هلال شومان: التجريب مسار متواصل في رواياتي وتعلّمت من نجوى بركات حذف السطر المجّاني

زهرة مرعي
حجم الخط
0

في رواية «حزن في قلبي» شخصيات تبحث عن وطن متخيل أو موجود

بيروت ـ «القدس العربي»: «حزن في قلبي» الرواية الخامسة لهلال شومان في سلسلة كتاباته التي ظهرت باكورتها سنة 2008 مع «ما رواه النوم». عمل تجلّت فيه خصوبة الخيال الممتعة لدى الكاتب. وتشابكت فيه الهويات المختلفة، والتقت حول الاضطراب وانعدام الأمان النفسي. ففي الرواية شخصيات نتشوق لمعرفة المزيد عنها، ميزتها الاغتراب الجنسي والإنساني والبحث عن الجذور. لا يصل شومان بشخصياته إلى برّ الأمان فيتركها تائهة كحال الوطن المتحفّز للحروب الصغيرة والكبيرة.

في رواية «حزن في قلبي» يتّصفُ نصُ هلال شومان بوصف جنساني إيروتيكي لسلوكيات شخصياته وحياتها الحميمة، وتعبيراتها العاطفية. نص نتشوق لفك لغز الوحدة فيه، والتي تدور حولها الأحداث المتشابكة والتفاصيل المتلاحقة. هل تتمثل بالهوية الجنسية أم بالهوية الوطنية أم الإثنين معاً؟ اسئلة كثيرة تطرحها الرواية التي صيغت بتكثيف واضح.
هنا حوار مع هلال شومان المقيم في كندا:

○ روائي مهنتك المعلوماتية وتحديداً وسائل التواصل الحديثة. في عصرنا أين تقع الرواية كواحدة من أقدم فنون التواصل؟
• نعيش الآن السنة العاشرة لظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وهو تعريف خاضع للنقاش، حيث سجلت هذه الوسائل نشاطات أبعد ما تكون عن التواصل. باعتقادي أن قراءة مختلف الأنواع الأدبية باقية بغض النظر عن التكنولوجيا. فلطالما اتخذت الكتابة أشكالاً وهيئات وأنواعاً مختلفة على مرّ الأزمان، أو قدمت مقاربات مثّلت لاحقًا مدارس أدبية مختلفة. وأجد أنّ الرواية كنوع أدبي، سترافقنا طويلا ولا أظنها ستختفي، فالإنسان بحاجة دائمة لقراءة الكتابة التخييلية.
○ كشاب من هذا الجيل كيف تشعر حيال قراءة رواية على النت؟
• صعّبت إقامتي في كندا من حصولي على الكتب العربية الورقية نظراً لكلفة الشحن. هناك مشاكل لوجستية تحيط بتوزيع الكتب خارج المنطقة العربية، يضاف إليها التأثير السلبي لجائحة كورونا. مؤخراً، بدأتُ أتعود القراءة عبر تطبيقات الكتب، وهي الوسيلة الوحيدة لقراءة الإصدارات الجديدة. أظنّ أنّ عدم توفر الكتب العربية الورقية بدّل من أشكال القراءة.
○ يُروّج لقدرات خيالية للذكاء الاصطناعي فهل سيطيح بالروائيين؟
• عملت في مشاريع متعلقة بالذكاء الاصطناعي من خلال مهنتي كمختص في المعلوماتية. حتى الآن، «التعلُّم الآلي أو الذاتي» قائم على تلقيم البيانات، فما نعطيه إياه يعيده لنا محوّرًا. بالطبع له قدرة على الاختلاق تبعاً للأشكال التي يلاحظها ضمن البيانات التي يُلقّم بها. لكن لا أظنه سيكون بديلاً عن الكتابة الخيالية التقليدية. قد تساعد هذه التقنية في تنقيح بعض النصوص، أو كتابة «إيميل» استناداً لإرشادات يقدمها المستخدم، لكن هذه مهمات ليست فيها فنيات عالية، ولا تنتج خيالًا أصيلًا. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ قوة الذكاء الاصطناعي تختلف من لغة إلى أخرى. لغتنا العربية ليست من اللغات ذات الأولوية للشركات، فمقارنة باللغتين الإنكليزية أو الإسبانية، تصل لغتنا العربية متأخرة دومًا بضع سنوات.
○ جديدك «حزن في قلبي» كيف كتبت الخاتمة قبل أي سطر في الرواية؟
• لكل رواية أسلوبها، منها ما يبدأ بفكرة، ومنها بجملة أولى، ومنها بشكل معين. في «حزن في قلبي» حضر في ذهني المشهد الأخير، فدونتُ المقطع، وعدتُ لكتابة الرواية بشكل تتابعي وصولاً إلى المشهد حيث يجلس شخص ضرير قرب شخص مبصرعلى المقعد ذاته ويريان أشياء مختلفة. لكن كيف بلغتُ هذه النهاية؟ تلك عملية الكتابة.
○ لماذا تركت الشخص الذي يشكل محور الرواية ضريراً؟
• نوع من الرمزية، وتتبع لمن شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية، أو اضطروا للمشاركة فيها دفاعاً عن الذات والعائلة، أو عاشوا تحت وطأة التعامل مع يومياتها. رغبتُ برسم الشخصية التي تعيش الحرب وتعجزعن رؤية فظاعاتها. وبعد استعراض للشخصيات المتورطة بالحرب بشكل أو بآخر، وصلت إلى الشخصية التي عاشت الحرب دون أن ترى شيئًا منها.
○ في الرواية نحن حيال «يوسف وآزو» والمثلية غير المطمئنة في برلين والممتدة اضطراباً ومجوناً إلى بيروت. هل هي دوّامة حروبنا؟
• هو تعبير عن علاقاتنا بهوياتنا المختلفة. العلاقة بالذات والهوية تختلف باختلاف التعرضات. ففضلًا عن الوطأة المجتمعية، هناك وطأة شخصية أيضًا. ليوسف في الرواية حكايته الشخصية، ولآزو حكايته المعاكسة. لآزو وطن ليس موجوداً، وليوسف وطن عاش فيه طفلًا لأشهر لكنه لا يعرفه. هذه مفارقات تصنع الحوار بين الشخصيتين. علاقة يوسف مع ذاكرته واحدة من التفاصيل التي تشكّله. الفكرة إذًا ليست في المستوى الهوياتي فقط، بل في جعله جزءًا من سياق اجتماعي وسياسي وشخصي، وأنا أجد هذه المقاربة أكثر دقة من مقاربة البعد الهوياتي الواحد.
○ في هذه الرواية دخلت إلى «صُداع» الحرب الأهلية المستمرة فصولاً من ممر شاق في شرقنا هو المثلية. لماذا؟
• المثلية موضوع حاضر كما سواه من المواضيع في بيروت. يُحكى عنه الآن أكثر لدواع إعلامية وثقافية وسياسية. المثلية في الغرب مرت بسياقات طويلة أوصلتهم للنقاش الحالي. في زمن غير بعيد، قبل أربعين عامًا، عاش العالم «ستيغما» الأيدز، ووصم المثليون بالمرض. لكنَّ الموضوع حاليًا صار أكثر حضوراً مع تنامي النقاش العالمي حول الهويات ومعناها. المثلية تفصيل واحد ضمن تفاصيل كثيرة في خطاب الهويات، والأمر يختلف من بلد لآخر بين أمريكا وأوروبا. هذا النوع من النقاشات يحتاج لطرفين ندَّين. لكن كيف تفتح نقاشًا في بلاد عربية مجالاتها السياسية مغلقة بالقوة؟ تستسهل الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية تصدير الناس في واجهة الدفاع عن الأخلاق والدين، والإيحاء لهم بأنهم يمتلكون معركتهم، فتطلب منهم التصدي «للهجوم». هذا ليس سلوكًا حديث العهد، بل مورس عندما زكّت الأنظمة الصعود الديني داخليًا، ودعمت حركات الجهاد في الثمانينيات، ويتم طرح هذا السلوك كخيار بديل عن الانخراط السياسي. لكنّ التجارب السابقة تقول لنا إنّ مثل هذا الضخ الدائم في المنحى الأخلاقي والديني يصعب لاحقًا ضبطه في البلدان نفسها. والأهم، أنه يعرض عموم المثليين للخطر الجسدي والنفسي، ويكسر العائلات (على عكس ذريعة الخطاب الذي يقول أنه يسعى لحماية العائلة).
○ خطاب الرفض لا يقتصر على الإسلام والعرب بل يناهضه بعض الغرب. فماذا تقول عن فرضِه في المدارس؟
• صحيح أنَّ جماعات اليمين والمسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة وكندا ترفضه. هناك من ينظر إلى هذا الرفض كردة فعل على خطاب الهويات، لكن في الوقت عينه هناك صعود قومي وديني في العالم أجمع من أوروبا إلى أمريكا. هل الاعتراض لأنَّ الموضوع صار حاضرًا بنسبة أكبر في المدارس، أم لأن المثليين صاروا يظهرون أكثر في المساحات العامة ومنها المدارس؟ برأيي حتى ولو لم نكن إزاء خطاب هويات، فإن مجرّد ظهور المثليين جنسياً في المساحة العامة سيؤدي لردود أفعال مثل التي نراها.
○ ماذا تقول كروائي عن حروب ناعمة مقبلة نستشعرها لفرض عدم تحديد جنس المولود؟
• القائمون على هذه النظريات يفرقون بين الجنس والجندر، فيعرّفون الجندر بالأمر الوضعي ويربطونه بنظام اجتماعي يحتوى ديناميات قوى وسلطة. في مجتمعاتنا لا تفريق بين الجنس والجندر. تصلنا هذه الأفكار مع «تخبيص» وهلع. للتذكير، هناك قوانين سارية المفعول في دولنا تميِّز بين الجنسين، ولا يتم تعديلها رغم تطور المجتمعات، ويسلَّم الأمر برمته للمؤسسات الدينية. إذا ما افترضنا أن الدول العربية دول ذات سيادة تقرر قوانينها، فمن الغريب أن يصير موضوع الجنس والجندر موضوع الساعة، إلا إذا نظرنا إليه كاعتراف ضمني بانعدام سيادة هذه الدول وفشلها من لبنان وسوريا والعراق وغيرها. لنأخذ العراق مثالاً حيث تواجد الأمريكيون بقوة فيه منذ غزوهم له، ولنرى تصاعد الخطاب المعادي للمثليين فيه. مقتدى الصدر يتحدث في الموضوع أسبوعياً. شخصيًا، أشعر أنَّ هذا النقاش يغطي على مواضيع أخرى أكثر راهنية وارتباطًا بالحاجات المعيشية التي تزداد سوءًا في هذه المجتمعات. الأنجع هو أن تسلك المجتمعات مساراتها الطبيعية في النقاش العام من تنظيم سياسي ونقابي يؤدي للمداولة الطبيعية للسلطة ولتحديث العقود الاجتماعية. هذا ما ينتج الحوارات المجتمعية الحقيقية. لكن هذا ممنوع حاليًا، ما يجعل المجتمعات والدول إعادة إنتاج ضيقة لحكم الجماعات الطائفية والعائلية، وينحصر النقاش بما تسمح به الدولة وتضغط باتجاهه المؤسسات والجماعات الدينية.
○ اللبنانيون المنتشرون يتحدثون عن مدارس أطفالهم وبث نظرية عدم تحديد الجنس لدى الولادة. ما رأيك؟
• هو طرح أمريكي جداً، وغير موجود بالقدر نفسه في أوروبا. قد يكون نقاش الجندر موجوداً عندنا إنما ليس بمستوى النقاش والطروحات القائمة في الولايات المتحدة. العلوم الإنسانية دائمة التجدد، والسياسة وموازين القوى جزء أساسي في هذه التحولات. ثمة نظريات مثلًا كانت مغلوطة حتى في العلوم الطبية ومعادية للمرأة. لِمَ استُثمر بحثيًا واقتصاديًا وسياسيًا في توفير حبوب منع الحمل للنساء، ولم يستثمر في أبحاث تعقيم الرجال؟ هذا موضوع مثلًا له صلة بالرأسمال، والبطريركية ودور الذكورة في حكم المجتمعات. تتطلب هذه التغييرات وجود أطر للحوار المجتمعي، ولتعديل القوانين مع ضرورة حماية الحقوق المكتسبة الناتجة عن نضالات تاريخية أخذت وقتها. في بلادنا، علينا أن نحقق ما هو أكثر بدائية في مسائل الحقوق الإنسانية وتوقيف التمييز على أساس الجنس، قبل أن نتعامل مع ما يصلنا من وراء المحيط كـ»معركتنا». أما بالنسبة للمهاجرين العرب إلى الولايات المتحدة وكندا، فأجد افتراضهم بأن أبناءهم في البلدين سيتلقون المناهج المدرسية المعتمدة في البلدان العربية، نوعا من أزمة داخلية ساهم فيها خطاب الخصوصية الثقافية لحكومتي البلدين.
○ إلى أي من رواياتك الخمس أنت أكثر انتماءً؟
• «كان غداً» التي نُشرت سنة 2016 وحكت الانهيار قبل حدوثه. حقها مغبون ولم تُقرأ كثيراً، واجتهدتُ فيها تقنياً وفنياً. هي متوفرة ورقيًا عبر دار الساقي، وإلكترونيًا على تطبيق «أبجد».
○ وأية شخصية من بين شخصياتك سكنتك طويلاً؟
• أعتقد أنه يوسف في الرواية الأخيرة. حاولت رؤية لبنان بعيون غريبة نسبياً. كتبت الرواية وأنا خارج البلد، ومن هذا المدخل، أجد رابطًا بيني وبين هذه الشخصية.
○ كيف انحسرت رحلة التجريب وكم أسعفك النقد في شد العزيمة لتُعرّف عن ذاتك روائياً وكاتباً؟
• التجريب مسار متواصل في كافة كتبي. مع كل كتاب أسعى لاختبار جديد، في الشكل والموضوع واللغة والحوار. لم يُكتب نقد كثير عن رواياتي، لكن معظم ما كتب كان إيجابياً. في 2010 شاركت بمحترف كتابي مع نجوى بركات، ونتج عن هذه التجربة روايتي الثانية «نابوليتانا». تعاملت مع التجربة كنقد خاص فعملت مع بركات على تحرير الفصول وشكل الرواية. هذا النقد الخاص وجهاً لوجه ساعدني في فهم عملية الكتابة والخلق. وباعتقادي أني بدأت كتابة الرواية فعلًا بعد المحترف. قبله كنت تائهاً يبحث عن طريقه. تعلّمت مع نجوى بركات أن المناسب للمقالة مثلًا ليس مناسباً للرواية. وما يجوز في القصة القصيرة لا يجوز في الرواية. للرواية وحدتها، وما نكتبه ينتمي لهذه الوحدة، دون وجود لسطر مجّاني. علّمني المحترف شطب أي جملة جميلة لا صلة لها بالرواية. بعكس الكتابة الروائية العربية السردية التي تبدّي الكتابة الجميلة حتى ولو ليست لازمة للرواية.
○ بيروت حاضرة دائماً في رواياتك كيف تصل بين جذورها وشخصياتك؟
• رواياتي مدينية. ولدت وعشت ودرست في بيروت، بخلاف معظم كتّاب الرواية اللبنانيين الآتين من جبل لبنان والقرى. حضور المدينة ملحوظ في رواياتي، وخاصة بعد سنة 1991 حينها بدأت أعي مدينتي بالتدريج، بيروت في زمن السلم الأهلي.
· ○ هل ستترك الهندسة يوماً لصالح شخصيات وروايات تشغلك؟
• يضحك ملياً ويقول: لا نية عندي بالموت جائعاً. الكتابة بالعربية ليست مصدر عيش في أوطاننا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية