فيلم «درب» للإيراني هادي محقق… حكاية الناس العادية وسينما الشعر

حجم الخط
0

قصة فيلم «درب» للمخرج الإيراني هادي محقق، هي ببساطة قصة عامل كهرباء، يأتي إلى منطقة إيرانية نائية ليصلح بعض الأعطال، ويتعاطف مع أحد سكان المنطقة وهو شخص معاق ولديه طفل مشلول، وليصلح العطل يضطر للذهاب هنا وهناك لجلب قطع غيار، هذه مختصر سريع للقصة والسر والإبداع كيف تجعلها فيلماً مؤثراً يفوز بجوائز دولية ويُعرض في أكثر من 60 قاعة سينمائية فرنسية، هو فيلم غير مدبلج وتم تصويره في منطقة نائية في إيران وحواراته مقتضبة وبسيطة، فما سر وصوله إلى العالمية؟
تمتلك السينما الإيرانية إرثاً فنياً وجمالياً، يمتد إلى أكثر من نصف قرن، وتجاوزت تجارب سينمائية عالمية عظيمة حول العالم، ولها جمهورها ليس فقط في المهرجانات وقاعاتها المحدودة، بل عبر مئات القاعات، خاصة الأوروبية فهي أفلام مشاهدة ومادة خصبة للنقد والدراسة والبحث، هذا الفيلم يكاد يُذكرنا بفيلم «السبورة السوداء» للمخرجة سميرة مخملباف، وحتى بفيلم «أين منزل صديقي؟» لعباس كياروستامي، لكن ميزة الأفلام الإيرانية أنها لا تقلد ولا تنسخ، بل لكل مخرج مساراته الخاصة، ما يولد رؤية جديدة ليكون الفيلم قصيدة شعرية تخاطب الروح وتكسر حاجز اللغة والجغرافيا.

حياة الطبيعة

الشخصيات في الفيلم ليس لها أي توصيف على الإطلاق، ولم نتعرف على مرجعياتها الاجتماعية، ولا حتى تفصح عن أحاسيسها وقلقها وخوفها، كأنها قذائف فارغة، نعجز عن أن نحددها أو نلمسها، الحبكة بسيطة رقيقة من الناحية الشكلية وقليلة جداً اللقطات القريبة للوجوه، وكأن الشخصيات تكتفي بالتحرك عبر مسرح اللقطات المتوسطة وهي أيضاً قليلة، أغلب اللقطات طويلة وبعيدة وتتموضع الكاميرا بعيدا، دون أن تزحف أو تتقدم أو تتحرك بطرق بانورامية، فكأنها في حالة ذهول وفرجة، وكأنها لا تريد أن تخلق تآثيرات ما، فتفضل أخذ وضعية الحياد، فهي أعيننا ورؤيتنا والوسيط الذي ينقل لنا ما يكون في هذا العالم البعيد جداً عنا، وربما البطولة المطلقة للطبيعة بصمتها وضجيجها وكل ألوانها.
يكاد يكون الفيلم صامتا، إلا أن نوتته الموسيقية مثيرة تدغدغ مسامعنا كخلفية مشهدية، بل تذهب أبعد من ذلك لتلامس أرواحنا، هذه النوتة هي الريح بهمساتها وضجيجها وشهقاتها وصمتها، هي الفاعل الذي يحرك الأغصان والشجر والعشب، وكذلك الماء والنار، وحتى الشخصيات القليلة، في هذا الفيلم يتجاوز المخرج التصوير والتوثيق، يتجاوز الحكاية، يقترب من الشعر ومن روح السينما وبدايتها الساحرة، بهذا الأسلوب بلقطات سينمائية عامة ومدد زمنية طويلة ليخلق تجريباً حداثياً، سينماتوغراف، كما يتيح للمتلقي أن يعيد التركيب ويخلق حكايته الخاصة، ذلك الصندوق الأزرق ربما هو مهم جداً لحياة هذا الطفل المشلول، وهو يعتمد على الكهرباء وكانت رحلة هذا الفني أو المهندس الكهربائي وكل تلك الصعاب التي يخوضها من أجل حياة هذا الإنسان، الحياة إذن يجب أن نقدسها ولا ندمرها بالصراعات والحروب.

حياة الناس العادية

درب تعني (الأرض الصلبة) حسب اللهجة المحلية في تلك المنطقة الإيرانية ويبدو أن المخرج هادي محقق استقى فكرة الفيلم من شخصية حقيقية أي عامل كهرباء كان يعمل في مناطق نائية جداً ومهملة، وكان يؤدي خدمات أكثر من واجبه، وتتوهج فلسفته بالدعوة للتعاون مهما نكن ضعفاء، ذلك الأب المعاق يتسلق الجبال للبحث عن عشبة طبية، ويكرس كل وقته لخدمة طفله المريض بغسله ومسح جسده بهذه الأعشاب ويوجد نوع من التكاتف ولو بالقليل الممكن، فالجميع هنا فقراء ومعزولون ولا تتوافر وسائل الرفاهية، وكأنهم يعطوننا درساً في الكرم والمحبة، حيث أننا نعيش في عصرٍ يزداد شراهة ومادية وقسوة.
يُذكّرنا الفيلم وبطريقة ذكية وغير مباشرة بأن ثمة عوالم إنسانية منسية ومهملة تعيش حياتها بلا ضجيج، وكأنها تعيش الطفولة الإنسانية الصافية وكأننا بعد مشاهدتنا لهذا النوع من السينما، نشعر بنوع من التطهير، عنوان الفيلم بالفرنسية (رائحة الريح) كأنه يعنون لهذه القصيدة السينمائية وقد يعجز عن فهمها البعض، لآن المخرج تخلى عن الموسيقى والحوارات والحكايات، وكل أساليب الخداع والمراوغة والجذب والإثارة، كانت مغامرة خطرة لكنها تمرين بصري وسمعي وروحي مدهش، ويريد المتلقي بعد الفيلم الرغبة بالمزيد من الهدوء والصمت قبل العودة لإيقاع الحياة الغربية وصخبها.

القصيد السينمائي

خيط القصة لو أحببنا أن تكون قصة فهو إعادة الكهرباء إلى ركن ضائع ومهجور ومنسي، وشخصيات هذا المكان يتأملون بصمت هذا الكون وهم، رجل معاق وطفل طريح الفراش ورجل أعمى وشخصيات قليلة هرمة، هذا المهندس الكهربائي كأنه ملاك أو قديس، فهو يوصل الأعمى إلى حبيبته، يلتقي بامرأة عجوز ثم تموت بعد ذلك، يهتم ويشتري الصندوق الأزرق من ماله لتستمر حياة الطفل المشلول، يعيده المخرج مجرد رجل بشري، إذ تتعطل سيارته في مجرى النهر أو الجدول الصغير، وذهب للبحث عن مساعدة ليصلحها له شخص قروي يأتي راكباً حماره. تسير الشخصية وقد تتعثر في مشيتها وتهتز حتى أننا نشفق عليها من دفعات وصفعات الريح.
ثمة قداسة لهذا الكهربائي، ولكن المخرج ينتزعها منه ويجرده منها في بعض المواقف ليكون واحداً من هذه المجموعة البشرية الضعيفة المنسية، فيلم بسينمائية شعرية حتى البطء والصمت، ولا دراما كلها عناصر تتحد مع بعضها لتجعلنا نرى القصيدة ونستلهم ما نشعر به من سرد.

كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية