القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم امتلاء الصحف الصادرة أمس الاثنين 6 إبريل/نيسان بالأخبار والموضوعات المثيرة والجاذبة لاهتمامات الغالبية، فإن اهتمامها الأكبر كان موجها لمحاولة العثور على إجابة سؤال، هل سترسل مصر قوات برية للقتال في اليمن، وتكرر تجربة خالد الذكر عام 1962.. أم ستكتفي بما تقوم به قواتها البحرية في حماية باب المندب والمشاركة في محاصرة الموانئ والسواحل اليمنية لمنع وصول أي إمدادات للحوثيين من الخارج؟
وازداد السؤال إلحاحا بعد الهجمات الإرهابية التي حدثت في سيناء من أربعة أيام، وأدت إلى استشهاد ستة عشر من جنودنا وإصابة آخرين، بما يعني أن معركة داخلية يخوضها الجيش لا زالت مستمرة، وهو ما أدى إلى موجة قلق شديدة، خففت منها مسارعة الجيش لعرض شريط مصور عن نجاح الطائرات والصاعقة في ملاحقة المهاجمين وقتل العشرات منهم، وتدمير سياراتهم فاستراحت نفوس كثيرة.
ونشرت الصحف بيانا آخر للجيش عن محاولات أخرى قامت بها مجموعات إرهابية في سيناء لمهاجمة قسم شرطة الشيخ زويد، ونقاط للجيش لم تؤد إلى خسائر. ومن الأخبار أيضا تعطل المرور فوق كوبري الخامس عشر من مايو في القاهرة، بسبب انفجار قنبلة بجوار كمين للشرطة واستشهاد أحد أفرادها وإصابة آخرين. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء هاني عبد اللطيف عن نجاح الأمن في معرفة الشقة التي يختبئ فيها قائد منظمة «أجناد مصر» همام عطية محمد أحمد، الذي بادر إلى إطلاق النار على القوات فردت عليه وقتلته.
واجتماع الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء ووزير البترول والكهرباء، واستئناف المهندس إبراهيم محلب اللقاء مع رؤساء الأحزاب وممثلي القوى السياسية، لبحث التعديلات التي سيتم إدخالها على قانون انتخابات مجلس النواب، ورغم اهتمام المثقفين والإعلاميين بالدعوى التي تقدم بها الأزهر للهيئة العامة للاستثمار، لوقف برنامج إسلام بحيري في قناة «القاهرة والناس» واستحواذه على عدد كبير من المقالات والتحقيقات فإنه لم يثر اهتمامات الغالبية.
مع أن زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب عمرو سليم اخبرني أمس في «المصري اليوم» أنه شاهد بعينيه الاثنتين من وراء زجاج النظارة وسمع بأذنيه شيخين أزهريين يقول احدهما للآخر:
– ما يغركش شكلي وأنا بسقف لما السيسي قال تجديد الخطاب الديني لو حد قالك تجديد الخطاب الديني قطعه.
وإلى بعض مما عندنا وغدا سنخصص معظم التقرير لليمن وما كتبته النساء، وتوابع معركة الأزهر وإسلام بحيري.
سوزان زكي: مدعو ثقافة
ينهالون بمعاولهم على تراثنا
وإلى معارك إخواننا في التيار الإسلامي التي بدأتها يوم الاثنين قبل الماضي زميلتنا الجميلة في «الجمهورية» سوزان زكي غير محجبة بقولها: «كيف يقبل شعب مصر الانصياع لآراء أنصاف المثقفين، الذين احتلوا شاشات الفضائيات، التي لا يعلم أحد مصادر المليارات التي تنفقها عليهم لتطويعهم لكي ينهالوا بمعاول الهدم على ثوابت الدين وأئمة المسلمين وعلمائهم، ابتداء من البخاري ومسلم مرورا بالأئمة الأربعة وانتهاء بالشيخ الشعراوي، ثم يطالبون اليوم بحذف سيرة صلاح الدين الأيوبي وسائر القادة في التاريخ الإسلامي من مناهج التعليم. إذا كان صلاح الدين الأيوبي البطل المسلم يثير حفيظة أعداء الإسلام ومدعي الثقافة ويسعون الآن لإلغائه من تاريخ مصر والعرب، فما هو موقفهم من قلعة صلاح الدين التي تقف شاهدة على تاريخ حقبة مهمة من حياة أجدادنا، وتعد من أهم المزارات السياحية التي يحرص على رؤيتها الأجانب قبل المصريين».
وما أثارته سوزان من حذف سيرة صلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع غير صحيح إنما حدث تخفيف للمادة .
عبد المنعم فؤاد: سكين
مسمومة تريد الغدر بتراثنا العظيم
ويوم الثلاثاء خاض الأستاذ في جامعة الأزهر خفيف الظل الدكتور عبد المنعم فؤاد واصل، هجماته في صحيفة «اليوم السابع» ضد ما يقوله إسلام بحيري في قناة «القاهرة والناس» قال مستعينا بأغنية عبد الحليم حافظ قارئة الفنجان في مقطع طريقك مسدود.. مسدود يا ولدي بأن حولها إلى فاشل.. فاشل يا ولدي: «لأول مرة نسمع على شاشة فضائية مصرية من يجرؤ ويصرح بأنه جاء إلى مصر المحروسة من جامعة ويلز البريطانية، ليحقق مشروعا مهما متمثلا في «هدم التراث الإسلامي». وقد صرح بذلك البحيري في إحدى حلقات برنامجه، جاعلا التشكيك في كل شيء أول وسائله للوصول لهدفه، فقال ما نصه: «لابد إذا أردنا هدم هذا الصنم (يقصد التراث) أن نقوم أولا بالتشكيك في كل شيء، ثم نقوم بعده بهدم هذا التراث، لأنني لا أستطيع أن أفعل ذلك الهدم بدون التشكيك في قوته التي هي كالجبل، إنه موروث من أربعة عشر قرنا، فلا أستطيع هدمه بسهولة، لذلك نبدأ بتشكيك العقول ثم نبيد هذا الجبل إبادة كاملة هذا مشروعي الذي أتيت به».
لما سمعت هذا المقطع بصوته أشفقت على رأس هذا المحارب اللاذكي فهو ينطح صخورا صلبة، لا نشفق عليها إنما نشفق على الرأس الناطح وقلت: «يا ناطح الجبل الأشم برأسه رفقا برأسك لا رفقا على الجبل» من أنت يا مسكين لكي تبيد تراث أمة هي خير أمة أخرجت للناس، بنص كتاب رب العالمين؟ من أنت أيها المراهق فكريا لكي تشكك أهل مصر الطيبين الذين أوصى ببلدهم سيد المرسلين؟
أقول لمبعوث ويلز هون على نفسك يا رجل وابحث لك عن عمل مفيد يكون لك ذخرا ويعطي لوطنك. لقد أرهقت نفسك وحملتها فوق طاقتها ومثلك كمثل الذي يحرث في الماء ومشروعك بين أبناء مصر فاشل.. فاشل يا ولدي، إن القوة التي يحملها تراثنا الإسلامي أقوى من القنابل الذرية التي سمعت عنها عند الآخرين.
وهل من اللائق أن يســـــمح إعلامنا بطرح فكر موتور كهذا لا هدف له سوى هز الأمان الفكــري لشبابنا؟ ألا فليتق الله في تراثنا وليرع المصالح العليا لديننا وبلادنا ولينزع المسؤولون السكين المسمومة التي تريد الغدر بتراثنا العظيم من أي معتد أثيم اللهم هل بلغت اللهم فاشهد».
عبد المنعم:
هل نأخذ فقه الدين والدنيا من البحيري
وهكذا فتح خفيف الظل الدكتور عبد المنعم الباب للهجوم على إسلام بحيري فقال عنه وعن غيره يوم الأربعاء زميلنا في «اللواء الإسلامي» رضا عكاشة: «الصغير الذي يصغر محدث الأمة الأكثر موثوقية مثل الإمام البخاري يريد أن يقدم المحدث الأكثر جهلا بالسنة وهو ابن عيسى والصغير الذي يسب علامة بارزة في تاريخ الإنسانية مثل شيخ الإسلام الفقيه ابن تيمية، يريد أن يكبر الصغير ابن البحيري، لنأخذ عنه فقه الدين والدنيا.
وعندما نحلل هذا الغثاء الذي يسيل من لعاب عمرو أديب عن الأزهر وشيخه الإمام وعلمائه العظام فكأنه يريد أن يقول اتركوا علم الأزهر وتعالوا إلى علم ابن أديب وفكاكته».
إسلام اعتمد أسلوب منتقديه
نفسه في الشتم والسب
وفي «التحرير» في يوم الأربعاء نفسه تعرض إسلام البحيري إلى مديح وانتقاد في الوقت ذاته من زميلنا حمدي عبد الرحيم إذ قال عنه: «كنت واحدا من مشاهدي برنامج إسلام، أعجبني حماسه وإخلاصه لما يعتقد أنه صحيح، وشجاعته في مواجهة تجار السلفية، وتمكنه من الرد عليهم بهدوء وعلم يقوم على أدلة عقلية لا يجحدها إلا من كان في قلبه مرض. ووضع إسلام قدميه على بداية طريق تنقية تراثنا التليد من فقه وحديث وتفسير، ثم بدأت تظهر عليه علامات تملك الحقيقة المطلقة الكاملة، حتى بدا كأنه وحده الذي له حق الاجتهاد وحرث أرض التراث. وتنبه التجار لخطورة أفكار ومنهج إسلام، فشنوا عليه حربا بلغت أحط الدرجات، خاضوا في عرضه وفي دينه، بل وحرضوا على قتله. أمام تلك الحرب كان على إسلام أن يتوقف ليلتقط أنفاسه ويعيد فحص منهجه وطريقة تقديمه، ولكنه اندفع يدافع عن نفسه لا عن منهجه واعتمد أسلوبهم نفسه، في الشتم والسب والسخرية الجارحة، التي تسيل منها الدماء، وبدلا من أن يدعو إلى تنقية التراث من الشوائب التي علقت به، راح يدعو وبكل عنف وبكل غيظ إلى تدميره، وكأنه لم يكن جهد علماء وثمرة تعب وكد. غادر إسلام باب الهدوء دخل باب المكايدة وتحول برنامجه إلى مشاجرة شارع، لقد استسلم لهم لأنه أعتمد رخص طريقهم وعنف منهجهم فكيف سينتصر؟».
قنوات توفر الحماية
لمن يطعن في التراث
والانتقادات التي ذكرها حمدي لإسلام صحيحة، أما المهندس عبد المنعم الشحات أحد نواب رئيس جمعية الدعوة السلفية، فقد تنبأ لإسلام بمصير آخر في مقال له يوم الجمعة في جريدة «الفتح» قال فيه: «في حديث حذيفة الطويل قال: «كان الناس يسألون رسول الله «صلى الله عليه وسلم « عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني .. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». وهؤلاء في زماننا كثير، منهم الصحافي إسلام بحيري، الذي تطاول على الدعاة فأعرضنا عن إجابته، ثم اتبع طريقه من بال في ماء زمزم ليشتهر بين الناس، ولو بالذم، فطعن في البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث والفقه والتفسير، كل هذا والقناة توفر له حماية، وقد خاطبناها أكثر من مرة بأننا نطلب حق الرد، ولكن ليس من خلال هذا البرنامج حتى لا يكون هو خصما وحكما، فيعدون ولا يفون، ويبدو أنه ظن أن الجميع يخاف من بحوثه التي لا يذكر لها مرجعا واحدا، فاستطال وطلب المناظرة على الهواء، وسب الأزهر، بل زاد أنه توعد المخالفين بأنه «عايش لهم 30 سنة كمان»، وهذه الكلمة وحدها لمن يدري كافية في أن تقنع انه ليس ممن يسمع له أو يرد عليه».
