استجواب الواقعيات في «العراف» للشيلي كلوديو برافو

حجم الخط
0

لئن كانت أعمال التشيلي كلاوديو برافو (Claudio Bravo) مثالا معبرا عن الواقعية الجديدة في بلده منذ بداياته مع الرسم في 1954، نظرا لتأثره تقنيا بالنهج الكارافاجي الفاضح الرائد في التنوير والتعتيم، وأدبيا بالثيمات والوقائع الحكائية الشعبية، فإنه استطاع الوصول إلى العالمية بفضل خصوصياته وتجاربه الواقعية الصورية المتحررة، والمعبرة عن مجريات زمنها. نجح في ذلك بتقديم أعمال حسية ملحوظة تخفي في طياتها – بلا شك – إشارات رومانسية تأثيرية هي بمثابة مرآة عاكسة لحقائق ودقائق وتطلعات وبساطة وهموم عصرها، على غرار هذا العمل المغربي الهوية المسمى «العراف» الذي يعود إلى عام 1981. وهو موضوع لوحتين رسمهما الإيطالي الكارافاج قبل ذلك بكثير (أواخر القرن السادس عشر) إحداهما محفوظة في اللوفر. يلخص المشهد عرافة بصدد قراءة كف أحد الأشخاص المهمين، في حين تستغل الأخيرة عدم انتباهه لتسلبه خاتما ثمينا في يده. يعتبر مضمون العمل الذي أنجزه التشيلي برافو، بتفاصيل عربية وبدقة متناهية في حد ذاته حادثة مهمة أثرت في المسار التشكيلي برمته، نظرا للمنحى الواقعي الساذج والساخر الذي اتخذته، إذ تحولت فيه شخصية العرافة من غجرية متحيلة في لوحتي كارافاج، إلى شخصية ذكورية شرقية غامضة أخفى الرسام ملامح وجهها وسط العناصر التشكيلية المعاصرة المنفتحة على محيطها وعلى العالم، بتدرج لافت، يمر من تدقيق العنصر الكبير (الشخصيات، الملابس، الأثاث) إلى تدقيق العنصر الصغير (الديكور الغلاف، تعبيرات الوجه والهيئة، ربطة الرأس، طي الملابس) ومن العنصر البعيد (بؤرة الضوء، الفتاة) إلى القريب (المقعد، الرجل الغامض، الجلابة) ومن الأسفل (عتمة) إلى الأعلى (لمعان) بترصيف تبايني لافت للمعطيات التشكيلية تجاوز الواقع البطولي المثالي المعتاد، ما جعل الفنان مصنفا بجدارة ضمن تيار الواقعية المفرطة الذي تميز به. يعبر مشهد «العراف» عن واقعة شعبية طريفة يرجح حدوثها للكارافاج نفسه. وبهذا بدا التشكيلي (المغربي) برافو، أحسن مكمل لمنجز الإسباني الطبيعي النهضوي العالمي دياغو فيلاسكاز (D.Velasquez) نظرا لعمق تأثير الشخصية الثقافية الاستعمارية الإسبانية آنذاك على أغلب البلدان اللاتينية في العالم الجديد من جهة، ولطبيعة التفاصيل المذهلة في أعماله، التي تذكّر دون شك بمبادئ النهضة الفنية الإسبانية والفلمنكية على حد السواء، من جهة أخرى. ساعدت التجربة المهمة التي خاضها الفنان لسنوات في شبه الجزيرة الإيبيرية في صعوده سلم الواقعية الجديدة التي قادها الناقد والمؤرخ الفرنسي إيف كلاين ( Yves Klein) ونشطها السويسري جان تنغيلي ( Jean Tinguely) في الولايات المتحدة الأمريكية، لتتبلور ممارساته ضمن حركة فنية تحمل رسائل عملية قوية للرد على سيطرة التعبيرية التجريدية (الليرية) خاصة مدرسة نيويورك، التي انبثقت في الخمسينيات مع الأمريكي العبثي المتمرد بولوك.
تأكدت العالمية في أعمال برافو كذلك من خلال عدة تقاطعات مهمة مع فنانين من الشرق والغرب، وبحضور عدد من الإشارات الكونية في تناولاته ولاهتمامه في الوقت ذاته بالفلكلور والمشهد السردي والوقائع الشعبية الحية.
يذكرنا هذا المعطى بالمغربيين المتشبعين بالمعارف الفنية الأكاديمية الإسبانية محمد المليحي وسعد بن سفاج، اللذين حملا تجارب جديدة لبلدهما، سواء من باب التنظير أو التأطير، أو في علاقة بالنشاط البحثي التشكيلي الفردي، لذا كان الاستقرار النهائي للفنان داخل مثلث مغربي ساحلي جبلي، أضلاعه طنجة مراكش وتارودانت بمثابة عامل دفع لتحقيق أوجه الفني البصري كشخصية تشكيلية استثنائية دجنت الهجين وحررت العنصر البصري السجين، وألفت الاختلاف الثقافي في عدة أنحاء، فأنجب هذا العطاء على إثر ذلك فنانا تشيلي المولد إسباني المنشأ مغربي النمط عالمي التقنيات.

تأكدت العالمية في أعمال برافو كذلك من خلال عدة تقاطعات مهمة مع فنانين من الشرق والغرب، وبحضور عدد من الإشارات الكونية في تناولاته ولاهتمامه في الوقت ذاته بالفلكلور والمشهد السردي والوقائع الشعبية الحية.

هذه الأبعاد والأدوات البصرية المختلفة اندفعت تستنطق الواقعيات الفنية، وتستجوب المدارس المتفاوتة التي جمعها الفنان في جرابه. وهي لحظات تأمل واعدة تسافر نحو منجز جديد متجاوب مع متطلبات الزمان والمكان، إذ يقول برافو بعدما اندمج في عمق المشهد والمحيط العربي سائرا بين واحات الأطلس الكبير: «كلما أمسك الفرشاة أرفرف مترين في الهواء، فيحضرني الإلهام بسرعة البرق».
تحملنا دقة تفاصيل عمل»العراف» المستمد من الواقع المغربي المعاش في الثمانينيات إلى البحث في الذاكرة البصرية، والغوص في أشكال الفلكلور الشعبي المغربي، دون خلفيات استشراقية مبيتة. إن رسم حادثة تاريخية متداولة قديما من طرف رسام لاتيني بتفاصيل عربية جعل اجتماع عديد الواقعيات في لوحة واحدة شأنا اعتياديا هينا، لاسيما وأن البعد الجمالي يتجاوز الحدود الواقعية النمطية ولا يرسو على المعطى التاريخي، فالتشكيلي برافو لا يعد مستشرقا في أي حال من الأحوال، بل فنانا مغربيا ما زال ضريحه إلى حد الآن في تارودانت منذ رحيله عن العالم في 2011. ولأنه نجح في تقديم مشهد تشكيلي موضوعي بمفارقات لونية وخطية مفرطة تجلب الاهتمام للأبعاد والزركشة والملابس والشخصية والبورتريه، ولكل تفاصيل منجزه المعتبر، لاسيما وأن خصائص الواقعية جاءت مندمجة مطيعة مطبعة ومسايرة لمختلف عناصر ثقافة وفلكلور الغرب العربي. لذلك تداخلت المعطيات وتشابكت الواقعيات، رغم الخصائص المتفاوتة.
من بين ذلك تحضر الواقعية الكلاسيكية الوفية عبر التخلي الكلي عن القيم النمطية والمثالية المعتادة في الأعمال الصورية النهضوية والقطع مع التجسيدات القوطية والتاريخية والابتعاد عن المشاهد والشخصيات البورجوازية (الإله، البلاط، البطل، الحورية) بتصوير أعمال وليدة عصرها تقدم مشاهد من الواقع اليومي الساذج والبسيط. يظهر ذلك في اللوحة من خلال الغياب الكلي للحلي والقطع الأكسسوارية وحضور العناصر الكسائية الشعبية مثل الجلابة والقميص ليتأكد تصوير الواقع المعيش، خاصة باعتماد الحجم الطبيعي للشخصيات والبراعة في المحاكاة ( mimesis). كما تندمج عناصر بصرية أخرى مع التوجه الفوتوغرافي، الذي يعد امتحانا دائما للفنان أمام قوة حضور الصورة الفوتوغرافية وتعدد تفاصيلها وإيحاءاتها، فبرز المجهود التشكيلي التفصيلي والتشريحي من خلال انعكاسات الكساء وحسن توضيب درجات الطي، وتأكيد التناظر الضبابي المموه، دون نسيان المنحى العجائبي من خلال تخفي العراف وطريقة جلسته المائلة في وضعية غير مريحة وهو أمر مستراب. كما أنه في إمكان المشاهد تحديد الشريحة العمرية لكل من الفتاة والعراف. وهو أمر يحملنا إلى أبعاد الواقعية السينمائية المتميزة بالخصوص بحركة وعلاقة الشخوص ببعضها وتبادل النظرات ومقياس حجم وحيوية الجسد ونضارته (الفتاة) وترتيب درجة الغموض في ترصيف الأشكال، خاصة أسفل اللوحة، والانعكاسات الهندسية الخفيفة على اليسار، التي تذكرنا بدقة بالتصاميم الأندلسية وهي تفاصيل تتجاوز المقاييس الكلاسيكية بكثير، كما يضعنا هذا المعطى أمام ازدواجية الزركشة على الغلاف الذي بدا بمثابة سجاد عربي تقليدي بديع، ما يؤكد تمسك الفنان بواقعه المغاربي الذي صار يشكل عنصر جذب واستحضار. ولعل الإمعان الجدي والطويل في نحت تفاصيل العمل أخذ منه الوقت الكثير، وجعله في سباق مع الزمن في تجسيد الدقة والواقعية الفوتوغرافية، حتى اكتسب العمل مواصفات جديدة مكنت صاحبها من تجاوز الواقع في حد ذاته. ذلك أن الواقعية المفرطة تتصل أساسا بإتقان البورتريه وإصلاح أخطاء الصورة الفوتوغرافية نفسها والعمل على إحداث مؤثرات الضوء، واستخدام تقنية الزجاج وقدرة قياس الأبعاد الثلاثية وإتقان التظليل ليتجاوز ما سبقه من الأعمال التاريخية والدينية والقوطية والواقعية والأكاديمية، وإدماج تقنية الضوء والظلام الرمبرندية كما يتضح في زوايا اللوحة وتجاوز المرحلة الكارافاجية (الكارافاج Le caravage) وتصوير الضوء داخل الصورة كما يظهر في الخلفية، ومحاولة تأثير الحركية ونقل العاطفة وإن بدرجات شعورية دقيقة، والتشريح والتفصيل، وإدخال خامات لونية رهيفة تطمس الخيط المرئي وتخترق أحاسيس المشاهد، ليشعر بالملمس ويتصل بالفضاءات البصرية دون لمسها، ناهيك عن المعطى الحكائي والعجائبي الذي تزخر به لوحاته، لاسيما منذ استقراره النهائي الأخير الذي امتد لأكثر من أربعين عاما في البلاد العربية.

‏كتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية