لبنان: كباش رئاسي داخلي يمتزج بمصالح خارجية عنوانها الثروة النفطية وأنابيب تصدير غاز شرق المتوسط

محمد نون
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تشخص أعين الساسة في لبنان كما أعين صناع القرار الإقليمي والدولي نحو زُرقة المياه الملامسة للشواطئ اللبنانية من الشمال وحتى الجنوب مرورا بالعاصمة بيروت ومرفئها المدمر بفعل الانفجار المهول الذي ضربه قبل ثلاث سنوات يوم الرابع من آب/أغسطس 2020 فقتل وجرح المئات، وسلب من المرفأ دوره الاقتصادي الحيوي الذي كان له منذ عشرات السنين.

وفي قاع المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية تختمر ثروات لبنان الدفينة من النفط والغاز ، وهي ثروات يتمحور حولها الرهان لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية العميقة، ومن المفترض أيضا أن تتشابك فيها خطوط أنابيب نفط وغاز البحر الأبيض المتوسط، مع أنابيب قادمة من المنطقة العربية النفطية الخليجية، لتواصل مسارها مجتمعة أو منفردة نحو أوروبا، الباحثة عن تأمين بدائل لانقطاع امدادات الغاز الروسي في ظل الحرب الروسية الدائرة في أوكرانيا.
لعل هذه الوقائع هي الأبرز من بين جملة وقائع أخرى هامة، تدفع الدول صاحبة المصلحة للاهتمام باستقرار مؤسسات الحكم في لبنان وعدم تحوله إلى «دولة فاشلة» تسودها الفوضى، لأن نتائج تلك الفوضى – إن حصلت – ستصيب بالضرر مصالح القوى الداخلية والخارجية على السواء.
لذلك فإنه ووسط حالة الاستعصاء التي تعصف بالبرلمان اللبناني في عدم التوصل إلى اتفاق داخلي على انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد تسعة أشهر على نهاية ولاية الرئيس ميشال عون، فإن أبرز آلية تحركٍ إقليمية دولية ناشطة بشأن انهاء حالة الفراغ الرئاسي، هي اللجنة الخماسية حول لبنان، وهي لجنة تتألف من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والسعودية وفرنسا وقطر. وتقابلها مجموعة دول لها أيضا مصالح مباشرة في لبنان عبر حلفائها وخاصة إيران وسوريا وحليفتهما روسيا.
بناء على ذلك، فإن «الكباش» الداخلي اللبناني حول هوية الرئيس المقبل أو مواصفاته وطبيعة علاقاته وارتباطاته، لا يقل أهمية عن التحركات الخارجية الهادفة إلى الدفع نحو إعادة تركيب رأس السلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية، وتالياً رئيس وأعضاء الحكومة، بما يتناسب ومصالحها.
وهنا لا بد من الإشارة أن السعي لفصل امتزاج مصالح الداخل بالخارج يكاد يكون مستحيلا، وذلك ربطا بالثروة النفطية ومجموعة الشركات العالمية الكبرى التي ستتولى عمليات التنقيب، وصولا إلى الاستخراج والتصدير.
ومعلوم أن الممر الرئيسي لولادة «الرئيس الجديد» هو مجلس النواب، وهذا المجلس فاقد القدرة على حسم الفوز لصالح أي من المرشحين المطروحين حاليا، نظرا لافتقاد القوى السياسية المتحالفة، القدرة على تأمين الأصوات اللازمة لفوز أحد المرشحين، أي نسبة ثلثي أعضاء المجلس في دورة أولى( 86 صوتا من أصل 128) أو النصف زائدا صوتا واحدا في الدورة الثانية (65 صوتا) مع ضرورة تأمين النصاب القانوني لانعقاد تلك الجلسة بحضور ثلثي الأعضاء أيضا.

اللجنة الخماسية

وفي ظل حالة الشلل تلك، حاولت اللجنة الخماسية بشأن لبنان ممارسة ضغوط على القوى السياسية الممثلة في البرلمان اللبناني، وأكدت خلال اجتماع عقدته في الدوحة الشهر الماضي على أهمية التزام أعضاء البرلمان اللبناني بمسؤولياتهم الدستورية والشروع في انتخاب رئيس للبلاد.
وكان لافتا حينها تأكيد البيان الصادر عن الاجتماع أن اللجنة الخماسية «ناقشت خيارات اتخاذ إجراءات ضد المعرقلين لإحراز تقدم في هذا المجال». وهذا يعني برأي كثيرين في لبنان، التوجه نحو فرض عقوبات معينة على من تراهم اللجنة معرقلين لاتمام الاستحقاق الرئاسي.
ويمكن اختصار رؤية الدول الخمس أعضاء اللجنة، للحل في لبنان بعد انتخاب الرئيس، بأنه يقوم على الخطوات التالية :
– تنفيذ إصلاحات اقتصادية ضرورية من أجل وفاء الدولة بمسؤولياتها تجاه مواطنيها.
– إنقاذ الاقتصاد وتأمين مستقبل أكثر ازدهارا للشعب اللبناني يعتمد على ما ستقوم به القيادة اللبنانية.
-حث القادة والأطراف اللبنانية على اتخاذ إجراءات فورية للتغلب على المأزق السياسي الحالي.
– تأكيد التزام البلدان الخمسة بسيادة لبنان واستقلاله، ومتابعتها بقلق لعدم انتخاب خلف للرئيس ميشال عون بعد تسعة أشهر من انتهاء ولايته .
– الحاجة الماسة إلى الإصلاح القضائي وتطبيق سيادة القانون، لا سيما فيما يتعلق بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
– أهمية تنفيذ الحكومة اللبنانية لقرارات مجلس الأمن الدولي والاتفاقيات والقرارات الدولية الأخرى ذات الصلة، بما في ذلك تلك الصادرة عن جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني (أي اتفاق الطائف) التي تضمن الحفاظ على الوحدة الوطنية والعدالة المدنية في لبنان. ولم تعلن اللجنة الخماسية عن إسم محدد للرئاسة نظرا لتأكيدها على احترام سيادة لبنان، لكنها وضعت مواصفات للرئيس العتيد تتمثل في أن «يجسد النزاهة ويوحد الأمة ويضع مصالح البلاد في المقام الأول ويعطي الأولوية لرفاه مواطنيه ويشكل ائتلافا واسعا وشاملا لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الأساسية، لاسيما تلك التي يوصي بها صندوق النقد الدولي».
واستنادا إلى تلك الرؤية جاء الإعلان عن «استعداد الدول الخمس للعمل مع لبنان لدعم تنفيذ هذه الإجراءات الإصلاحية التي لا مفر منها لتحقيق ازدهار البلاد واستقرارها وأمنها في المستقبل».

