في مؤسسة كارتييه للفن المعاصر: «تشريح جمجمة»… بين التشكيلي والإنثروبولوجي

نبقى دائما أسرى دهشة الفنون أوروبيا، في صياغتها حداثة تنويرية للواقع الفني في الغرب، وعن هذا الاقتحام القوي للنحت في تشكيل مسارات حياتنا المعاصرة، مقابل نظرة نمطية للنحت وللفنون البصرية عموما، أسيرة نظر أحادية لا تشاكس الموروث الفني للأرض العربية، من نحت طيني في العراق وحجري في مصر. ولا نخلق هذا التواصل المعرفي مع هذا الإرث التشكيلي، وقراءته بعيون معاصرة تتجمع فيها كل المعارف والعلوم التي لها صلة بعلم الأديان والإنثروبولوجيا وأبحاث علمية أخرى.
الشيء الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال، هذا العماء البصري لدى الفنان العربي المعاصر، والخوف من مواجهة مصيره تشكيليا. لقد عرفت منطقتنا العربية قديما وحديثا تاريخا حديثا لجماجم، بسبب المذابح والمجازر، والقبور الجماعية لأبرياء الحروب، أو أنصار الحرية، وحتى للغزاة أحيانا.
تبدأ حكايتنا التشكيلية، حينما زار الأنثروبولوجي أنطوان بالزو عالم الإنثروبولوجيا القديمة في المركز الوطني للبحث العلمي، والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا، معرض النحات الأسترالي رون مويك في مؤسسة كارتييه للفن المعاصر في باريس، وقدم لنا الباحث تأملاته، بين الملاحظات العلمية المتعلقة بمورفولوجيا الجماجم، والفضول حول طريقة الفنان والدهشة من عمل يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. علما أن النحات الاسترالي في معرضه الأخير في مؤسسة كارتييه الفرنسية: الذي عرض فيه 48 قطعة نحتية. تتوزع على موضوع واحد فقط، جسم الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا أو كبيرا، عاريا أو يرتدي ملابس. فهي كبيرة بشكل غير متناسب أو مخفضة بشكل مؤلم. كلهم يقترحون مواقف محددة وغير سارة بشكل عام، ويتم تمثيل الجنس البشري فيها في أوضاع مأساوية. الجماجم العملاقة، والإنسان العاري، والمومياوات الشمعية الصغيرة… يقترح النحات، التفكير في ما نحن عليه كبشر من خلال اضطراب العلاقات على نطاق واسع، باختصار، حول حالة الإنسان المعاصر أمام الخيبات والانكسارات في تاريخه المعاصر .
هذه الواقعية الساخرة في منحوتاته، تجيب عن ماهية هذه الجماجم البشرية العملاقة، خاصة في مسألة الحجم. إنه يلعب مع التوتر الذي ينشأ بين حقيقة الجمجمة كمفردة تشكيلية، ويلعب فنيا في صياغة التفاصيل وشذوذ الأبعاد في عالم من الجماجم العمالقة. تخفي أعماله بذكاء وحشية شرسة يستحيل الهروب منها. ومما يزيد من المستحيل لأن هذا الإخفاء هو سمة مميزة تماما للعصر الحالي. يقول الأنثروبولوجي أنطوان بالزو: أنا في وضع جيد للعثور على جماجم جميلة: أتعامل معها وأفحصها على أساس يومي. لكن الجمجمة حتى الحفرية، ليست شيئا ضئيلا: إنها تتعلق ببقايا بشرية، من المهم تذكرها.

الباحث أنطوان بالزو امام الجماجم العملاقة

عند اكتشاف منحوتات الجماجم الضخمة والمتراكمة للنحات رون مويك في باريس، استحوذت أولا عليّ صورة هذا التراكم، الذي يعيد إلى الأذهان حتما الظروف الدراماتيكية والعنيفة، لاسيما في وقت تكون فيه الحرب على أبواب أوروبا وفي سياق اضطراب مناخي لا مفر منه: من المستحيل عدم تخيل الانقراض أو القتل الجماعي أو المقابر الجماعية؛ تضاعف الانطباع عشرة أضعاف عن طريق عملقة التثبيت لدى زوار المعرض. كان الصمت السمة البارزة لدى الزوار، صمت غرائبي يشبه صدمة دهشة أسطورة معاصرة.
إذا بدا للوهلة الأولى أن عالم الفن وعالم البحث العلمي على خلاف مع بعضهما بعضا، فإننا نرغب في إثارة حوار مثمر لمرافقة التفكير، دون استبعاد العاطفة. ستواجهك هذه السلسلة من اللقاءات غير المتوقعة خلال الأحداث الجارية للمعارض من خلال إلقاء الضوء عليها بنور جديد. أولا هناك فرق كبير بين عمل النحات مويك والجماجم التي نراها في سراديب الموتى في باريس: هنا في المعرض، يقدمون أنفسهم على الفور على أنهم «مزيفون» بسبب حجمهم، على الرغم من واقعية التشكيل، لكنها مرتبة أيضا واحدة فوق الأخرى، في اضطراب واضح، يغمرها الضوء الساطع لمبنى زجاجي بالكامل. البعض ينقلب، يوضع على جوانبه، كما لو كان في توازن غير مستقر. يبدو وكأن عملاقا يلعب به، قبل أن يفقد الاهتمام به، كما هو الحال في رواية خيال علمي ـ أفكر في عالم ستيفان وول في مسلسل «أومز». في سراديب الموتى، من ناحية أخرى، يرتبط التدريج المهووس للجماجم البشرية الحقيقية بشكل أكثر انفتاحا بـ»تذكار موري»: فهي مصفوفة ومكدسة، ومدارات فارغة موجهة نحو الزوار، ويبدو أنها تشكك في الغرور الإنساني، وفي كآبة الكائن الإنساني من مصيره الغيبي.

من خلال مراقبة الجماجم من بعيد، أفهم على الفور شيئين: إنها الجمجمة نفسها لكن بشكل مضاعف، وهي على الأغلب جمجمة شاب. من ناحية أخرى، يصعب تحديد النوع للجمجمة المنحوت،. إذا كنت أعلم أنها الجمجمة نفسها المضاعفة، على الرغم من» الحوادث « التي سببها رون مويك لتجعلنا نعتقد أنها مختلفة ـ كسر الفنان بعض العظام، أو إزالة بعض الأسنان اعتمادا على الجماجم ـ فذلك بسبب الغرز المفتوحة التي هي واضحة جدا: في البشر، يتم توحيد عظام الجمجمة بالفعل من قبل الغرز، التي تختفي مع التقدم في السن، عندما يكتمل تشكيل الجمجمة. يكتمل هذا النمو تقريبا في سن 12 ، ويكتمل تماما عندما نصل إلى سن 20. في البالغين، هذه «العلامات» بالكاد مرئية، الآن هنا، نرى حتى خيوط الحنك. كل هذه العلامات الواضحة تشبه التوقيع، ما يوضح أنها الجمجمة المرفوضة نفسها.
يساهم الحجم العملاق للجماجم ولونها المختلف قليلا ـ من الأبيض الفاتح إلى الرمادي الباهت جدا ـ والاستخدام المتكرر للجمجمة نفسها في تعزيز الجانب الخيالي للكل، على الرغم من الانطباع «الواقعي» الأول: النحات رون مويك يلعب بشكل واضح على حواس وعواطف الزوار، لزعزعة استقرارهم بشكل أفضل ربما. تقوض الواقعية مرة أخرى عندما نلاحظ داخل الجماجم: يتم وضع بعضها على الأرض، على الجانب، ويمكننا النظر فيها، ثم اكتشفت أنه إذا كانت نموذجية السطح الخارجي دقيقة للغاية، فهذا ليس هو الحال على الإطلاق في الداخل؛ علاوة على ذلك، لا «يتواصل» الاثنان، فالأجزاء المتصلة عادة ليست كذلك، نحن نتعامل بالفعل مع تمثيل فني، تفسير بلاستيكي للجمجمة.
اكتشفت أيضا بعض الحالات الشاذة: يبدو أن هذه الجمجمة قد تم تشكيلها بعد إعادة البناء ثلاثي الأبعاد لها، والمرور عبر الكمبيوتر يعطيها أبعادا غريبة، كما لو أن بعض العناصر قد تم تشويهها أو «إعادة تشغيلها». قد يكون مزيجا من عدة نماذج، كرغبة في مضاعفة التفاصيل لجعلها أكثر واقعية. بالتأكيد، سرعان ما يثير انطباع الحقيقة أو الواقعية الذي يعمل من بعيد من خلال ملاحظة أكثر دقة ـ لكنني معتاد على تكرار الجماجم، وهذا ليس هو الحال مع معظم الزوار.

كباحث أفحص جماجمي بتقنيات متقدمة: إذا لاحظت حفرية، فأنا أستخدم كاميرات سلكية صغيرة مزودة بمصابيح، تسمح لي بتحديد التفاصيل الدقيقة. أما بالنسبة لنماذج ثلاثية الأبعاد، فالمجاهر الحديثة الحالية بدقة 100 مرة أعلى من ذلك من الماسح الضوئي الطبي ، مع مستوى لا يصدق من القرار. عندما أستكشف فعليا أحفورة على الشاشة، فإن مسألة المقياس تغير تصوري كثيرا، ولا تسمح لي دائما بتقدير أبعاد كائن ما وإدراكه في ما يتعلق بالحفريات الأخرى. عندما رأيت هذه الجماجم العملاقة، قلت لنفسي إنه إذا كان في إمكاني فحص النسخ المتماثلة المثالية بتنسيق «عملاق» فسأكتشف بالتأكيد أشياء لا يمكنني رؤيتها على نماذج ثلاثية الأبعاد. يمكنني التسلل إلى كل ركن من أركان الجمجمة، ومراقبة كل التفاصيل دون اللجوء إلى النظارات المكبرة. لكن تذكرني رؤية الزوار الذين يتجولون بين هذه الجماجم العملاقة، بخطر يهدد باستمرار المعرفة العلمية، وهو المعلومات الخاطئة وقلة التفكير النقدي: إذا قمنا بتصوير المشهد أو تصويره وبثه على الشبكات الاجتماعية، دون سياق أو بأسطورة كاذبة، فقد يعتقد بعض الناس أنها أحافير عملاقة. تظهر نظريات من هذا النوع بانتظام على الشبكة، «مزيفة» في الدعم: حضارات خارج الأرض، هياكل عظمية عملاقة، مقابر جماعية مزيفة، يظل التفكير في أصل الصورة، وصحة الخبرة، والاستجواب المنهجي لما يقدم نفسه على أنه حقائق، والبحث في سياق إنتاج معلومات أو صورة، أفضل الأدوات ضد التضليل. من بين مجموعة الأسئلة الوجودية التي يبدو أن عمل النحات رون مويك يطرحها علينا؛ هناك أيضا هذه: ما هي علاقتنا بالصور، مهما كانت «مغرية» أو مقنعة بالواقعية الساخرة؟

كاتب ومترجم مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية