التنوع واتساع الرؤى في مرئيات العراقي حسام البناي

حجم الخط
1

علاقة الفن بالحياة، تعتمد جدلية الوجود، بمعنى تأخذ بنظر الاعتبار السبب والنتيجة وبما يمنح سطح اللوحي بُعداً جمالياً في تعامله مع الواقع بكل تنوعاته، خاصة الطبيعة، فالنص مهما كان جنسه يُقيم هذه العلاقة بوعي أو يأخذ بمبدأ الجينات المعرفية، التي عمّق المعنى. فالتشكيل يتعامل مباشرة بالمرئيات ووفق مبدأ المنهج الذي يسير وفقه الفنان. لكن الحصيلة النهائية؛ هي عكس تلك العلاقة الوجودية بصورة شاملة آخذة بمبدأ الإبداع كعكس ثورة للحياة.
من هذا نجد ثمة توجه من أجل الخضوع للمؤثرات المباشرة، والحسية غير المباشرة في خلق عالم فني يستجيب للرؤية من جهة، ولفرضيات الواقع من جهة أُخرى. وفي المحصلة النهائية، تكون استجابة مؤكدة للشعور الطاغي للانتماء إلى الحياة. ولعل التنوع سمة يتحلى بها الفنان، لأنه يستجيب لمرائيه في الوجود بصورة تؤكد سعة نظرته واهتمامه بمعظم مفاصل الحياة اليومية، ومنها الأمكنة وتأريخها ـ كما نجد في لوحات الفنان حسام محمد البناي، حيث يطغى على لوحاته نوع من الكرنفال المقام على مكونات الحياة اليومية، فهو متأثر بالمكان وتأثيراته في الإنسان، وبالتالي يجرب في سياق فنه فعالية تنوع الأمكنة وخصائصها البيئية. كذلك مجريات الحياة اليومية، كما لو أنه يسجل يومياته المكللة بأبجدية التشكيل.
ومن أجل هذا يبرز تعامله مع اللون بروية وانتقاء، حيث يغلب على لوحاته الأخضر الذي يوحي بنماء الطبيعة والتوفر على رموز الإخصاب فيها، وهي خاصية قديمة حفلت بها تشكيلات الفن الرافديني، وحصراً مجسمات وجداريات السومريين، وكيفية تعامل الفنان آنذاك مع الألوان لتزجيج الأواني، خاصة الأواني التي تقدم فيها النذور للآلهة. لذا نجد الفنان يؤكد أهمية اللون كونه مفردة مركزية للتعبير عن حراك الوجود، وعلامة دالة على أبعاد فكرية ـ جمالية.
في تجربة الفنان البناي تستوقفنا جملة خصائص، سواء في موجودات اللوحة، أو دلالات رموزها البيئية، وهي خصائص توسم فنه التشكيلي بمستوى حيازة الهوية الفنية، لعل أهمها:
ـ الفضاء المتسع، سواء الأرضي أو السماوي، وهو نهج يُشير إلى تحقيق معادلة التوازن في وجود عناصر اللوحة، من ألوان وخطوط تعمل على جمع أطرافها لتقديم مشهد زاخر بالبهجة التي لا تخلو من الدهشة، التي تأخذ بذات الفنان لمتابعة المزيد من عناصر محيطه، وما اختزنته الذاكرة، وحصراً عناصر المكان وخصائصه. من هنا يستوقفنا أُسلوب الفنان في الرسم. فهو ليس انطباعيا، ولا يسعى للابتعاد عن هذه المدرسة الفنية، بمعنى يحاول تشكيل أُسلوبه الخاص في تحقيق رؤاه لما يحيطه، ذلك يظهر في تعامله مع الألوان التي تعكس رؤيته لعناصر البيئة، كذلك خصائص الأمكنة الشعبية التي تختزنها ذاكرته، وهو نوع من استرداد القيمة النوعية لما كان، وأصبح من بناة الذاكرة الفردية والجمعية. فالأمكنة هويات، والتجاوز عليها فعل تدميري. هذا ما يقوله الفنان تشكيلياً وهو يتعامل مع الأمكنة غير المنسية.

