يرى ريتشارد غابرييل مؤلف «محمد أول جنرال في الإسلام» (بترجمة مراجعة ومدققة من أحمد العبدة عن دار جسور للترجمة والنشر) أن النبي أحدث ثورة في الطريقة التي خاض بها العرب حروبهم سابقا، وأنه بدّل جيوشهم إلى أدوات حقيقية لعمليات قتال واسعة النطاق قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية وبذلك خلق الوسائل والظروف التاريخية التي حولت العشائر العربية المشرذمة إلى كيان وطني حقيقي واع بهويته الفريدة.
تقدّم الحقبة التي تبعت وفاة النبي محمد تصديقا باهرا لهذه الفكرة، فقد بدا الإرث الإسلامي مهددا ومحاصرا من القبائل المتمردة في شبه الجزيرة العربية، غير أن الخليفة الجديد تمكن، خلال قرابة ثمانية عشر شهرا، ليس فقط من إسقاط شبه الجزيرة العربية في أيدي الجيوش الإسلامية، لكن أيضا توجيهها بسرعة نحو الجبهة السورية.
يقدم الكتاب المسار العسكري لمحمد، من وجهة نظر المؤرخ العسكري الغربي، ويفسّر ويشرح بالتفصيل، كيف انتقلت دعوة دينية في مساحة شاسعة كانت تعبد الأصنام من استقطاب أشخاص قلائل مضطهدين في مكة، إلى مواجهة جيوش وأعداء أقوياء، وصولا لتغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في شبه الجزيرة وإنشاء امبراطورية عربية واسعة خلال 40 عاما. لم يقتصر غابرييل على التعمق في دراسة المسار العسكريّ الشائك، ومتابعة أحداث صغيرة تفصيلية، لكل ما يتعلق بذلك في السيرة النبوية، بل قدّم عمليا شروحات تاريخية يمكن أن تساهم في رؤية أفضل للتاريخ العربي ـ الإسلامي، مقترحا تفسيرات وحلولا تفاجئ القارئ وتجعله يقرأ الأحداث بعين طازجة مفتوحة.
صراع فارسي ـ بيزنطي على شبه الجزيرة
من الوقائع التي تلفت النظر في الكتاب، وتذكر بوقائع معاصرة، أن الفرس، قبل دعوة محمد، «رعوا اضطرابات» في اليمن، جنوب شبه الجزيرة، بهدف إقامة نظام موال لهم، وأن البيزنطيين استخدموا الحبشة، لإطلاق جيوش تواجه النفوذ الفارسي (واقعة الفيل في المدونات الإسلامية التي جرت عام ولادة محمد). يلفت النظر أيضا أن كلا الإمبراطوريتين كانتا تدينان بالمسيحية، لكن بمذهبين متعارضين، الكنيسة النسطورية في فارس، والأرثوذكسية في القسطنطينية. كان العرب اللخميون، حماة حدود فارس، يدينون أيضا بالنسطورية مثل الفرس، أما الغساسنة فكانوا على مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، وهو ما أدى لتعرضهم للاضطهاد الديني من قبل البيزنطيين (سجن قائدهم عام 581 باعتباره مهرطقا ما أدى لتمرد مفتوح).
مناضل ثوري فهم طبيعة البيئة
تزامن انفتاح الأفق التاريخي للدعوة الإسلامية المرتقبة مع انتشار فكرة الإله الواحد، وانتشار أنباء عن ظهور نبي جديد، غير أن ذلك لا يعني، كما يقول الكتاب، أن نجاح دعوة محمد كان مصادفة: «لقد كان مناضلا ثوريا لامعا فهم طبيعة البيئة التي حارب فيها واستخدمها لصالحه». إحدى النقاط التي ينتبه إليها الكتاب هي أن سقوط البلدان العربية التابعة للبيزنطيين، سوريا وفلسطين ومصر، آذنت بتغيّر تاريخي ـ جغرافي عالميّ: بعد انسحاب البيزنطيين من سوريا وفلسطين ومصر انقسم البحر المتوسط واصطبغت الجهتان بهويتين دينيتين وثقافيتين. وفي رأيي، أن تاريخ المنطقة اللاحق صار محاولات مستمرة للأم هذا الصدع الجغرافي ـ الثقافي الكبير: الفتح العربي للأندلس عام 711، وفتح صقلية عام 827، والحروب الصليبية التي بدأت عام 1096، وسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين، عام 1453، الذي قابله سقوط الأندلس عام 1492، وصولا إلى المرحلة التاريخية التي تلت الحرب العالمية الثانية ونعيش تفاصيلها حتى الآن.
يقول الكتاب إن الدعوة المحمدية كانت المرة الأولى التي صار فيها الدين مركز الدافع العسكري. كان محمد، أيضا، أول من أدخل للعرب مفهوم الحرب من أجل أهداف استراتيجية.

يلحظ الكاتب بنباهة التوازنات الدقيقة بين مجالي السياسي والعسكري، التي أنجحت الدعوة، يلفت النظر في هذا السياق الأدوار المعقدة التي جرت بين النبي وخصمه أبو سفيان بن حرب، بداية بدور بن حرب الكبير في هزيمة المسلمين في معركة أحد، مرورا بقراره عدم محاولة القضاء على النبي، الذي كان قد جرح. ازداد الالتباس مع غياب أبي سفيان عن مكة خلال صلح الحديبية مع محمد، وزواج النبي ابنة أبي سفيان، أم حبيبة، بعد الصلح. يستنتج الكاتب أن «اتفاقا سريا» حصل بين محمد وأبي سفيان قبيل فتح مكة، وأن هذا حسم الوضع لصالح المسلمين.
أولوية السياسي على العسكري
من الأمثلة التي يوردها غابرييل عن إعلاء النبي للشأن السياسي على العسكري، تعيينه أفضل المحاربين من أعدائه السابقين في مناصب قيادية بمجرد اعتناقهم الإسلام، وتحالفه مع قبائل وثنية، ودخوله مكة حاجا بعد الصلح، وهي خطوة أدخلت في روع المكيين أن دخول الإسلام لن يكون على حساب مكانة المدينة الديني، واقتصادها القائم على الحج والتجارة، وساهمت في دفع بعض قادتهم الكبار، مثل خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، للإسلام وهو «ما أقنع كثيرين أن الإسلام هو وجهة المستقبل». على المستوى العسكري يشير غابرييل، مثلا، إلى أن قيادة محمد لجيش من عشرين إلى ثلاثين ألف شخص مسافة 250 ميلا من المدينة إلى تبوك، عام 630، في ثمانية عشر إلى عشرين يوما عبر الصحراء في الفصل الأكثر سخونة كان عرضا مذهلا لقدراته والخبرات التي راكمتها جيوشه. يدلّل الكاتب أيضا على الإنجاز الديني ـ السياسي الكبير لمحمد عبر المقارنة بين معركة بدر (624 م) وفتح مكة (630 م). لم يكن لدى المسلمين، في الأولى، سوى سبعين جملا وفرسين لنقل 314 رجلا مسافة ثمانين ميلا، وفي الثانية كان لديه جيش من عشرة آلاف كل رجل مجهز بكامل الأسلحة والدروع والخوذات والتروس ويعتلي فرسا أو جملا. «لم يكن هذا إنجازا بسيطا لقائد لم يكن لديه سوى أربعة تابعين قبل عقد من الزمن». كانت الهجرة إلى يثرب لحظة كبرى فاصلة عسكريا، ففيها نزل القرآن بضرورة القتال، وفيها تم وضع قواعد الأمة الجديدة حيث الأسبقية للدين على العشيرة أو الأسرة. أنشأ ذلك «مجتمعا دينيا ثوريا» كانت الأيديولوجيا الدينية الثورية فيه تسمح بنطاق موسع من العنف العسكري والاجتماعي.
جهاز استخبارات وأمن عملياتي
بعد حملات عدة فاشلة أجرى محمد تغييرات عسكرية مهمة، فقد أدرك حاجته إلى «جهاز استخبارات» وكذلك إلى «أمن عملياتي» وإلى ضرورة الاتفاق مع قبائل البدو على منافع مشتركة. يفصل الكاتب موقف محمد من قبائل اليهود الثلاثة في المدينة، التي قام المسلمون بقتالها بالتدريج، عن موقفه العام من «أهل الكتاب» ويرى أن القتل الذي تعرضوا له كان لأسباب سياسية، وهو ما لم يحصل مع يهود خيبر خارج المدينة، الذين «اختار محمد التساكن معهم» كما يتطرق إلى عمليات الإعدام التي أجراها المسلمون في معركة بدر كونها «قتلا سياسيا لحرمان المكيين من قيادتهم وإضعافهم استراتيجيا» ويشير للجوء المسلمين لعمليات اغتيال لقادة خصومهم، وعن كراهية النبي للشعراء ما أدى لإعدام بعضهم.
توفي محمد في اليوم نفسه الذي جاء فيه المدينة مهاجرا بعد أن أكمل اثني عشر عاما منذ الهجرة، غير أن الوفاة لم تنه تأثيره في التاريخ. لقد أسس دينا جديدا «اجتاح الشرق الأوسط» وانتشر عبر القرون والقارات حتى أصبح من بين أعظم الديانات في العالم، وكل ذلك يرتبط، حسب المؤرخ العسكري، بإحداث محمد ثورة عسكرية لولاها لما صمد الإسلام في شبه جزيرة العرب.
كاتب من أسرة «القدس العربي»