اتفاق “حلف دفاع متبادل” يجري فيه البحث الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كجزء من التطبيع مع السعودية ومن الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل، يتضمن نواقص كثيرة جداً لا داعي لها. ربما يأتي على حساب الأفضلية الإسرائيلية العليا: منع اتفاق/توافقات سيئة بين الولايات المتحدة وإيران، تفضي بإيران بيقين إلى القنبلة في زمن قصير.
وزير الشؤون الاقتصادية رون ديرمر هو الآن في واشنطن لعقد لقاءات واتخاذ قرارات مهمة في البيت الأبيض. الجولة الحالية، مثلما أكد رئيس الوزراء في حديثه مع الرئيس بايدن، سيتركز على الدفع قدماً بـ “حلف دفاع محدود”. المحادثات على الحلف، التي طرحت مؤخراً في انتخابات 2019 تعود إلى العناوين الرئيسة بتصدر من الوزير ديرمر الذي لا يخفي تأييده منذ أكثر من عقد. المحادثات هذه المرة جدية لأنها ترتبط بالصفقة السعودية، بمشاركة إسرائيلية. وستتضمن الصفقة تطبيعاً بين إسرائيل والسعودية الذي له بحد ذاته أهمية هائلة.
المطالب الأساس للرياض: ضمانات أمنية أمريكية تقوم على أساس حلف دفاع، وصفقات سلاح متقدمة ومنطقة تجارة حرة. هذه مطالب قد تحصل عليها إسرائيل على افتراض أن تفوقها النوعي (Qualitative Military Edge) سيبقى محفوظاً.
المشكلة الأساس هي المطالبات السعودية بنووي “مدني”. فالسعوديون يطالبون بدائرة وقود نووية مستقلة وكاملة: التنقيب عن اليورانيوم، وجعله “عجينة صفراء”، وتحويله إلى غاز (UF6) وتخصيبه إلى المستوى اللازم لإنتاج قضبان وقود نووي لمفاعلات كهربائية. القدرات موجودة على أرض السعودية، المستعدة لإشراف ورقابة من الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنع الاستخدام العسكري مستقبلاً. المطالب خطيرة على إسرائيل وعلى المنطقة، لكن يبدو أن إسرائيل مستعدة مبدئياً لقبول المطالب، وطواقم من الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين يبحثون عن السبل “لتربيع الدائرة”.
الموضوع الفلسطيني لم يُنسَ، والولايات المتحدة تدفع به. أما السعوديون فسيرفقونه لاحقاً على ما يبدو، وسيتعين على إسرائيل أن تتنازل عن شيء ما كي تحقق التطبيع.
محظور التشوش، ويجب أن يكون سلم الأولويات الإسرائيلية واضحاً: منع اتفاق نووي سيئ لم يدحر إلى أفضلية متدنية في ضجيج الصفقة السعودية أو التطلع إلى حلف الدفاع.
تستند المطالبات السعودية إلى سوابق الاتفاق النووي السيئ الذي منح إيران تخصيباً مستقلاً وتطوير أجهزة طرد مركزي متطورة. وعلى نهج السعوديين، إذا كان الإيرانيون الذين خدعوا العالم قد تلقوا تخصيباً مستقلاً، فلماذا لا ينطبق هذا عليهم؟ وهذه الحجة ستستخدمها دول أخرى في المنطقة مثل مصر، والإمارات، وتركيا. ودون صلة بالقيود التي ستفرض على السعودية، فوجود التخصيب في السعودية وحده يعد مشكلة.
نواقص حلف الدفاع
المشكلة المركزية هي الطلب نفسه؛ لأن طرح الحاجة سينقل رسالة بأن إسرائيل لا تؤمن بقوتها وقدرتها في الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية. الصيغة النهائية لا تهم؛ إذ إن الحلف سيكسر الفهم التاريخي بأن إسرائيل لا تطلب أن يموت جنود أمريكيون من أجلها في إسرائيل. ستكون هناك حالات تستدعى فيها قوة أمريكية للعمل في الشرق الأوسط، على الأقل في حالات التهديد الوجودي، القابل للتفسيرات. ولتحقيق فضائل الحلف، سيكتب في النص: “الهجوم على أحد أعضاء الحلف يعد هجوماً على الحلفاء، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من معان”.
لكن المشكلة أعمق بكثير. فحسب المادة 5 في حلف الناتو، الذي تمنح فيه الولايات المتحدة مستوى ضمانة أمنية هي الأعلى لحلفائها، فإن الولايات المتحدة لن تحميها في حالة أنها فتحت هجوماً مانعاً؛ بمعنى أنها لن تحمي أي دولة مع مستوى حلف أدنى من ذلك، كإسرائيل والسعودية التي تهاجم إيران في هجوم مانع، كما هو متوقع. لمزيد من الدقة، لن تكون الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن إسرائيل. وعليه، يعد عرض الحلف وكأنه يحسن حرية العمل مغلوطاً تماماً.
للحلف إمكانية ضرر قاس للردع الإسرائيلي، وسيؤدي إلى انطباع إيراني بأن إسرائيل تنضم إلى الولايات المتحدة وتحتوي إيران نووية. وأنهم ما لم يجتازوا “خطاً أحمر”، وهمياً وغير مهم، فسيبقون محصنين وسيدخلون إلى مكانة دولة حافة نووية. سيعطي الحلف سبباً آخر ومغلوطاً لعدم مهاجمة إيران والبنى التحتية والمنشآت الخطيرة التي بناها “حزب الله” في لبنان، بما في ذلك لإنتاج سلاح دقيق، بدعم وتمويل من إيران. عملياً، الولايات المتحدة كفيلة بأن تدافع عن إسرائيل، لكن هذا منوط بهوية الرئيس وسلم الأولويات الأمريكي. حين ترغب، ستجد الولايات المتحدة الطريق للخروج من الحلف مثلما حصل في تايوان.
سيكون خطأ جسيماً ربط الاتفاق والتطبيع مع السعودية بحلف دفاع. سيكون غريباً أن تطلب إسرائيل من الولايات المتحدة حلفاً كي تتلقى ما تريده ويمكنها أن تتلقاه بدونه. فلماذا “تدفع” الولايات المتحدة بحلف كي تفعل إسرائيل ما هو خير لها؟ بالمقابل، الولايات المتحدة ملزمة بدعم إسرائيلي، أكثر من أي وقت مضى، كي تمرر الاتفاق الأمريكي – السعودي في الكونغرس، وقد تتلقى إسرائيل كل شيء بدون حلف.
كما أن الحلف سيضعضع الدعم في مواضيع مهمة بدعوى أنه يجعلها زائدة، أو يمكن تقليصها/إضعافها. وستفحص مذكرة التفاهم (MOU) الجديدة وحجمها الـ (QME)، الحجم والنوعية للمرابطة مسبقاً في إسرائيل لمنظومات أمريكية، الحاجة لتعاون واسع وحساس في البحث والتطوير وفي التكنولوجيا، وغيرها.
ستتقلص بالتأكيد حرية العمل حيال إيران وروسيا والصين، كون الحلف سيحرك الولايات المتحدة لممارسة الضغط على إسرائيل لمنع التصعيد والمواجهة اللذين يستوجبان تدخلاً أمريكياً. وحتى لو ضمن ألا تكون إسرائيل ملزمة بالتشاور أو بأخذ الأذون، فسيتعين على إسرائيل التشاور.
فضائل الحلف
تقوم الفضائل في معظمها على أساس التفسير، الذي يجعل النواقص فضائل: الاتفاق سينقل رسالة بأن الولايات المتحدة تقف من خلف إسرائيل، وأن المس بها يساوي المس بالولايات المتحدة، وعليه فإن الحلف كفيل بزيادة الردع وحرية العمل. سيرفع الحلف مستوى العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية لسنوات عديدة، وسيضم الكونغرس الذي سيقره بأغلبية 67 سناتوراً كجزء من الاتفاق. سيخلق الحلف دافعاً أمريكياً لمنع التصعيد، وعليه ستحصل إسرائيل على كل ما تطلبه لمنع مواجهة تلزم الولايات المتحدة بالتدخل.
يتضح من التحليل أن النواقص أكبر بكثير من الفضائل، وأن التوصية هي ألا يتم الدفع قدماً بالحلف في هذه المرحلة، بخاصة ليس كسلفة لقاء الدعم لإقرار الصفقة السعودية في الكونغرس.
إن الطريق الصحيحة للتقدم في الصفقة السعودية التي تؤدي إلى التطبيع، تلغي طلب لدائرة وقود مستقلة، وتلغي اتفاقات سيئة مع إيران، وتلغي الحاجة إلى الحلف، هي تفعيل آلية “سناب باك” وإعادة كل عقوبات مجلس الأمن التي رفعت في 2015 بما في ذلك الحظر المطلق على تخصيب اليورانيوم في إيران. مثل هذا الطلب حتى لو لم يتم بسبب الاعتراض الإيراني، سيسحب البساط من تحت مطالب التخصيب السعودية وسيسمح بصفقة سعودية – أمريكية – إسرائيلية، دون تهديد نووي من السعودية ودون حلف دفاع “خطير” وسيسمح بعمل إسرائيلي – أمريكي – سعودي منسق ضد النووي الإيراني.
يعقوب نيغل
إسرائيل اليوم 18/8/2023