ـ يعتمد البناي في عكس عناصر بيئة الريف على مفردات رسختها رؤاه في الطفولة، فهو يتعامل معها ببراءة الطفل وعفويته وذاكرة إنسان تربى على مشاهد تؤكد أصالة الوجود. وهي دفاعات معرفية خالصة، فالاستعادة عنده تنحاز إلى هذا المرمى، لاسيما أنه يعيش في مدينة تحيطها البساتين بتاريخها الحافل بالعطاء. وبعد هذا يهتم بالألوان بحرفية عالية، وندرة في الاستعمال للون، كذلك اندفاع إلى تعميقه كالأخضر دليل تعميق وجود مفردات البيئة التي يعكس مشهدها. وعلى ما يبدو أنه كثير الولع بعكس مثل هذه البيئة بمجمل عناصرها المدهشة والمبهجة.
ـ تختزن ذاكرته مشاهد صحراوية من خلال تمثل عناصرها المحركة كالجِمال، فهو يُظهرها على سطح اللوحة بوضعيات متحركة ونامية للتدليل على حركة هذه البيئة التي شاهدها أو سمع عنها، وبهذا يؤكد صلابة هذه البيئة وليونتها في آن واحد.
ـ يأخذ بمبدأ التوثيق والتمجيد كزملائه الفنانين، من خلال الاهتمام برموز المدينة كربلاء التراثية، كـ(القنطرة البيضة) وهي معلم دال على صيغة المخيلة الشعبية في البناء من خلال تنظيم الشكل واختيار الألوان، كالأخضر ذي العلامة القدسية، الذي يميزه في العمل هو اختيار الزاوية التي ظهرت عليها صورة القنطرة، التي امتازت بكلية المشهد من جهة ، وتأكيد على القدسية بالمنائر من جهة أُخرى، وبكل ما من شأنه تجسيد صورة المقدس في المدينة.
ـ توظيف الرموز الأسطورية ذات المرمى القدسي كالرايات والكفوف والقباب والمنائر، وبذلك استطاع أن يقدم خصائص أمكنته بدلالات تأخذ من التراث ما يُرمم تآكل مفاصل الحياة اليومية، ومنها محو صور الأمكنة التراثية.
ـ ثمة توازن وتواز في الأعمال التي اتخذت من المكان محوراً لها. وهذا الشأن متأتي من طبيعة الفنان ككل وطبيعة ذاته المرهفة من خلال تعامله مع مفردات بيئته، فهو يتواصل في عكس مشاهداته عبر الدهشة المؤدية إلى السمة الشعرية في التعامل، إذ يبحث عن سر الجمال في الطبيعة، وكيفية تجسيد هذا عبر أدواته الفنية، وبالأخص اللون الذي يطغي عليه الأخضر المتمثل بالمقدس من جهة وبعراقة استعماله في الحضارات القديمة.
ـ عمد في بعض لوحاته على تشكيلها وفق طبقات تقترب من بنية الحكي. وهي مقطعات ذات دلالات، سواء متفردة بذاتها أو مجتمعة مع أقرانها. وهي تركيبات تؤشر لمديات سردية اللوحة عبر وسائل فنية خالصة.
ـ الفنان منشغل بالمكان الشعبي كالمحلة والسوق التي تعرضت للإزالة والمحو، وما على الذاكرة إلا خلق دفاعاتها، من خلال عرض المضمر والفاعل في الذاكرة، إذ يعمد إلى إظهار مشهد المحلة بكل ما من شأنه عكس جمالها وتاريخها. فهو شديد العناية بمكونات المكان عبر تنشيط فعالية آليات الرسم، فكثافة الضوء الداخل إلى المكان يُزيد من بهرجة وأصالة المكان، ويتعامل مع الظلال والعتمة بليونة، بما يحتويه من حيوات تتميّز بالحركة والفعالية، فهو يُظهر المكان وفق نشاط إنساني عفوي، كذلك السوق بما يحتويه من عرف التعامل وانسيابية الداخلين والخارجين إليه.
ـ يواكب نشاطه في تخيّل حركة الخيول، حيث لا تبرح ذاكرته صورة الخيول في لوحات الفنان فائق حسن، حيث نعتت بـ(خيول فائق حسن)، لكن هذا لا يعفي رؤى الفنانين من الخوض في غمار عالمها الواسع، سواء ارتباطها بالبرية أو الحقول، فهي حيوات نشيطة ومعبرة، يمكن العبور بدلالاتها وفق ذهنية فنية جدلية، لتنتج صورا عديدة لحركات ونشاط هذا الكائن المسكون بقوة الجسد ورشاقته، فقد ظهرت الخيول على حركات معبّرة برشاقة التوثب وحيوية الجسد وجماله. عموماً نرى في لوحات الفنان حسام البناي فعالية ذهنية تستقبل صورة الواقع، لتكون مع كثافة الرؤى خير عامل لإنتاج لوحة معبرة عن مفاصل الحياة اليومية، وما اندثر من الأمكنة من خلال أُسسها الفنية. وهو كثير العناية بما يكمل شروط الرسم، خاصة اللون والخط بما يحقق جمالية فائقة.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية