بريغوجين وتساؤلات حول ظروف اختفائه ومصير فاغنر بعده

آدم جابر
حجم الخط
1

العديد من خصوم النظام الروسي في الداخل والخارج يؤكدون أن التحقيق الروسي في ملابسات سقوط الطائرة ما هو إلا وسيلة لصرف الانتباه عن الكرملين.

باريس ـ «القدس العربي»: بين التكهنات والتليمحات داخل وخارج روسيا أن يفغيني بريغوجين قد يكون ضحية عملية اغتيال انتقاماً من تمرده المسلح على القيادة العسكرية الروسية قبل شهرين، ونَفْي الكرملين ضلوعه في حادث تحطم الطائرة الخاصة التي كان زعيم فاغنر على متنها، ثمة علامات استفهام عديدة حول ظروف سقوط الطائرة والتحقيقات حولها، ناهيك عن التساؤلات حول مصير المجموعة شبه العسكرية داخل روسيا وخارجها، لاسيما في القارة الأفريقية.
الرئيس الروسي فلاديمير بويتن، أكد أن زعيم فاغنر يفغيني بريغوجين كان من بين «الضحايا» قائلاً إنه «كان رجلاً مصيره حافل ومعقّد، وارتكب أخطاء جسيمة في حياته، لكنه حقّق النتائج المرجوة» وأن أعضاء فاغنر الذين قضوا معه قدموا «مساهمة كبيرة» في الهجوم الروسي في أوكرانيا. مع العلم أنه كان قد وصفه بأنه «خائن» خلال تمرد فاغنر يومي 23 و24 حزيران/يونيو الماضي. ووعد بوتين باستكمال التحقيق في الحادث، الذي تم يوم الأربعاء المنصرم شمال غرب موسكو، قائلاً: «سنرى ما سيقوله المحققون في المستقبل القريب. التحقيق سيستغرق بعض الوقت، لكن سيتم المضي حتى النهاية والتوصل إلى نتيجة، لا شك في ذلك».
وفي أحدث التطورات بشأن التحقيق، أعلن المحققون، يوم الجمعة المُنصرم، أنهم انتشلوا جثث الأشخاص العشرة الذين لقوا حتفهم في تحطم الطائرة التي كانت تقل رئيس شركة فاغنر يفغيني بريغوجين، مساعده دميتري أوتكين، قائد عمليات فاغنر والعنصر السابق في القوات الخاصة للاستخبارات العسكرية الروسية. بالإضافة إلى الصندوقين الأسودين للطائرة التي تحطمت في روسيا. كما أن التحليلات الجينية جارية لتحديد هوية الأشخاص العشرة. ولم يكشف المحققون الفرضيات التي يعملون عليها أو الأسباب المحتملة للحادث، والتي قد تشمل زرع قنبلة على متن الطائرة أو إصابتها بصاروخ أرض-جو أو ارتكاب ربانها خطأ. وتحدثت حسابات روسية على تطبيق «تلغرام» معروفة بقربها من الأجهزة الأمنية، يوم الخميس، عن «الطيار الشخصي» ليفغيني بريغوجين، الذي لم يكن موجوداً في مركز التحكم بالطائرة يوم الحادث، بصفته المشتبه فيه الأول. كما تم الحديث عن أن التحقيق يتم مع المشتبه به أرتيم ستيبانوف، في الغالب، لكونه مالك الشركة التي تمتلك الطائرة الخاصة. وقد سبق أن فرضت عليه عقوبات أمريكية بسبب صلاته، لتورطه المزعوم في تحطم الطائرة، حسب قنوات على «تلغرام» مرتبطة بأجهزة الأمن الروسية، التي أشارت إلى أن هذا الأخير كان قد رفع دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، حينها، مدعياً أنه لم ير زعيم فاغنر منذ عشر سنوات.
وفقاً لرواية نقلتها مجلة «نيوزويك» يعتقد المحققون أن ستيبانوف من الوارد أن يكون قد تمكن من الوصول إلى طائرة بريغوجين الخاصة في يوم رحلته الأخيرة على متنها متوجهاً من موسكو. وحسب قناة «شوت تلغرام» نقلا عن مصدر أمني، فإن التحقيق يفحص رواية وضع عبوة ناسفة في هيكل الطائرة. وأكدت عدة مصادر على هذه القناة على «تلغرام» أن شقيق أرتيم ستيبانوف ادعى أن الطيار الخاص بيفغيني بريغوجين كان في إجازة في شبه جزيرة كامتشاتكا في أقصى شرق روسيا. وتحدثت معظم وسائل الإعلام الروسية في المنفى، بما في ذلك قنوات على تلغرام، عن احتمال وقوع هجوم، وزعمت أخرى أن الطائرة أُسقطت بصاروخ، مشيرةً إلى وجود نفاثات في السماء إلى جانب نفاثات الطائرة كدليل. وهي رواية لا يُشاطرها حتى البنتاغون الأمريكي، الذي أكد، يوم الخميس، أنه لا يمتلك «معلومات تؤشّر إلى ارتباط صاروخ أرض-جو بالحادث» مشيراً إلى أنّ التكهّنات بتحطّم الطائرة بسبب ذلك «غير دقيقة».
علاوة على كل ذلك، فإن العديد من خصوم النظام الروسي في الداخل والخارج يؤكدون أن التحقيق الروسي في ملابسات سقوط الطائرة ما هو إلا وسيلة لصرف الانتباه عن الكرملين، الذي ينفى بشدة أي تورط في حادث تحطم الطائرة الذي قالت موسكو إنه أودى بزعيم مجموعة فاغنر المسلحة يفغيني بريغوجين، رداً على تكهنات باغتياله انتقاماً من تمرده المسلح على القيادة العسكرية الروسية قبل شهرين، والذي انتهى سريعا بعد الوساطة التي قام بها الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو، الحليف الوثيق لفلاديمير بوتين، والتي قضت بانتقاله مع عناصره إلى مينسك مقابل وقف الملاحقات بحقهم في روسيا. ومع ذلك، ظل بريغوجين يتردد إلى روسيا، وأكد الكرملين في وقت سابق أن بوتين استقبله وقادة فاغنر في الـ 29 حزيران/يونيو الماضي. وفي تموز/يوليو، حضر زعيم فاغنر على هامش قمة في سان بطرسبرغ بين روسيا ودول أفريقية حيث تنشط المجموعة بشكل مكثّف.
ونفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في مؤتمر صحافي يوم الجمعة، حصول أي لقاء جديد مؤخرا بين بوتين وبريغوجين، قائلاً، في الوقت نفسه: «هناك الكثير من التكهنات حول تحطم الطائرة والوفاة المأساوية للركاب، بما في ذلك يفغيني بريغوجين. كل هذا كذب محض. نعلم جيدا في أي اتجاه يتم التكهن في الغرب» في إشارة إلى تلمحيات أوكرانيا والعديد من الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا، إلى شُبهات بأن مقتل بريغوجين كان نتيجة عملية اغتيال اتخذ الكرملين القرار بشأنها. في حين، استبعد الرئيس البيلاروسي أن يكون بوتين ضالعا في مقتل بريغوجين. وقال لوكاشنكو، يوم الجمعة، إن نظيره الروسي «شخص يحسب الأمور، هادئ جدا وحتى بطيء لدى اتخاذ القرار بشأن مسائل أخرى أقل تعقيدا. لذا لا يمكنني أن أتخيل أن بوتين قام بذلك».

بوتين يُلزم فاغنر أداء قسم اليمين

علاوة على التحقيقات، فإن اختفاء بريغوجين وعدد من شخصيات المجموعة شبه العسكرية الروسية في حادث تحطم طائرة يثير تساؤلات حول مستقبلها، في روسيا وخارجها، لاسيما في القارة الأفريقية التي ظهر منها بريغوجين، قبل يومين من تحطم الطائرة، في شريط مصوّر قائلا إنه موجود مع مقاتليه فيها حيث يعمل للحفاظ على «عظمة روسيا» وكان ذلك أول ظهور مصوّر بالفيديو له منذ تمرده على القيادة العسكرية في نهاية حزيران/يوينو الماضي. فتحطم الطائرة لم يؤدي إلى مقتل زعيم ميليشيا فاغنر فحسب، بل إن الطائرة كان على متنها أيضاً وفق تقارير إعلامية، فاليري تشيكالوف، المسؤول عن الخدمات اللوجستية للميليشيا، أو ديمتري أوتكين، أحد مؤسسي فاغنر والذراع الأيمن لبريغوجين. وكان على متنها أيضًا قائد العمليات، «المسؤول عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها المجموعة» مثل أعمال التعذيب أو الإعدام بإجراءات موجزة، وفقًا للجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي. الأمر الذي جعل أولريش بونات، الباحث المشارك في معهد الدبلوماسية المفتوحة، يتحدث عن «عملية قطع رأس» لمجموعة فاغنر.
بعد أٌقل من يومين من الإعلان عن وفاة يفغيني بريغوجين، وفي خطوة رأى مراقبون ومللحون أنها تندرج في إطار مساعي الكرملين لتأطير نشاط فاغنر، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما يلزم عناصر المجموعات غير النظامية مثل فاغنر أداء قسم اليمين، كما يفعل جنود الجيش. بموجب نصّ المرسوم، بات لزاما عليهم التعهد بـ«الإخلاص» و«الوفاء» لروسيا، و«الامتثال الصارم لأوامر القادة والمسؤولين (الأعلى رتبة)». ويشمل المرسوم الأشخاص المدرجين كمقاتلين متطوعين والذين «يسهمون في تنفيذ المهام الموكلة إلى القوات المسلحة الروسية» و«هيئات وتشكيلات عسكرية» أخرى، بما يشمل قوات الدفاع التي تمّ تشكيلها خلال حرب أوكرانيا. وتوقعت كاترينا دوكسسي، الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنه «من المحتمل أن تضع روسيا قيادة جديدة على رأس فاغنر، أكثر ولاءً للكرملين وأكثر مراقبة مما كانت عليه في عهد بريغوجين، مع الحفاظ على أقصى قدر من الاستمرارية في الخطة العملياتية». الكرملين، أكد، يوم الجمعة، أنه لا علم له بما سيكون عليه مصير فاغنر وقال المتحدث باسمه ديميتري بيسكوف للصحافيين «في ما يتعلّق بمستقبلها، لا يمكنني أن أقول لكم شيئا الآن، لا أدري».
الرئيسُ الروسي فلاديمير بوتين، كان قد عرض على قوات فاغنر شبه العسكرية، بعد التمرد على القيادة العسكرية الروسية واتهام زعيمها يفغيني بريغوجين لها بعدم الكفاءة في إدارة غزو أوكرانيا، ثلاثة خيارات: توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية «أو أي وكالة أمنية أخرى» أو «العودة إلى الوطن» أو الذهاب إلى بيلاروسيا. فقد تم بالفعل، وفق تقارير صحافية، إعادة دمج مجموعة السجناء السابقين الذين جندتهم فاغنر في وحدات العاصفة Z الروسية. لكن «المجلس الأطلسي» للأبحاث رأى أن «دمج فاغنر في الجيش النظامي لا يبدو سهلاً بالنسبة لأولئك الأكثر ولاءً لبريغوجين». والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو مصير أفراد فاغنر الذين انتقلوا إلى بيلاروسيا – حوالي أربعة آلاف- في أوائل اب/أغسطس الجاري، وفقًا لرئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافيتسكي. كما أن ثمة سؤالا آخر يطرح نفسه بقوة الآن هو الحفاظ على أنشطة فاغنر في القارة الأفريقية، التي تعتبر منطقة مهمة للغاية بالنسبة للمجموعة الروسية شبه العسكرية، جمهورية أفريقيا الوسطى أو مالي أو حتى السودان.
ويتوقع بعض المراقبين والمحللين أن تستمر مجموعة فاغنر في مهامها، ولكن بطريقة خاضعة للرقابة من قبل «مبعوثين من الكرملين». فرغم اختفاء زعيم المجموعة يرى محللون أن موسكو ليس من مصلحتها حد أنشطة فاغنر المتعددة في القارة الأفريقية، بما في ذلك العسكرية منها إلى جانب الجيوش الوطنية في كل من ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي، ولكن أيضا السياسية عبر حملات تضليل وأخرى لزعزعة الاستقرار، ثم التجارية من خلال استغلال الموارد الطبيعية في عدة بلدان أفريقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية