في العام 1995 دُعيت مع عقيلتي للقاء أصدقاء من “الصهيونية الدينية” عقد في بيت أحدهم في القدس. كان معظم الحاضرين من القدس ومن مستوطنات الضفة القديمة، هم أكبر منا سناً بقليل، أناس ميسورون وأيديولوجيون. كنت في ذاك الوقت ضابط شعبة العمليات في فرقة “المناطق” [الضفة الغربية] وبعد فترات عمل ناجحة جداً بصفتي قائد كتيبة في جبهتي نابلس والخليل. في واقع الأمر، دافعت مع كثيرين آخرين عن هؤلاء الناس.
تحملت زوجتي عبء تربية الأولاد دون زوج في البيت، في عزلة كبيرة وقلق عميق. كانت الأيام أيام أوسلو، والعمليات تقع بين الحين والآخر، وجرى نقل المسؤولية عن المدن الفلسطينية كما كان مقرراً، وفي أرجاء “يهودا والسامرة” بدأ انتشار شبكات طرق وفرت على المستوطنين والمارة العبور في المدن الفلسطينية.
توقعنا، زوجتي وأنا، نوعاً ما من الامتنان أو على الأقل من الموقف الودي، لكن ما لاقيناه في ذاك المساء كان موقفاً متعالياً، وقحاً ومستهتراً. وكان الحديث غير الصريح “أنتم العلمانيون عربة فارغة، تعليمكم عليل، قيمكم عليلة، لا تصلون لمستوى المستوطنين في “يهودا والسامرة” ومستوى الجمهور الصهيوني الديني”. لقد سبق لي أن تعرفت على هذا النوع من الموقف، أما عقيلتي فخرجت مصدومة.
ما بدا كصدمة شخصية قبل 28 سنة، هو اليوم واقع سلطوي. حتى 1967 كانت “الصهيونية الدينية” بمثابة “سائق فرعي” في المشروع الصهيوني – حركة صغيرة مع وعي طليعي، لكن بلا مشروع يناسب الحماسة الدينية – المسيحانية التي أفعمتها. جاءت حرب الأيام الستة، فحررت طاقات هائلة للتصدر، كانت هذه الطاقات مغرية جداً، كانت فرصة لدرجة أنها نسيت قوانين الدولة، جنودها، شرطتها، قيمها ومبادئها، وثمة رجال ونساء طبيعيون أصبحوا عصبة مخلة بالقانون، تقدس الدولة وتستهتر بها في آن معاً.
نمت منها تنظيمات سرية يهودية، إرهابيين يهود، فتيان تلال ومناطق. باتت دولة إسرائيل تعتبرها جهة معادية. سيكون من الخطأ الجسيم ترسيم هذه الظواهر كـ “أعشاب ضارة” أو كنباتات برية نمت في بستان أخضر ومثمر. “الصهيونية الدينية” لم تخرج قط على رؤوس الأشهاد ضد عناصرها الأعنف، ولم تتنكر لهم قط، اكتفت بين الحين والآخر بشجب هزيل أو بتجاهل جارف، ورأت في العنصر الراديكالي عاملاً حيوياً، غمزة متفقاً عليها، جزءاً لا يتجزأ من مشروع ريادة رؤية الصهيونية الدينية.
ضم أم انفصال؟
طالما كانت قيادة “الصهيونية الدينية” السياسية معتدلة (نسبياً) في معظمها، كان يخيل أنها فرع يمكنه الاستمرار إلى الأبد. الحرس الإيماني المتقدم سيفعل فعله، والحكومة العلمانية في أساسها ستتعاون طوعاً أو تحت ضغط لا هوادة فيه ومرغوب فيه بطرق لطيفة.
لكن من اللحظة التي انهارت فيها فكرة الاستيطان في القلوب في عهد فك الارتباط في 2005 انتقلت “الصهيونية الدينية” إلى مرحلة السيطرة – لاحتلال مراكز القوة السياسية والمؤسساتية، على طريق فرض غير ديمقراطي لرؤية مسيحانية على عموم مواطني إسرائيل.
نحن ملزمون بفهم هذه الرؤية. رؤية “الصهيونية الدينية” هي رؤية حرب يأجوج ومأجوج. حرب نستكمل فيها ما فوت في حينه في 1948 – طرد كامل لكل الفلسطينيين من نطاق بلاد إسرائيل. ليس في هذه الرؤيا فهم لاضطرارات سياسية، إقليمية، أمنية واقتصادية. لا يوجد في هذه الرؤية أي وعي سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي إنساني أساسي. كل ما فيها هو فكر مسيحاني منقطع عن أواصر هذا العالم.
هذا فكر عنصري، عنيف ومتشائم في جوهره، ينسجم مع الرؤى الإفنجيلية في ظل خلق شراكة غريبة يكون فيها العلماني هو حمار يسوع المسيح. لا حاجة لبحوث أكاديمية معقدة. يكفي قراءة “خطة الحسم” لبتسلئيل سموتريتش في 2017 أو مراجعة قيمة “كهانية” في الـ “ويكيبيديا” كي نفهم من يقتاد اليوم دولة إسرائيل من أنفها.
تحتاج “الصهيونية الدينية” لانقلاب نظامي أكثر من كل جمهور آخر في البلاد. فاسدو درعي يعرفون كيف يعيشون حتى بلا إصلاح. أناس الليكود، باستثناء نتنياهو، سيتدبرون أمورهم بلا تغييرات تشريعية. وحتى الحريديون يعرفون أنه لا أحد سيأتي بآلاف الحريديم الشبان صباح غد إلى قسم التجنيد حتى بلا قانون إعفاء من التجنيد. أما “الصهيونية الدينية”، فتستوجب الانقلاب النظامي، لأنه شرط لفرض ضم ملايين الفلسطينيين وطردهم، على الأغلبية المعتدلة التي ترى في الضم مصيبة ستجلب تصفية لدولة إسرائيل.
في الجمهور الصهيوني الديني أصوات ليبرالية، إنسانية ومعتدلة. ولهذه الأصوات وجوه وأسماء، وبعضهم يسكن في المستوطنات. إذا أردنا منع صدام واسع يمزق شعب إسرائيل في البلاد والشتات، فإن هذا الجمهور ملزم أن يسمع صوته بشكل واضح وقاطع، وأن ينتظم سياسياً على عجل.
إسرائيل تقف أمام خيار حياتها – ضم أو انفصال. إذا اخترنا الضم فستندثر دولة إسرائيل في واقع عنيف يجلب عليها خرابها من الداخل والخارج. وإذا اخترنا الانفصال فعندها يكون هناك احتمال لإنقاذ المشروع الصهيوني – حتى لو كانت العملية مركبة وصعبة وطويلة.
تدخل إسرائيل في عصر القرارات الحاسمة في كل المواضيع التي لم تحل منذ قيامها أو منذ 1967. القرارات الحاسمة ليست حلولاً وسطاً. بانتظارنا أيام تحدٍ، نأمل أن تؤدي زعامة جديدة إلى العصر التالي. أمامنا فرصة لبناء صهيونية إنسانية، يهودية ليبرالية وتسامح مدني. لكن التعابير الجميلة هذه ستحتاج عناداً وتصميماً غير عاديين.
يئير غولان
معاريف 25/8/2023