الأفكار الممنوعة
هي الأكثر رواجاً وتأثيراً
أما آخر من ساهم في هذه المعركة يوم السبت فكان زميلنا وصديقنا حمدي رزق وقوله في عموده اليومي في «المصري اليوم» (فصل الخطاب): « شيطنة إسلام بحيري لن تجدي نفعاً في معركة فكرية حانت مع جماعة النقل التي تزدري العقل، والاستعاذة من إسلام، أعوذ بالله من فعل القاعدين الخاملين عن المواجهات الفكرية، وإيقاف برنامج «مع إسلام» على «القاهرة والناس» بطلب من الأزهر لن يفض الناس من حول إسلام، سيتحلقون حباً أو كرهاً، أو من باب حب الاستطلاع.. ماذا يقول إسلام؟
إسلام باحث أخطأ حيث أصاب، وأصاب حيث أخطأ، إسلام خرج علينا فجأة بأفكار صادمة، لم يخرج علينا بكلاشينكوف، ظهر على الشاشة يخاطب عقول المشاهدين، لم يكمن في الدغل يسفك دماء العابرين، إخراج إسلام من الإسلام ليس من الإسلام، والتقول بأنه نصراني مدفوع من الشيطان، وافتكاس اسم مسيحي لإسلام.. من قبيل اللغو.
إسلام ما جاء ليصرع الأئمة الأربعة، جاء ليقف أمامهم لائذاً بالقرآن الكريم وسنة سيد الخلق أجمعين، لم يأت بمذهب جديد، مذهب الإمام إسلام بحيري، فقط هو يجتهد ويفكر، لا يهرف ولا يخرف، وإن ضل السبيل في طريقة التعبير، خانه اللفظ فسخر من الأئمة في مقام الاحترام، ما أهاج عليه العامة قبل المشايخ، واصطاده منها السلفيون، يكبّرون ويهللون ويباركون إيقاف برنامج «مع إسلام». ما طلع به إسلام بحيري على الناس ليس بجديد، طلع به كثير قبلا، واستنكفه كثير، هذا ليس زمن التجديد، زمن الوعد والوعيد، ولكنها فرصة سنحت أمام علماء الأزهر الشريف لمناقشة فكرية مع إسلام وغير إسلام من القائلين بغير الثابت، والمختلفين مع ما هو كائن، والمحبذين لإعمال العقل في ظلال مدرسة النقل المسيطرة على العقل الجمعي على نحو أغلق أبواب الاجتهاد بالمزلاج. الأزهر الشريف لن يكسب معركة إسلام بحيري عن طريق هيئة الاستثمار، يكسبها عن طريق هيئة الأفكار، لِمَ لا يقف مجمع البحوث الإسلامية فكرياً من طروحات إسلام وغير إسلام، ناقداً لها، عاملاً عليها، على المشتبهات، وتحصين الثوابت، وتصويب الأخطاء، في مواجهة فكرية تنتهي بمناظرة بين العلماء الأجلاء مع فريق إسلام، مواجهة تجلي الصحيح والثابت، وتنحي المغلوط والفاسد، مواجهة لا غالب ولا مغلوب، الرابح فيها الأزهر الشريف الذي ينطلق من قاعدة «وجادلهم بالتي هي أحسن»؟
الرد على إسلام لا يكون بإغلاق الباب في وجهه، حتما سيداهمكم من الشباك، إيقاف البرنامج ليس حلا، والأفكار الممنوعة هي الأكثر رواجاً وتأثيراً، يكفي أنها ممنوعة لتروج، أخطر من إسلام إيقاف برنامجه «مع إسلام»، وتحويل إسلام إلى ضحية الظلامية، واستدعاء تراث محاكم التفتيش، واتهام علماء الأزهر الشريف الوسطي بالداعشية، كلها مترادفات لمعركة خاسرة خصماً من رصيد الأزهر الشريف.. ربحها السلفيون.»
الخوف من المجهول المقبل على مصر
هل قررت مصر المشاركة بقوات برية في اليمن؟ هذا هو عنوان مقال الكاتب ورئيس تحرير «المصريون» جمال سلطان ومما جاء فيه: «حتى الآن لا تبدو الصورة واضحة ولا القرار حاسما، في ما يتعلق بتدخل مصر في حرب الحوثيين في اليمن، وقد لاحظت اليومين الماضيين أن عددا من الإعلاميين المقربين من دوائر صنع القرار في القاهرة أكدوا بصورة حاسمة أن مصر اتخذت قرارها بإرسال قوات برية إلى اليمن، لدعم «عاصفة الحزم» وحماية باب المندب، قصة باب المندب ربما فهمت على أنها «ذريعة» لتبرير إرسال القوات البرية، إذ أن موضوع باب المندب بعيد عن المنطق نسبيا، لأن حماية هذا المضيق الدولي الحساس هو مسؤولية دولية، سواء تدخلت مصر أم لم تتدخل، فلا أحد يسمح لأي قوة أو حتى دولة بأن توقف الملاحة فيه، أو تهدد السفن العابرة، ورغم هذه «التسريبات» الإعلامية التي بدت كأنها مقصودة ومقننة وموجهة ربما كبالونات اختبار، لا يوجد أي تصريح رسمي مصري يجلي الأمور ويحدد وجهة القرار المصري الرسمي بشكل واضح، رغم خطورة الوضع، والتصريحات التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد اجتماعه بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة موهمة وفضفاضة، ولذلك كثر الشارحون لها، حيث رفض أن يقارن أحد بين الوضع في اليمن في الستينيات أيام عبد الناصر والوضع الحالي، وهي إشارة إلى دفاعه عن المشاركة وإرسال الجنود، غير أن هذا كلام نظري ومجرد أفكار وخواطر لا ترقى لأن تكون قرارا صريحا بالمشاركة…. الأزمة التي فرضتها «عاصفة الحزم» على القيادة المصرية عنيفة بالفعل وضاغطة ومحرجة، لأنها ـ كما سبقت الإشارة ـ وضعت السيسي أمام مفارق طرق وعليه أن يختار، فقد انتهى زمن الكلام والوعود والأحضان وقبلات المجاملة، واختياره سيجعله يدفع الثمن غاليا في كل الأحوال، ولذلك كان التردد والقلق مفهوما، لكن الملاحظة الأهم الآن أنه يبدو أن هناك تباينا في وجهات النظر داخل المؤسسات السيادية المصرية تجاه الأمر، وأن هناك توجها أكثر وضوحا داخل بعض المؤسسات ضد التدخل في المعركة، خاصة التدخل البري، ومن يقرأ تصريحات اللواء سامح سيف اليزل، وهو الأكثر قربا من جهاز سيادي معروف يدرك ذلك بسهولة، وقد رفض سيف اليزل بشكل واضح ومتوتر فكرة المشاركة في الحرب، واعتبر أنها ستكون خطأ استراتيجيا كبيرا، وأن دروس التاريخ لا بد أن نتعلم منها… ويبدو واضحا أن مصر انتقلت من مرحلة المهرجانات والاحتفالات والأغاني والاسترخاء السياسي، التي أعقبت الإطاحة بالإخوان ومرسي، إلى مرحلة اتخاذ القرارات المؤلمة والمصيرية، والاستعداد لتحمل كافة نتائجها وأعبائها، وهذا ما جعل الجميع، أنصار السيسي وخصومه، يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا من المجهول المقبل على مصر» .
اصطياد العسكرية المصرية
في اليمن قبل سيناء
وعن الموضوع نفسه نقرأ للكاتب عبد الله السناوي مقالا في جريدة «الشروق» عدد أمس الاثنين ومما جاء فيه: «رغم أن الظروف تختلف بصورة جذرية إلا أنه لا يمكن إلغاء خبرة التاريخ أو التقليل من مخاطر التورط العسكري. رهانات الستينيات اتسقت مع عصرها وخياراته في دعم حركات التحرير والدفاع عن الأمن القومي المصري عند مضيق باب المندب. غير أن ما هو متسق اصطدم بصراع ضار على النفوذ والقوة في المنطقة، وحيث كان التقدم تبدت الثغرات… القضية الآن اختلفت، فلا حركات تحرير ولا نزوع إلى تغيير جدي ينقل اليمن من القبيلة إلى الدولة. أفضل ما يقال في طلب إنقاذ اليمن منع انزلاقه في حروب أهلية تستهلكه بالكامل، وهذا كلام في السياسة قبل السلاح. درس الماضي يصلح لإلهام الحاضر.
في مثل هذا النوع من الحروب يصعب الرهان على أنها سوف تكون محدودة، فإذا لم تهاجم وتتوسع فإن من تقاتلهم سوف يهاجمونك حيث تتمركز. نعم الأهداف كانت نبيلة حقا في انتشال بلد عربي عريق من ظلمات العصور الوسطى، حتى أن أبسط الأدوات الحديثة مثل المكواة لم تكن يسمع بها وأبسط الحقوق الإنسانية لم يكن يعترف بها غير أن ما هو نبيل بدا لأطراف أخرى فرصة لاصطياد العسكرية المصرية في اليمن قبل اصطيادها في سيناء. إذا لم نتحسب لكل خطوة وندقق في التداعيات فكأننا شعب يهدر خبرته في التاريخ بكل وعودها وإحباطاتها…. ثمة رهان على دور عسكري مصري جديد في اليمن يقود عمليا قوات أخرى حليفة. بمعلومات شبه مؤكدة فإن مصر لم تكن لها مشاركة تذكر تخطيطا أو تنفيذا في عمليات القصف الجوي لمواقع وتمركزات الحوثيين وأنصار «صالح»، وقد أخطرت بتلك العمليات قبل وقت وجيز للغاية من انطلاق طائراتها قبل قمة «شرم الشيخ» العربية.
في التوقيت نفسه أدارت الولايات المتحدة عمليات القصف الجوي بإسناد لوجستي واستخباراتي وأدوار أخرى ربما تكون أكثر محورية. اللافت في حديث الرئيس «السيسي» أنه لم يفصح أو يشر مرة واحدة إلى إرسال قوات برية أو التوجه إلى تدخل عسكري في اليمن رغم الوضوح الكامل لما وراء الكلمات. في عدم الإشارة المباشرة شيء من عدم الارتياح للتبعات والتداعيات المحتملة، وشيء آخر من التحسب لقلق الرأي العام الذي يصل إلى مسامعه… قبل أي خطوة بالســلاح فإن الأولوية للسياسة.
المخطط الغربي يقتلعنا من الجذور
وننتقل إلى «المصري اليوم» لنقرأ مقال الكاتب أنور الهواري وتساؤله عمن يقصف المدائن العربية؟ يقول: « لماذا تخريبُ بغداد وتكريت والموصل، لماذا تخريبُ دمشق وحلب وحماة وأدلب، لماذا تخريبُ صنعاء وعدن وصعدة وتعز وشبوة، لماذا تخريبُ طرابلس وبنغازي وأجدابيا، لماذا تخربون مدائن العرب، لماذا لا تكتفون بإسقاط الأنظمة وإقامة أنظمة جديدة، لماذا تجردون المواطن العربي من داره، ومن أطفاله، ومن جاره، ومن حقله، ومن مدرسته، ومن جذوره…؟
تخريبُ العواصم العربية هو المقدمةُ اللازمة لإسقاط الدول العربية. تدميرُ المدن العربية هو الشرط الأول لانتكاسة الوجود العربي حتى يرتد إلى عصور ما قبل الخيام. تجريدُ المواطن العربي من عاصمته، ومن منزله، هو أقصرُ الطرق لتجريده من دولته، ومن ثم فهو أقصرُ الطرق لتدمير وجوده من أساسه، بل لاقتلاعه وخلعه من زمانه، فقد أفقدته الغفلة معنى أمسه، وأفقدته الصدمة معنى يومه، وأفقدته الهزيمةُ معنى غده.
لم يكُن مصادفةً أن يبدأ المُخطط من دار السلام، من عاصمة الرشيد، من ذروة المجد العربي، من فخر العواصم الإسلامية، من عاصمة الأدب والفلسفة والشعر والعقل والفقه والحكمة، من بغداد. حين قصفها أعداءُ الإنسانية- تحت جنح الظلام- تتنزلُ القنابلُ فوق رؤوس النخيل العاليات، تدك ما بقي للعرب من أطلال المجد ومن حطام الكبرياء. لستُ أنسى، ولن أنسى، حذاء وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد وهو يدوس ويجوس فى قصور بغداد، في مثل هذه الأيام من عام 2003، ولم يكُن عندي أدنى شك، أن ما لحق ببغداد هو نذيرٌ- لمن يفقه الآيات والنذر- لما سوف يلحق باقي عواصم العرب من خراب يأتي على كل شيء. وحين زحف الحوثيون على أسوار صنعاء- في سبتمبر/أيلول 2014- لم يكن عندي شك في أن تاج العواصم العربية في طريقها إلى المصير المحتوم. المخطط يعمل بدقة وذكاء: إنه يقتلعنا من الجذور، لا تعنيه – في قليل أو كثير- هذه العواصم الطارئة والمستحدثة والمستوردة التي شيدتها فوائضُ النفط فوق سطوح الرمال. يكفى المخطط: اقتلاعُ «عواصم الجذور»، وساعتها، سوف تسقط من تلقاء نفسها كُلُّ «عواصم القشور».
ربما لهذا السبب قاتلتُ هنا- وسوف أقاتل- تلك الفكرة الساذجة الغبية: التي ذهبت- في هذا التوقيت- تبحث لمصر- قلب العروبة والإسلام- عن عاصمة قشورية ورقية طارئة مستحدثة فوق سطوح الرمال. هذا هو وقتُ القاهرة أيها الأغبياء، هذا هو وقتُ الاحتماء بها رمزاً للوجود العربي الإسلامي بأكمله، هذا هو وقتُ التحصن بها قلعةً أخيرة تحمي الوجود العربي من الإفناء الكامل، وتحمي العمران العربي من الزوال الأبدي. وهذا هو دأبُ القاهرة في كل العصور: هي مأوى العروبة ومآل الإسلام عندما سقطت بغداد وزال مُلكُ بني العباس. وهي موئلُ العروبة والإسلام عندما سقطت إستانبول وزالت إمبراطورية بني عثمان. وهي- بكل ضعفها الراهن- الحصنُ الأخير للدفاع عن الوجودين العربي والإسلامي في هذا المفصل التاريخي الحاد والعاصف والحاسم والأعنف من بين ما عرفنا من مفاصل التاريخ…
آخرُ الكلام: لن يكون لنا وجود من دون أن تكون لنا دولة، ولن تكون لنا دولة من دون أن تكون لنا مدينة. أوقفوا قصف المدن العربية، الله يهديكم».
اليمن أرض الخوف
وفي العدد نفسه من «المصري اليوم» نقرأ مقال الكاتب إبراهيم الجارحي عن اليمن ومما جاء فيه: «لا شيء في اليمن هذه الأيام أكثر من المخاوف.. مخاوف داخلية من اشتعال الموقف وسط خريط محلية معقدة التحالفات ومتشابكة العداءات، ومخاوف إقليمية من خروج هذه التشابكات خارج حدود اليمن، لتتحول إلى مخلب لطهران في هذه المنطقة الحساسة من الشرق الأوسط، ومخاوف عالمية من أن يحدث كل ذلك على مرمى حجر من أكبر إقليم منتج للطاقة في العالم، وعلى عنق معابره الملاحية الحيوية في الوقت نفسه. ومن هذا المربع للمخاوف الإقليمية والدولية، سارعت السعودية إلى التدخل الســـياسي والدبلوماسي فور اندلاع أزمة الانقلاب الحوثي على الرئيـــــس عبد ربه منصور، وبعد فشل المفاوضات قادت التحالف العسكري وبادرت إلى تنفيذ أول الهجمات الجوية على مواقع الحوثيين وحلفـــائهم، ليتساءل كثيرون عن سبب هذا التدخل السريع والحازم.. والإجابة ببساطة هو أن السعودية هي اللاعب الإقليمي صاحب القدر الأكبر من هذه المخاوف… وربما كان التفسير الطائفي للأحداث الحالية في اليمن الأقبح بين التفسيرات، لكنه وجه من وجوه الحقيــــقة التي بعضها مر. كما أنه يلقــــي المزيد من الضوء الكاشف على طبيعة التحالف المهاجم في اليمن، وعلى طبيعة التحالف المعارض لهذه العملية. لكن التفسير الطائفي، الذي يصور الموقف في هذه المنطقة على أنه صراع بين السنة والشيعة، لا يكفي وحده لقراءة الصراع في اليمن، بل هو في الحقيقة مظهر لجوهر سياسي وجيوستراتيجي لا علاقة له بالطائفية إلا بقدر ما تلهب الطائفية مشاعر المتابعين فقط، وذلك بالنسبة للسعودية وبالنسبة لحلفائها على حد سواء.
والمخاوف ذاتها هي التي قادت المعارضين لهذه الحرب إلى معارضتها، فروسيا مثلا لا ترغب في أن تفوز الولايات المتحدة وحلفاؤها بالسيطرة التامة على كل الخيوط في هذا الملعب الحيوي، وهي المخاوف ذاتها التي دفعت تركيا للمعارضة لأنها ستكره بالتأكيد أن تقوم مصر بدور العمق السكاني والعسكري للكتلة السنية بدلا منها.
الخلاصة أنها أزمة حركتها مخاوف أصيلة وعميقة الجذور في التاريخ والجغرافيا، كما ستسكنها مخاوف آنية وعاجلة تتطلب بالضرورة أن يأتي الحزم عاصفا».
ناصر الأب الروحي لعبد الحليم حافظ
وفي مجلة «آخر ساعة» يوم الثلاثاء الماضي مسح زميلنا أسامة صفار دمعتين واحدة على خالد الذكر والثانية على عبد الحليم حافظ ثم قال: «عبّر حليم عن الروح الثائرة للشعب والنظام وقدم أغانيه الحزينة مع الأبنودي بعد الهزيمة، وقدم ما عبر عن المتاهة المجتمعية والقيمة في فيلمه الشهير «أبي فوق الشجرة»، ليخرج من منظومة القيم النبيلة والعظيمة التي روج لها، إلى منظومة أخرى لا معنى لها سوى عند جمهور كان يقوم بإحصاء القبلات بينه وبين البطلة في الفيلم، ولعل المبرر الواضح لهذه المتاهة هو تلك الهزيمة النفسية التي مني بها الشعب بعد النكسة. لم يكن عبد الناصر مجرد زعيم للعندليب ولم يكن مجرد مصدر للقوة والفخر، لكنه كان التعويض الإلهي عن الأب الذي فقده في طفولته، لذا كان ناصر سندا لحليم طوال مشواره، ولم لا وناصر لم يقصر حتى في زيارته في مرضه، رغم انشغالاته العديدة والتحولات الكبرى التي مرت بها مصر في تلك المرحلة. وهكذا جاء موت عبد الناصر ليمثل بداية نهاية العندليب، ورغم استمراره في الغناء وتمتعه بالنجومية، إلا أن المتأمل لمسيرة عبد الحليم حافظ يتأكد أنه لم يكن المطرب ذاته قبلها، حتى حين استدعى تلك القدرة المبهرة على الحشد، وغنى للسادات «عاش اللي قال للرجال عدوا القنال»، فقط مقابل اثنتي عشرة أغنية غناها لناصر باسمه والعشرات التي غناها لمصر الشعب وللأمة».
الفن الجميل عبر عن
مرحلة جميلة رغم النكسات
وهكذا كاد أسامة يبكينا معه تأثرا، وهي الحالة نفسها التي انتابت يوم الخميس زميلنا في «الأخبار» خفيف الظل عبد القادر محمد علي فقال في بروازه اليومي «صباح النعـناع» عن الاثنين خالد الذكر وحليم: «عبد الحليم حافظ كان ظاهرة استثنائية في عالم الغناء، أغانيه حفرت مكانا في قلوب الناس، للرومانسية والمشاعر الراقية وحب الوطن، وعندما رحل منذ 38 سنة بكته مصر كلها، في سابقة لم تحدث من قبل، إلا عند رحيل عبد الناصر. واحتار المحللون في تفسير هذه الظاهرة ثم سرعان ما اكتشفوا أن الناس بكوا بحرقة لأن عبد الحليم لم يمت وحده الأغنية أيضا ماتت ودفنت معه».
وهكذا البقاء لله في الفن الجميل الذي عبر عن مرحلة جميلة رغم ما فيها من أخطاء ونكسات وإنا لله وإنا إليه راجعون.
حسنين كروم