تصوروا الوضع التالي: بعد بضعة أسابيع، ستحسم محكمة العدل العليا بأن القانون الذي يلغي علة المعقولية لاغٍ بسبب عدم دستوريته. هو قرار محتمل بالتأكيد، بسبب تطرف كاسح بالصيغة التي بادر إليها يريف لفين وسمحا روتمان. فهل ستعلن الحكومة أنها ستطيع أوامر المحكمة؟ إذا ما حاكمنا الأمور من الخط الحالي في الائتلاف، الخط الذي يمليه مكتب رئيس الوزراء، فثمة افتراض بأنها ستواصل إبقاءنا في توتر. هناك حاجة للشرح: قرار المحكمة، بحد ذاته، لن يتسبب فورياً بأي عمل للسلطة التنفيذية أن تتخذه أو تمتنع عنه. الاختبار الكبير يأتي في المستقبل، في حالة معينة تطرح أمام محكمة العدل العليا. فماذا سيفعل الائتلاف في حالة مستقبلية كهذه؟ وبالفعل، قال رئيس لجنة الدستور سمحا روتمان لـ “واي نت”، أمس، إن “سلوك المحكمة” ربما يؤدي إلى حرب أهلية.
سيأتي المستقبل سريعاً. مثلاً، الوزير دافيد (“يقدم أناساً من الجماعة”) إمسالم يدير حرب إبادة ضد مديرة سلطة الشركات الحكومية ميخال روزنبويم، ويعمل على تنحيتها منذ أسابيع. في حينه، نشرت في “ملحق السبت” بروتوكول الحديث الأخير الذي أجرياه، وجهاً لوجه. كلمات “وقحة”، “متلاعبة”، “منكرة للجميل” و”كذابة” هي جزء من جواهر الوزير الموثقة هناك. هذا هو الثواب على كون روزنبويم تشكل حامية حمى فاعلة ضد تأثير سياسي مفسد.
تعالوا نتقدم خطوة أخرى، ونفترض أن الحكومة تنجح – برعاية شماس الحكومة المسمى “مأمور ديوان الموظفين” في تنحية روزنبويم. تلتمس روزنبويم إلى محكمة العدل العليا بدعوى أن تنحيتها غير قانونية. ومعقول الافتراض أنها ستعرض سلسلة من الحجج الإدارية، وستدعي (أيضاً) انعدام معقولية متطرفة في قرار الحكومة. تبذل محكمة العدل العليا كل جهد مستطاع كي لا تحسم من خلال المعقولية. وإذا ما قررت ها، مع ذلك، فستفعله ضمن فرضية أن القانون ملغي من السجلات، غير موجود. لكن الحكومة كفيلة بالإعلان أنها لا تقبل القرار: فالكنيست قيدت علة المعقولية في تعديل القانون الأساس. وعليه، كما سيقول لفين وروتمان، صدر قرار العليا بانعدام صلاحية على أساس علة ليست موجودة. والمعنى، على حد نهج الحكومة، جرى تنحية روزنبويم.
في المرحلة التالية، تعين الحكومة مديراً جديداً لسلطة الشركات (صديق إمسالم؟ لم لا؟) وهذا يسعى لتسلم منصبه في مكتب المدير العام. لكن روزنبويم لا تزال جالسة هناك. وفقاً لقانون دولة إسرائيل، هي المديرة الحقيقية. المدير الجديد، ذاك الذي من الحكومة، سيتصل بضابط أمن السلطة ويطلب منه طرد “الغازية” من مكتبه. إذا ما استجاب ضابط الأمن، فستتصل روزنبويم بالشرطة. إذا رفض ضابط الأمن، فسيتصل مدير السلطة من جانب حكومة نتنياهو بالشرطة، وعندها سيضطر المفتش العام لاتخاذ القرار: هل يطيع الحكومة أم القانون والمحكمة؟ إذا لم يطع الحكومة يمكنها أن تحاول تنحيته واستبداله بمفتش عام آخر، وستكرر القصة نفسها.
هذا هو المسلك الخطير الذي يشقه الانقلاب النظامي: نتيجة مباشرة لإجراءين أساسيين أقرهما نتنياهو. الأول محاولة إجازة رزمة قوانين تغير النظام الديمقراطي، والثاني تحديد موقف يتحفظ من طاعة قرارات محكمة العدل العليا. نتنياهو هو رئيس الوزراء الأول في تاريخ الدولة الذي يرفض الإعلان على الملأ بأنه سيطيع أوامر المحكمة.
صراع القوى المحتمل مع محكمة العدل العليا يشغل بال الائتلاف ومؤيديه. يحاول مؤيدو “الإصلاح” على مدى أسابيع إرعاب المحكمة ألا تتجرأ حتى على النظر في الالتماسات ضد قانوني العجز والمعقولية. ويوجه الوزراء والنواب بألا يتعهدوا بطاعة الحكومة للمحكمة. الهدف هو ردع القضاة من الحكم حسب القانون، وطي حسمهم أيضاً بأنه غير شرعي حتى قبل اتخاذه.
لكن من خلف هذه التهديدات، المبطنة إلى هذا الحد أو ذاك، يفهم الائتلاف بأن أزمة دستورية ستضع تحدياً مستحيلاً أمام الحكومة. يقدر الائتلاف بأن “الشاباك” والموساد والجيش، في ظل أزمة كهذه، لن يعملوا بشكل يتعارض القانون؛ بل سيطيعون القانون كما يفسره المستشارون القانونيون المهنيون، وإذا كان قرار محكمة أو أمر صريح فسيطيعونه، ولن يطيعوا أي أمر يتعارض معه. أما الشرطة، العنصر المركزي في مثل هذه الأزمة الدستورية، فهذا معقد أكثر بكثير. من جهة الشرطة، هي جسم ضعيف ومتأثر سياسياً أكثر من غيره. من جهة أخرى، تعمل الشرطة في تداخل مباشر يومي مع جهاز القضاء. من الصعب أن نتصور مفتشاً عاماً يعرف أن رئيس “الشاباك” ورئيس الأركان يطيعان قرارات المحكمة في حين أنه يتلقى أوامر من المجرم السابق إيتمار بن غفير. هذا يقض مضاجع نتنياهو: إمكانية أن تشطب المحكمة العليا التشريع، بسبب المعركة الجماهيرية الكبيرة أيضاً، وبحجوم دولية، كفيلة بأن تتطور على الفور، وهذا لأن نتنياهو يخاف من أن تطيع مؤسسات الدولة المركزية – كل تلك التي ليست الحكومة حقاً – المحكمة. بكلمات أخرى، يخاف الخسارة.
في الأسابيع الأخيرة، يهاجم أعضاء الائتلاف الجيش و”الشاباك”، بحجة مختلفة في كل مرة. الهجمات آخذة في التصاعد، وبلغت ذروتها في الأيام الأخيرة مع التهجمات العدوانية على نحو خاص ضد رئيس الأركان هرتسي هليفي. ظاهراً، ترتبط الأسباب بأحداث الساعة: مكافحة الإرهاب اليهودي أو تصدي الجيش لعدم تطوع طياري الاحتياط. من غير المستبعد أن ما يزعج الوزراء والنواب، مثلما يزعج رئيس الوزراء نتنياهو، هو موضوع أعمق بكثير: الالتزام القاطع من جانب الأجهزة المهمة في المؤسسة الإسرائيلية لسلطة القانون.
نداف ايال
يديعوت أحرونوت 16/8/2023