«وجوه بلون الرّماد» لوداد يونس: رحلة بين الخيام وبيروت وذكريات وحروب لا تنتهي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: توقظ المحامية وداد يونس في كتابها «وجوه بلون الرّماد» ذكريات بعضها جميل، وبعضها الآخر مُغلّف بغصة عمر خلُص إلى غير المرتجى. في بداية كتابها عرّفت ما قدّمته إلى القراء بأنه مجموعة ذكريات متناثرة. ومن بين نصوصها ما يقع في خانة السيرة الذاتية، وكذلك في خانة توصيف الواقع الاجتماعي والاقتصادي للعائلات. ولأن الكاتبة تنتمي لجيل تفتحت مداركه على حضور الاحتلال الصهيوني واعتداءاته على الجنوب، وعلى معاناة مزارعي التبغ وحضور البيك الباسط لسلطته، وجدت أفكار اليسار جذّابة بما تحمله من طموح للتغيير. وكذلك من أحلام بالعدالة الاجتماعية وغيرها.
ليس هباء أن تبدأ يونس نصوصها بـ»أمي» وما يحمله من دلالات، وأن تصله بيوم التحرير في 23 أيار/مايو 2000. والدتها الخيامية الهوى والهوية شدّت الرحال إلى موطنها مع طلوع الفجر، دون سؤال ودون انتظار جواب، وصلت وكانت حاضرة لاستقبال أحفادها في موطنها الأصلي للمرة الأولى.
في نصوص يونس المتناثرة محطات تفرض المقارنة بين الحاضر والماضي. يختص بعضها بالفتيات والقيود التقليدية، التي التفت حولهن وكادت تخنقهنّ، وحياتها كانت مثالاً. في مسارها منذ الطفولة وإلى الشباب بدأ قيدها ينفكُّ بانفراط عقد من هنا أو هناك وبقدرة قادر، ودون مواجهة عنيفة مع الواقع. أخاها كان سنداً ومحرّضاً من بعيد، وكذلك والدتها، التي تلقت الصدمة الأولى حين طلبت أن ترافق ابنتها مع أخيها للعب على البيدر. «بنتك ما بتطلع من البيت إلاّ ع المدرسة أو القبر. اختاري».
هو قرار الأب، الذي ما كان يطرب لإنجاب البنات. وقد حال لاحقاً دونها وزيارة منزل جديها القريب لتبشيرهما بنجاحها في الشهادة الابتدائية. الأب نفسه عاد لمرافقتها بعد أربع إلى بيروت، وتأمين سكنها في «فوييه» للالتحاق بدار المعلمين والمعلمات.
في نصوصها عن البدايات في بلدة الخيام الجنوبية، تتوقف وداد يونس عند محطات عدة تُذكّرها بمرتبتها الدُنيا كفتاة، انتظرها الأب فتاً قبل خروجها للحياة. حضرت الخيام بالكثير من الفخر والحب وشزرات من التأريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. منها انقطاع الماء كلياً عن البلدة بسبب استهداف أنابيبها من العدو الصهيوني، واللجوء للاستحمام في ظلال شجرة العليق على النهر صيفاً. وصول الكهرباء كان له حساب مختلف وتغيير ملموس ومتنوع. تراجع حضور قناديل الكاز، وغابت رائحته عن الملابس. وامتدت سهرات الشباب اليومية، ولم تعد إطلالة البدر لأربعة ايام في الشهر الفرصة الوحيدة. وتراجع نشاط لصوص الغلة من الحبوب التي كان يجود بها سهل الخيام. إنها الذكريات المكان الأول الثابتة.
انتماء وداد يونس إلى الحزب الشيوعي، والمهام التي تولتها حملت بعضاً من الطرائف، بدأت مع دار المعلمين والمعلمات حيث التزمت الإضراب مع زملائها. قرر المدير أن عودة الطلاب إلى صفوفهم مرهونة بحضور أولياء الأمور. طلب مستحيل؟ خرجت يونس إلى الشارع لإيجاد ولي أمر مدفوع الأجر. وافقها معلم دهان، فترك ورشته ورافقها. وفي حضرة المدير إستحلى الأب المأجور توسيع سلطاته، فكان نصيبها لطمتان على وجنتيها. وليس هباء ذكر بعض محطات «النضال» كحضور وجه نسائي من لجنة حقوق المرأة إلى النبطية بسيارة «دودج شالنجر» ومعطف فرو باريسي المصدر. والهدف لقاء عاملات زراعة التبغ في بلدة كفركلا. دعتهنّ وبحزم للإضراب عن العمل وصولاً إلى حقوقهن المشروعة! استغربن واستهزأن بها وقلن لها «اضراب قال اضراب… قومو ليْنا لنْفل». فالنسوة المجتمعات تعملن في حقولهن ومع أهلهنّ. فبوجه من ستعلنّ الإضراب؟
توقفت في «وجوه بلا لون» عند محطات كثيرة من الحرب الأهل والاجتياح الصهيوني، وذكريات الملجأ والجيران. وزواجها من الفنان الراحل زعل سلّوم. وحضر عملها كمحامية واختارت منه حقوق النساء في الإرث والطلاق والحضانة. تجربة حياة شيقة بدأت من الخيام ووصلت إلى بيروت، بدأتها كابنة رافقها والدها، وصارت فيما بعد أماً تنشد حماية ولديها من غدر الرصاص والقذائف وشظاياها. نصّها انسيابي متين وبسيط.
صدر الكتاب بـ224 صفحة عن دار «بيسان» في بيروت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية