سجله أوريغي»، وغيرها من اللحظات الكئيبة التي عاشها اللاعب في ما قال عنها في سبتمبر / أيلول الماضي: «السنوات الخمس الضائعة من عمره في برشلونة»، وبالطبع لن ينساها جمهور الفريق وستبقى عالقة في أذهان من ينظرون إلى رحيله على أنه «نعمة» وليس «نقمة».
خليفة مبابي
كما أشرنا أعلاه، لا خلاف أبدا على جودة وموهبة عثمان، كجناح أيمن مهاجم بالمواصفات المثالية التي يبحث عنها عباقرة وفلاسفة كرة القدم الحديثة، لكن مشكلته الوحيدة، أنه لا يُقدر موهبته ولا يُكلف نفسه عناء تطويرها، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سينجح مدرب النادي الباريس لويس إنريكي في نفض التراب عن جوهرته الجديدة الثمينة؟ من الناحية النظرية، يمكن القول إن كل الظروف والمؤشرات الحالية ترجح ذلك، مع تغير جلد وسياسة النادي، التي كانت ترتكز في السابق على استقطاب ألمع وأشهر نجوم العالم، بينما الآن تنصب على احتياجات الفريق ومستقبله في السنوات القادمة، ومع اقتراب الإدارة من التخلص من كيليان مبابي، ستكون بمثابة الدافع المثالي للوافد الجديد، لكسب ثقة ودعم المشجعين، لكن هذا سيتوقف على مدى نجاحه في تعويض مواطنه، في مهمته المشتركة مع الميغا ستار وعراّب المشروع نيمار جونيور، والشاب العشريني غونسالو راموس المنتظر وصوله في الساعات القليلة القادمة، استنادا إلى التقارير التي تؤكد أن النادي الباريسي توصل إلى اتفاق نهائي مع نظرائهم في بنفيكا، بموجبه سينتقل المهاجم الدولي البرتغالي إلى «حديقة الأمراء» مقابل رسوم تُقدر بنحو 80 مليون يورو، كأفضل استعداد قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، للاتفاق مع رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز على السعر النهائي لصفقة انتقال المتمرد كيليان مبابي إلى «سانتياغو بيرنابيو» قبل غلق سوق الانتقالات الصيفية في نهاية أغسطس / آب الجاري. وبوجه عام، لو سارت الأمور كما يخطط لها مدرب منتخب إسبانيا السابق، فلن تكون مفاجأة إذا ظهر ديمبيلي بنسخة كربونية من الصورة المحفورة في الأذهان عن سنوات ذروته مع بوروسيا دورتموند، لبراعة المدرب وسجله المضيء في تطوير مستوى أجنحته السابقة، كما ظهرت بصمته على مستوى نيمار جونيور، في أفضل موسم في مسيرته الاحترافية، موسم ريمونتادا سداسية برشلونة في باريس سان جيرمان، بجانب اهتمامه وتركيزه في أسلوبه وخططه على الأجنحة، بنفس مدرسة وعقلية يورغن كلوب في حقبة محمد صلاح وساديو ماني وروبرتو فيرمينو، فهل سيتعاون عثمان ديمبيلي مع مدربه المخضرم ويبدأ صفحة وحياة جديدة في «حديقة الأمراء»؟ منطقيا الأمر لا يبدو مستحيلا لقدرة المدرب على تطويع هذه الموهبة الجبارة لخدمة المنظومة الجماعية، أما إذا لم يتخلص من عاداته السيئة القديمة، أو بعبارة أخرى إذا لم يجد حلا لصداع الإصابات المتكررة وبالأخص التي تسببت في ابتعاده عن الملاعب لفترات طويلة، فلن تقوم له قائمة في معقل الأثرياء، أو بعبارة أكثر صراحة، لن يتحمله الجمهور الباريسي إذا اكتفى بنفس عدد دقائق متوسط لعبه مع البارسا، خاصة وأن المعروف عن هذا الجمهور هو الانقلاب السريع وعدم التردد في إحراج المقصرين، كتستونامي صيحات الاستهجان التي لم يسلم منها أي لاعب بمن فيهم ليونيل ميسي ومبابي وبدرجة أقل نيمار، فهل يا ترى تحدث المفاجأة ويتحول عثمان ديمبيلي إلى لاعب جديد بمواصفات وحش كاسر بعد انتقاله إلى باريس؟ أم سيعض أصابع الندم بالتفريط في فرصة نادرة لتعويض ما فاته في سنوات الضياع في برشلونة؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام.