باريس ـ «القدس العربي»: تدخل هذا الأحد الحرب الروسية الأوكرانية يومها الـ543 وسط استمرار الهجوم الأوكراني المُضاد ونظيره الروسي المضادة له، وتزايد الضربات الجوية الروسية ضد البنية التحتية للموانئ الأوكرانية، وعلى وقع مغادرة أول سفينة شحن تجارية ميناء أوديسا متحدية التهديد الروسي بإغراق مثل هذه السفن منذ أن أغلقت باب اتفاق الحبوب الذي يسمح بتصدير الحبوب الأوكرانية.
في الوقت الذي يسير فيه الهجوم الأوكراني المضاد والذي تهدف من خلاله كييف بالأساس للوصول إلى بحر آزوف وقطع الطريق البري بين الأراضي الروسية وشبه جزيرة القرم، عكس ما كان مخططا له وباعتراف السلطات الأوكرانية نفسها، أكدت هذه الأخيرة هذا الأسبوع أن قواتها حققت تقدّمًا محدوداً على الأرض في منطقة دونباس ووصلت إلى ضواحي أوروزين في منطقة زابوريجيا بجنوب شرق البلاد. وقد تفقّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع هذه المنطقة حيث التقى بقوات بلاده التي تشارك في الهجوم المضاد ضد القوات الروسية واستمع إلى القيادات العسكرية بخصوص مسار العلميات القتالية في مناطق الخطوط الأمامية، كما ذكر مكتبه في بيان.
الصحافي والمحلل السياسي المُقيم في كييف الزّاوي محمد، اعتبر متحدثا لـ«القدس العربي» أن الهجوم الأوكراني المُضاد صعب ومعقد جدا بالنسبة للأوكرانيين، لكن الصورة لا تبدو قاتمة تماما بالنسبة لهم، باعتبار أنهم «يملكون حتى الآن زمام المبادرة ويتقدمون ولو بخطوات ثقيلة في محاور جنوب وشرق البلاد». يوضح الزّاوي، مشيراً إلى أنه القوات الأوكرانية تمكّنت بالفعل من استعادة مساحة تزيد عن مئتي كيلومتر مربع ضمن هذا الهجوم، بما في ذلك عشرات البلدات والمواقع الاستراتيجية التي يستخدمها حاليا كنقطة انطلاق لضرب مواقع القوات الروسية على مختلف الجبهات، آخرها بلدة أوروجين التي دخلتها القوات الأوكرانية خلال اليوم الأخير وتعتبر ذات أهمية استراتيجية في الناحية الجنوبية الغربية لمنطقة دونتيسك التي تسيطر عليها روسيا.
تغيرات تكتيكية
وفقًا لمحللين عسكريين فإن الهجوم الأوكراني لا يهدف إلى استعادة السيطرة على الأراضي بقدر ما يهدف إلى إضعاف النظام الروسي من خلال التدمير المنهجي للمدفعية واللوجستيات خلف الجبهة. ويلاحظ محلّلون أن هناك تغيراً في التكتيكات الأوكرانية بناء على التطورات الجديدة. من بين هذه التكتيكات استهداف الجسور ونقاط الإمدادات اللوجستية التي تستخدمها القوات الروسية على غرار جسر سيرتش الذي يربط الأراضي الروسية بالقرم، وكذلك جسور أخرى ذات أهمية بالنسبة للجيش الروسي، على غرار جسر هينيتشيسك وجسر تشونهار، التي تعتبر محور ربط بين القرم وباقي مناطق أوكرانيا الواقعة تحت السيطرة الروسية. من هذه التكتيكات أيضاً استهداف العمق الروسي بالمسيرات خاصة لمراكز تخزين الأسلحة وغيرها، وباتت المعركة الآن ليس فقط على الأراضي الأوكرانية ولكن يبدو انها انتقلت إلى الطرف الآخر، كما يوضّح الزاوي محمد.
ودفعت التعزيرات الدفاعية الروسية القوات الأوكرانية إلى استخدام أسلحة غربية متطورة لتجنب حقول الألغام، وهناك مناطق تستخدم فيها الوحدات الأوكرانية سيناريوهات الاستنزاف بشكل رئيسي لتخفيف الضغط على جبهات أخرى، وذلك في الوقت الذي يواصل فيه الجيشُ الروسي ضرباته الليلة ضمن هجومه المضاد الذي يشنه هو الآخر منذ بضعة أيام على الطرف الشمالي للجبهة في اتجاه كوبيانسك لإجبار كييف على نشر تعزيزات هناك على حساب مناطق أخرى من الجبهة.
وتعرضت أوديسا، حيث يقع الميناء الأوكراني الرئيسي في البحر الأسود لهجمات ليلية بطائرات مسيّرة صواريخ كاليبر، حيث تتهم كييف موسكو بشن هجمات مدمرة على مستودعات الحبوب في ميناء الدانوب في هذه المنطقة. فمنذ انسحاب روسيا في منتصف شهر يوليو/تموز الماضي من اتفاقية اسطنبول لتصدير الحبوب والأسمدة التي توسّطت فيها الأمم المتحدة وتركيا، والتي سمحت لكييف بشحن الحبوب عبر البحر الأسود، تتزايد الضربات الجوية الروسية التي تستهدف البنية التحتية للموانئ المطلة على نهر الدانوب من أجل الضغط على صادرات المواد الغذائية الأوكرانية، حيث هاجم الجيش الروسي مرارًا أوديسا ملحقاً أضراراً بصوامع الغلال ومستودعات تخزين الحبوب في أحد موانئ نهر الدانوب، حسب حاكم منطقة أوديسا. ولكن أيضًا موانئ نهر إسماعيل وريني، وهي هجمات نددت بها كييف كوسيلة لإعاقة صادراتها.
حرية الملاحة
في البحر الأسود
بينما ضربت أوكرانيا ميناء نوفوروسيسك الروسي والعديد من السفن الروسية في البحر الأسود ، بما في ذلك ناقلة نفط، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن الضربات الروسية كانت تستهدف الأمن الغذائي، فيما اعتبرت واشنطن أن هذه الهجمات الروسية على البنية التحتية للحبوب في أوكرانيا على طول نهر الدانوب تظهر أن فلاديمير بوتين «لا يهتم» بإمداد الدول النامية بالمواد الغذائية الأساسية.
ورغم تهديد موسكو باستهداف أي قارب يبحر من أو إلى الموانئ الأوكرانية كأهداف عسكرية محتملة، أعلنت أوكرانيا هذا الأسبوع (يوم الأربعاء) عن مغادرة سفينة شحن ميناء أوديسا الأوكراني على ساحل البحر الأسود إلى مضيق البوسفور في تركيا، عبر ممر بحري جديد أقامته أوكرانيا، في أول خطوة من نوعها منذ أن انهت موسكو الاتفاق الذي سمح بتمرير الحبوب الأوكرانية عبر الموانئ في جنوب البلاد، وذلك على الرغم من الحصار الذي فرضته روسيا. وقد وصف الرئيس الأوكراني هذه الخطوة بالمهمة نحو استعادة حرية الملاحة في البحر الأسود، قائلاً إن بلاده اتخذت خطوة مهمة في استعادة حرية الملاحة في البحر الأسود.
الحاجة إلى صواريخ
بعيدة المدى
وفي الوقت الذي يؤكد فيه محللون، أننا أمام معركة استنزاف حقيقية بالنسبة للروس والأوكرانيين، يتمثل مفتاح حسمها في مدى القدرة على الصمود وتوفير الإمكانيات العسكرية الضرورية لهذا الصمود، تزيد كييف، التي ترتبط امكانياتها العسكرية بما يوفره الشركاء الغربيين، ضغوطاتها على هؤلاء الشركاء، حيث عبر الأوكرانيون مجدداً هذا الأسبوع عن حاجتهم الملحة لصواريخ بعيدة المدى. وكان هذا الموضوع على طاولة المباحثات التي أجراها وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر يوم بداية الأسبوع خلال أول زيارة له إلى كييف منذ بدء الغزو الروسي، وأتت في الوقت الذي تتعرض فيه ألمانيا لضغوط متزايدة من كييف لإرسال صواريخ كروز بعيدة المدى لدعم هجومها المضاد ضد القوات الروسية. وهو طلب تعارضه الحكومة الألمانية حتى الآن خشية وصول الصواريخ إلى الأراضي الروسية وتصعيد الصراع.
من جانبها، تدرس الولايات المتحدة منذ أشهر مسألة توريد، إلى أوكرانيا، صواريخ ATACMS التي يبلغ مداها 300 كيلومتر والتي يمكن إطلاقها من بطاريات هيمارس المنتشرة بالفعل. لكنها تخشى هي الأخرى من أن تستخدمها أوكرانيا ذات يوم لضرب الأراضي الروسية: وهو من المحرمات بالنسبة للغربيين. وأعلنت واشنطن هذا الأسبوع أنها سترسل إلى كييف مساعدات جديدة بقيمة مئتي مليار دولار، تتضمن ذخائر للدفاع الجوي والمدفعية وعتاداً مضاداً. بدورها أعلنت السويد أنها ستدعم ستمنح أوكرانيا ذخائر وقطع غيار بقيمة أكثر من ثلاثمئة مليون دولار. بدورها، أعلنت النرويج يوم الاثنين عن توريد أنظمة جديدة مضادة للطائرات بدون طيار من طراز Cortex Typhon C-UAS
خلال هذا الأسبوع، عرضت روسيا عربات مدرعة غربية يفترض أنها استولت عليها، بما فيها دبابة فرنسية ومركبة أمريكية، وذلك في معرض بالقرب من موسكو، يتضمن كذلك أسلحة أوكرانية الصنع يُعتقد أنه تم الاستيلاء عليها منذ بدء الحملة العسكرية في شباط/فبراير عام 2022. وكان الجيش الروسي قد عرض خلال فصل الصيف الماضي معدات «تذكارية» صودرت في أوكرانيا. فمنذ عدة أسابيع، يكرر الكرملين التصريحات أن الهجوم المضاد الأوكراني الذي بدأ في حزيران/يونيو والذي يتقدم ببطء ضد الدفاعات الروسية، قد فشل فشلاً ذريعاً، على الرغم من المساعدات العسكرية الغربية. وقال وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو أمام مجموعة من المسؤولين العسكريين الدوليين هذا الأسبوع إن «الموارد العسكرية لأوكرانيا شبه مستنفدة».