اللبنانيون في كندا بدءاً من 1882 وموجات هجرة تتوالى استولدتها أزمات الوطن
بيروت ـ «القدس العربي»: تنتشر الجالية اللبنانية التي يقدر تعدادها بحوالي 400 ألف في المقاطعات العشر التي تتألف منها كندا، والعدد الأكبر يتواجد في كيبك. هذا الحضور بدأ في سنة 1882 فردياً، وتحول مع الحرب الأهلية وما تلاها من أزمات ما زالت تتوالد، إلى مراحل وموجات هجرة كثيفة.
تمارس هذه الجالية أعمالاً تجارية متعددة، ومن بينها شركات كبيرة. فيما لمعت أسماء في العلوم والطب والأدب وغير ذلك. ويتفاعل عدد كبير من أفراد هذه الجالية مع الجاليات العربية الأخرى، وخاصة الفلسطينية.
لبيب فرج الله محامي وناشط في الجالية اللبنانية ومجاز بالإدارة العامة الكندية. كذلك هو باحث وكاتب في الشؤون السياسية، وموضوعات التعددية الثقافية في كندا، رافق وما يزال شؤون وشجون الجالية، ولا ينقطع عن المناسبات العربية العامة، ومنها المناسبات الخاصة بقضية فلسطين.
مع لبيب فرج الله هذا الحوار:
○ يذكر موقع وزارة الشؤون العالمية في كندا أن ابراهيم أبي نادر من زحلة هو أول لبناني وصلها سنة 1882. هل من معلومات حوله؟
• المعلومات حول ابراهيم أبي نادر ليست وفيرة وغير شمولية. وصل إلى كندا سنة 1882 واُعتبر من قبل مرجعيات حكومية أو أكاديمية أنه المهاجر الأول من سوريا، وبعد سنة 1920 أصبح مهاجراً من لبنان. عاش في مدينة مونتريال لحقبة من حياته حيث امتلك بقّالة. تزوّج من سيدة يُرجّح أنها فرنسية، وأنجب عشرة أطفال. ولاحقاً انتقل سكنه إلى منطقة لانوديار داخل كيبك، واستقدم والدته وأخيه. وحيث يقيم شيّد منزلاً أطلق عليه اسم «بونادر كاسيل». وتقول المعلومات أن أخاه كان ميسوراً، فاشترى قطعة أرض وشيّد عليها مجموعة منازل عاش فيها أفراد العائلة، وبعضهم يقيم فيها حتى اليوم. وذُكر أن أبي نادر تزوج مرتين. مصدر معلوماتي كنيسة الملكيين الكاثوليك التي ينتمي إليها أبي نادر، وبعض الدراسات الأكاديمية التي قام بها الدكتور سامي عون والدكتور ساري ماضي.
○ متى بدأت الجالية اللبنانية بالتعبير عن نفسها وكيف؟
• بدأت الجالية اللبنانية تأخذ شخصيتها بين أوائل الستينيات وأواخر السبعينيات من القرن الماضي، حيث راحت شخصية الهجرة تتأطر وتتوضح. عبّرت الجالية عن نفسها عبر المؤسسات الاقتصادية الوازنة أولاً، ولم يعُد المهاجرون اللبنانيون تجّار كشّة، أو أصحاب محال تجارية صغيرة. وأصبحوا يمتلكون مؤسسات اقتصادية كبيرة كما مؤسسات سامي فروت، والباشا، وأدونيس، وكليك وغيرها من المؤسسات الكبيرة. وتميز إنتاج الأكاديميين اللبنانيين بدور كبير كما الدكتور فانسان كريم المرجع المعتمد في القانون في كندا من خلال الكتب التي وضعها. قلة تعرفه، ومن عرفه قصّر في تقدير قيمته العالية في مجاله.
○ وماذا عن التعبير عبر الإعلام؟
• في المرحلة نفسها عبّرت الجالية عن نفسها عبر حركة استنهاض إعلامية. وصدرت صحف أسبوعية، وافتتح تلفزيون وإذاعة. وصدر إنتاج فنّي وروائي. سياسياً التعبير محدود عن المرحلة التي نحن بصددها، وبدأ بالظهور التدريجي مع منتصف التسعينات وما يزال، بالإضافة إلى ظهور العديد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية. أما النائب مارك أسعد الذي أصبح لاحقاً نائباً فيديرالياً فلم يُنتخب بأصوات لبنانية. بعد سنة 1995 اتّضح تعبير الجالية عن نفسها وباتت لها مطالب سياسية تمثيلية.
○ وما هي تلك المطالب؟
• تكتلت معظم الأطياف السياسية للجالية اللبنانية على مطلب الإنصاف بالتمثيل. فالتواجد العربي بشكل عام لا يُعطى حقه. ويُنظر إلى التواجد اللبناني السوري على أنه مجموعة أصوات مضمونة في الجيب. فلماذا نعطيهم مراكز سياسية ومواقع؟ كنا نطالب بمقعد فيكون الجواب «اتفقوا على مرشح لنتبناه». وعندما نتفق يهربون من التنفيذ. وبعد جهود نجحنا بإيصال نائب إلى برلمان كيبك بصفة جاليوية. وتالياً نجح بعض من الجالية بالوصول إلى مجلس العموم الفيدارلي والمجلس التشريعي بمقاطعة كيبك بجهود شخصية.
○ من تهرّب من قبول اتفاقكم كجالية على اسم؟
• الحزب الليبرالي الكيبكي والكندي، وهو الأكبر والأكثر تبنياً للمجموعات الإثنية في كندا. أما حزب «لوك كيبكوا» فطلب تسمية مرشح، وكانت سيدة وفازت بالانتخاب وبقيت في مجلس العموم لسنوات، دون استثمار حضورها لصالح الجالية. كان التعبير السياسي آنياً ومؤقتاً، وسريعاً فرطت السُبحة وعاد كل صاحب قرار إلى مركز قراره.
○ هل لهذه الجالية حضور تربوي وثقافي وما هو دورها بتعليم اللغة العربية؟
• هناك بعض المحاولات من قبل الجمعيات والمدارس الدينية المسيحية والإسلامية في تعليم اللغة العربية. إنما لا وجود لمدارس تُعنى باللغة العربية وتعليمها للأجيال الجديدة.
○ وهل العربية متداولة حقاً بين أبناء الجالية؟
• هذه المسألة محط نقاش دائم بين الناشطين على مستوى الجالية. تعلّم اللغة العربية في انحدار، واستعمالها يتضاءل يومياً. حافظت اللغة على نفسها في الجيل الأول، ومن ثمّ بدأ مسارها الانحداري. في الواقع يعيش المهاجر في مجتمع جديد، وجدلية التفاعل فيما بينهما أدت لظهور حقائق أخرى، يستحيل تجاهلها. لهذا أرى البيئة الحاضنة للمهاجرين لا تشجّع مسألة اتقان العربية المنعزلة عن السياق المجتمعي العام. ولا أنكر وجود محاولات جيدة لتعليم اللغة العربية لكننا نصارع أخطبوطاً له 20 يداً.
○ هل تأسست جمعيات خيرية تدعم المحتاجين من أبناء الجالية؟
• الجمعيات كثيرة، ومنها الخيرية. إنما نمط العلاقة التي تربطها بالحكومة وبالناس تقرره مصلحة الجمعية. الدكتور براين عبود كتب دراسة بالغة الأهمية عنوانها «الجمعيات العربية ونمط روابطها مع الدولة». فهمها الأساس تلقّي المال من الدولة ومن الناس كذلك. باختصار لا وجود لجمعية خيرية بالمعنى الكلاسيكي للجمعية.
○ وماذا عن الشفافية والإنسانية؟
• إن سألنا عن الشفافية في دار للعجزة يتقاضى كامل المخصص التقاعدي لمسن يسكنه فأين تكون الجمعية خيرية؟ مع العلم أنها تتقاضى أموالاً من الحكومة أيضاً. وكذلك حال المدارس الدينية حيث قسط التلميذ يتجاوز ألفي دولار سنوياً. فأين هي المساهمة الخيرية؟ إذاً العلاقة بين المهاجر والمؤسسات الخيرية إدارية ربحية، ويصعب وضعها ضمن العلاقة الإنسانية إلاّ بحدود ضيقة جداً برأي.
○ هل حقق المهاجرون حضوراً في الأدب والشعر باللغات الفرنسية والإنكليزية؟
• فيما يخص اللغتين الفرنسية والإنكليزية أشير إلى كتاب راوي الحاج الذي فاز بجوائز قيمة جداً عنوانه «دونيروس غيم» بالإنكليزية. وهناك نتاجات أخرى محترمة كالتي قدّمها جان عصفور، لكنّها بقيت ضمن الإنتاج الكلاسيكي العادي، بينما كتب راوي الحاج بالإنكليزية إنما بمفاهيم عربية. وليس بعلمي وجود إنتاج شعري بالإنكليزية أو العربية على مستوى كيبك أو كندا. مع الأخذ بالاعتبار أن كندا بلد كبير وليس سهلاً شملُها بالمعرفة. وهناك شعراء قدموا إنتاجاً شعرياً بالعربية، لكنهم هاجروا وبذرة الشعر معهم، منهم خالد عبد الباقي، والدكتور محمد صادق، وهتاف السوقي. وفي مجال الرواية العربية أذكر سيدة الروائيات العربيات الدكتورة رولى الجردي. كذلك هناك إنتاج فكري بين الفلسفة والدين، ككتاب الأب ميشال روحانا بالفرنسية حول العلاقة بين العلم والدين. وكتب أخرى للكاتب أسامة أبو شقرا بعنوان «المسيح في القرآن» و«لا جهاد بعد النبي» وغيرهما من اهتماماته في الشأن الإسلامي. القاسم المشترك بين هؤلاء المنتجين جميعهم أنهم وصلوا إلى كندا أدباء وكتّاب وشعراء.
○ ماذا عن الصحف الكندية العربية وما هو مسارها؟
• نعيش عصر القحط الصحافي والإعلامي، فالمطبوعات الصحافية التي كانت تنتشر بقوة منذ السبعينيات إلى مرحلة التسعينيات من القرن الماضي انقرضت. وحدها جريدة «الشرق والغرب» صمدت، وينشرها الصديق التونسي حمّادة العقربي أو التونسي كما يُعرف. وجريدة «صدى المشرق» التي يُشرف عليها الصديق حسين حب الله. هذا على صعيد كيبك، وفي مقاطعة اونتاريو صحف أخرى لست على تماس معها.
○ كم تمكن الاتحاد العربي الكندي في تورونتو من تحقيق الالتفاف حول قضية فلسطين؟
• للاتحاد العربي الكندي باع طويل في دعم القضية الفلسطينية إعلامياً وسياسياً. وبالنظر إلى المساحة الهائلة لكندا، والإمكانات المادية الضئيلة، وحجم المحاربة التي يواجهها الاتحاد، وضعف التفاف الجاليات حول نفسها، نرى جهوده كبيرة. ونتمى أن يكون في زمن قريب معبّراً حقيقياً عن طموحات الجالية وآراءها وتوجهاتها وقضايا العرب العادلة.
○ وما هو وضع الجالية على صعيد العمل البلدي؟
• يرأس حزب المعارضة البلدية عارف سالم ويجمع 37 عضواً يقفون بوجه رئيس البلدية الحالي. مؤسف أن الجالية اللبنانية والعربية عموماً لم تلتقط هذه اللحظة التاريخية في نمو الجالية واضطرادها السياسي. ولم تعط الأهمية المطلوبة لوصول أحد أبنائها إلى هذا المركز، بغض النظر عن التأييد أو الرفض. كما أشير إلى وجود ثلاثة أعضاء من أصول لبنانية في المجلس البلدي في لافال.
○ مؤخراً وصل فادي داغر من مواليد ساحل العاج ومن أصل لبناني لمنصب قائد شرطة مونتريال. هل تفاعلت معه الجالية؟
• زارته بعض من فعاليات الجالية للتهنئة، إنما الجالية بشكل عام لم تبد الاهتمام المطلوب. وفي جدول أعمالنا عقد لقاء موسع يجمع فادي داغر بالجالية اللبنانية والعربية، علّهم يتحمسون لدخول الشرطة وغيرها من المؤسسات الكندية.
○ لفتني تعريف صحف «كيبكوا» لداغر بأنه من مواليد ساحل العاج متحدر من أصول لبنانية ومن طائفة الروم الكاثوليك. ما هذا التعريف في دولة علمانية؟
• مسألة العلمانية في كندا خاضعة للنقاش. العلمانية لدى السلطات في كيبك أو كندا عموماً «اختيارية». عندما تختار الابتعاد عن العلمانية تمنح المؤسسات الدينية ملايين الدولارات، ولا تحصل المنظمات ذات المنحى العلماني على دولار واحد. إنه لعب على الحبال وعملية ابتزاز سياسي. وقد خضنا نقاشات في العمق بموضوع التعددية والعلمنة وإساءة استعمالهما.