مقابلة رشيقة أجرتها الزميلة ديمة ونوس في برنامجها «أنا من هناك» على قناة «الأورينت» مع الممثل السوري جمال سليمان، وهو أثبت على الدوام موقفاً صريحاً مؤيداً للثورة السورية، كما يثبت أنه من أحسن الفنانين السوريين تحدثاً في الشأن العام، لولا أن المرء سيخرج من الحلقة ببعض انطباعات عن ثورة يؤيدها الفنان نفسه، فما يورده الفنان من حكايا وشواهد سيثبت أن الثورة طائفية، مسلحة، بلا قيادة تحركها، بمعارضة خارجية ليس لديها تصور كم تستهلك السيارة من البنزين بين هذه القرية وتلك، ولذلك أخفقت في تقديراتها وفي حساب احتمالات ومآلات الثورة (وكأن لا علاقة بالظروف الدولية القاهرة بذلك)، باختصار سيقول المشاهد لنفسه إذاً ما الذي يؤيده الفنان؟
يستطرد الفنان بخيال الممثل ليحكي حكاية فيبدو الطريق إلى المغزى أجمل من الحكاية نفسها. يروي الفنان كيف ذهب إلى الشوارع الملأى بالسوريين في القاهرة، يصف محلات الفول والفتة، ورغبته بتناول شيء من ذلك، يصف السوريين وكيف بدأ نقاشاً صعباً معهم ثم مع الوقت صاروا أكثر ليونة، إلى أن وصل إلى الشاب الذي يصفه ب «حليوة» و»يليق بأن يكون نجماً سينمائياً، وكأنه براد بيت». الشاب يحمل معه بعض الحاجيات إلى سيارته ويريه جرحاً في صدره خيط بطريقة بدائية، يبادره بالقول «لماذا لا نقتل العلويين؟»! من كل ما قيل تعْلَق الحكاية في مخيلة المشاهد، وكأن القتل الطائفي خيار مدروس ومفكّر به من قبل الثوار مسبقاً، تبقى الحكاية، وحيدة، في جهة واحدة، شهد عليها نجم محبوب من قبل الملايين، أما الحكايا الطائفية المقابلة فلن تجد من يحكيها، لأن جمال ذهب إلى شارع في القاهرة لا إلى شارع آخر يعرفه ونعرفه حق المعرفة.
كارثة صغيرة تسوقها تلك المقابلة حين تسأل الزميلة ونوس عما سمي «المبادرة الوطنية» التي أطلقها الوزير السابق (ومحافظ الرقة سابقاً) محمد سلمان، والد زوجة الفنان كما تقدمه الحلقة، وانتمى إليها الفنان.
يصل السؤال إلى علاقة سلمان بالنظام فيجيب الممثل بالقول «يعرف كثير من الصحافيين السوريين أن الدكتور محمد سلمان كان يجهد كثيراً لأن يحمي الصحفيين وأن
يتيح هامشاً للحركة»، وهنا يشير سليمان إلى مسلسل «حمام القيشاني» الذي كان له بطولة ذكر أسماء كل من خالد العظم وعبد الرحمن الشهبندر وأنطون سعادة، تلك الأسماء التي يسبب ذكرها مشكلة كبيرة في المراجع العليا. يقصد الفنان في النهاية أن مرور تلك الأسماء في «حمام القيشاني» هو مأثرة من مآثر عمّه الوزير السابق.
هذا بخصوص الأداء الإعلامي للوزير السابق، أما بخصوص أدائه كمحافظ فكل الأمل أن يسأل الجزء الثاني من الحلقة المقبلة، وهي سجلت بالفعل، أهل محافظة الرقة فعندهم حول ذلك حديث آخر.
من يستحق الضرب
إذاً فقد تعرض المطرب السوري حسين الديك للاعتداء أخيراً أثناء غنائه في أحد مطاعم برلين، عندما قام أحد الحاضرين بضربه أثناء الغناء، فأوقف الفنان الحفل، ورفض المتابعة «رغم القبض على المعتدي الذي لم يعرف ما إذا كانت أسبابه في الاعتداء على الديك سياسية أم مجرد أسباب شخصية»، حسب ما نقلت أنباء عديدة، أكدت أيضاً أن الحفل سبقته حملة منظمة ضد الفنان، حيث دعا معارضون سوريون إلى تنظيم اعتصام احتجاجي، لكن «يبدو أن الديك لم يعبأ بالاعتصام فقام بتوجيه تحية إلى بشار الأسد وغنى له قبل أن يحدث ما حدث».
في واقع الأمر لا يستحق الفنان الديك الضرب بالتأكيد، هذا سلوك غير متحضر في أساليب الرد، من يستحق الضرب (لنقل إنه ضرب مجازيّ)، هو الجاليات العربية في المهاجر الأوروبية والأمريكية والأسترالية، التي تنفّذ حنينها إلى الوطن بدعوته.
الشوكولا للاجئين السوريين
تعرض بي بي سي العربية أفلاماً كرتونية قصيرة مصحوبة بتعليق لراو بعنوان «رحلة سورية» تحكي فيه بعض قصص السوريين الذين يهربون عبر الحدود.
لا يصدق أن رواية «رجال في الشمس»، رواية الكاتب الشهيد غسان كنفاني، يجري تمثيلها بحذافيرها، حين يهرب ثلاثة سوريين من اليونان إلى إيطاليا في خزان للوقود يقضون فيه حوالى عشرين ساعة. معرضين أنفسهم لخطر الاختناق والموت. يصل الشبان بعد المخاطرة، وهم اليوم موزعون بين سويسرا والسويد وبريطانيا.
فيلم آخر يعرض لمجموعة تستقل خزاناً مليئاً بالشوكولا، يغطسون فيه حتى أعناقهم.
يصفون تجربة أخرى صعبة، لا يخفف من وقع الموت فيها أنهم غاطسون في الشوكولا. أخيراً يصل هؤلاء المسافرون مذعورين من فرنسا إلى بريطانيا بشق الأنفس، لكن ما يجعل القصة مادة للتندر أن خبراً طازجاً يجري تداوله حول هدية عيد الفصح التي قدمها البليونير الشهير داني لامبو بتحويل حمّام صديقته إلى مضخة لمشروب الشوكولاتة، وذلك لعلمه بعشق صديقته لها، وذلك من أجل الحفاظ على بشرة صديقته ناتاشا فلين. حيث تقول التقديرات إن تكلفة كل مرة من الاستحمام بالحليب والشوكولاتة 1000 جنيه إسترليني.
طلال حيدر ووجعه المركزي
يصعب أن نصدق أن المقابلة التي أجراها زاهي وهبي في برنامجه «بيت القصيد» مع الشاعر اللبناني طلال حيدر هي حديثة العهد. لقد سمعنا من قبلُ كل ما أتى فيها (الجديد الوحيد فيها هو الإشارة لخلاف مع مارسيل خليفة لم يرد الشاعر أن يستطرد في الحديث عنه). حين سئل حيدر كيف تحركه القضايا العربية، وتدفعه إلى الكتابة كما كتب ذات يوم بالفصحى عن الجزائر، تحدث كيف أن فلسطين وجعه المركزي، لكن سوى ذلك لا حضور للربيع العربي، ولا سوريا، ولا الوضع في لبنان. لقد أبى الصديق القديم للنظام السوري وشاعره أن يتزحزح ليقول شيئا بحق المظلومين الذين ربما هم تحت شباكه. ما الشعر أيها الشاعر إن لم ينصت لمن هم تحت شباكه!
كاتب فلسطيني يقيم في باريس
راشد عيسى