المهمة أوكلت إلى فرنسا

لكن السؤال الذي تبادر الى أذهان الكثيرين يتمحور حول كيفية تمكن اللجنة الخماسية بشأن لبنان، تحويل رؤيتها إلى برنامج عمل فعلي قابل للتطبيق بدل أن يكون مجرد بيان سياسي.
ويبدو أن المهمة أوكلت إلى فرنسا ممثلة بمبعوثها جان إيف لودريان، الذي سيعاود اتصالاته بالقادة اللبنانيين في شهر أيلول/سبتمبر المقبل، ليقف على قرارهم بشأن توصيات اللجنة.
وتراهن فرنسا على نجاح مساعي مبعوثها إلى لبنان، لأن ذلك سيعطيها امتيازا اقتصاديا من خلال مباشرة عمل شركة توتال في حقول النفط والغاز اللبنانية، وسيسجل لها كسباً معنويا في سياستها الخارجية، في الوقت الذي تخسر فيه كثيرا من مناطق نفوذها في أفريقيا وآخرها الانقلاب العسكري في النيجر.
ولذلك يحرص لودريان على البقاء متفائلا خلال جولته على القيادات اللبنانية، لكنه يستند في ذات الوقت إلى تلويح اللجنة الخماسية بالعقوبات ومن أبرز أوجهها العقوبات الاقتصادية والمالية كتلك التي أعلنت عنها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا، ضد حاكم المصرف المركزي السابق رياض سلامة وفريقه بمن فيهم شقيقه وابنه ومساعِدَتُه.
وجدير بالذكر أن رياض سلامة كان يحظى بدعم كبير من السلطة السياسية اللبنانية، كما كان يحظى بعلاقة ممتازة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبنوكها ومراكزها المالية، حتى أنه شارك ذات مرة في دق جرس افتتاح التداول في بورصة نيويورك بيده.
فهل يعني الأجراء الأمريكي ضد رياض سلامة أن العقوبات قد تشمل «أصدقاء سابقين» للإدارة الأمريكية، أمْ أنها ستقتصر على معارضيها المتحالفين مع إيران وسوريا؟
وماذا لو كان المعرقلون لانتخاب رئيس الجمهورية هم من حلفاء بعض أعضاء اللجنة الخماسية ذاتها؟
يمكن القول أن الوضع في لبنان سيبقى متأثرا بعاملين أساسيين:
الأول ويتمثل في ضرورة قيام حوار داخلي بين الأطراف السياسية للسير قدما في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يليها تكليف شخصية توافقية لرئاسة الحكومة، ثم يصار إلى تفعيل العمل في المؤسسات الدستورية.
أما العامل الثاني فهو يتمثل في إمكانية تسجيل أي تطور إيجابي في المنطقة لينعكس إيجابا على لبنان بما فيها مفاعيل عودة العلاقات السعودية-الإيرانية واستئناف عمل سفارتي البلدين، أو تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وطهران بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق لتبادل السجناء، وفك الحظر عن ستة مليارات دولار لإيران في كوريا الجنوبية، بما يمهد لحصول مزيد من الانفراج على الساحة الإقليمية بما فيها لبنان.
وإلى أن يتحقق ذلك فإنه يبدو أن الوضع في لبنان سيبقى في دائرة المراوحة وعدم الراحة، لكن دون انفلات الأمور من عقالها.
فإذا حصلت الفوضى سيكون الجميع متضررا منها، نظرا لأن لبنان يستضيف مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وقد يلجأ آلاف منهم إلى خيار «هجرة القوارب نحو أوروبا» في حال انعدام الأمن والاستقرار في لبنان وعدم بدء عملية عودة اللاجئين السوريين الى بلدهم.
كما أن لبنان كان توصل برعاية أمريكية إلى انجاز ترسيم الحدود البحرية اللبنانية-الإسرائيلية، ورغم التوترات عند الحدود البرية وخاصة في مزارع شبعا فإن الوضع الأمني لم يشهد انتكاسات خطيرة تهدد قدرة إسرائيل على استثمار حقول الغاز لديها.
ورغم ذلك كله فمن المرجح أن يبقى الوضع اللبناني يعيش حالة من التسخين السياسي والحوادث الأمنية المتنقلة كما حصل في مخيم عين الحلوة في شرق صيدا جنوب لبنان، أو اشتباك منطقة الكحالة إثر انقلاب شاحنة ذخيرة تابعة لحزب الله عندما كانت في طريقها من البقاع الى بيروت.
ومن المتوقع في ظل شلل معظم المؤسسات الحكومية أن يتواصل واقع التراجع في الاقتصاد رغم ظهور مؤشرات إيجابية ذاتية تمثلت في ازدهار الموسم السياحي هذا الصيف بفعل الاقبال الكبير من اللبنانيين على زيارة بلدهم وقضاء العطلة الصيفية فيه حاملين معهم مبالغ مالية كبيرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية