لماذا تفشل الجهود العربية والدولية في إنهاء الانقسام الفلسطيني؟

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”:

بات إنهاء الانقسام الفلسطيني أمرا شبه مستحيل من وجهة نظر الفلسطينيين، بعد فشل كافة الجهود الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية. وتسبب الانقسام بالعديد من الأزمات السلبية التي يتعرض لها المواطنون على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من الأزمات، التي أوصلت السكان إلى مستوى قياسي من الإحباط والتذمر، مع عجز المستوى السياسي عن الخروج من مأزق الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ولمّ الشمل الفلسطيني.

ونظم سكان قطاع غزة خلال الفترة الماضية حراك “بدنا نعيش”، وذلك نتيجة لتردي أوضاع السكان المعيشية بسبب استمرار الانقسام، وارتفاع معدلات الفقر وتراكم العديد من الأزمات ومنها أزمة الكهرباء، التي دفعت المواطنين للخروج والمطالبة بإنهاء الانقسام لتجاوز الأزمات الواقعة على غزة، والتي أدت إلى تذمر المواطنين والخروج إلى الشوارع للمطالبة بأبسط حقوقهم.

وتستعد اللجنة المنبثقة عن اجتماع الأمناء العامين للفصائل الذي انعقد في مدينة العلمين المصرية نهاية يوليو الماضي، للاجتماع مجدداً خلال الأيام المقبلة في مصر بمشاركة 11 فصيلاً فلسطينياً، لاستئناف الحوار ومناقشة القضايا الشائكة والعالقة، من أجل ترتيب البيت الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام الداخلي.

ومع استعداد اللجنة الذهاب إلى مصر لاستكمال المشاورات، لا يعوّل الفلسطينيون على أي آمال مرتقبة تنهي حالة الانقسام، بعد أن فشلت الكثير من وساطات الدول العربية والدولية في إحداث اختراق بهذا الملف المتواصل منذ أكثر من 16 عاماً على التوالي.

وفي تعقيب من حركة حماس على استمرار الانقسام وفشل محاولات تحقيق الوحدة الوطنية، صرح رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل خلال مقابلة صحافية قائلاً: “لا يوجد أسباب حقيقة للانقسام الفلسطيني سوى التنافس على القيادة، ليس فقط في فلسطين وإنما في العالم العربي”، مضيفاً أن “إسرائيل لا تريد أن تعطينا دولة، في حين أننّا متفقون على الأقل على دولة بحدود عام 1967، ومتفقون على القدس وعلى حق العودة، وإسرائيل لا تريد لنا ذلك”، متسائلاً: “فلماذا إذاً نختلف وندخل في حالة انقسام حقيقي من أجل التنافس على القيادة؟”.

أما رئيس مكتب العلاقات الدولية بحركة حماس موسى أبو مرزوق، فقال إن “حركته لا تسعى لإنشاء دولة في قطاع غزة”، مؤكداً رفضها عرضاً أمريكياً بهذا الخصوص، لافتاً إلى أن قطاع غزة الآن يدفع الثمن من أجل الحفاظ على الضفة الغربية، في حين ممارسات السلطة الفلسطينية تجهض أي حلول لمشكلات القطاع، وأوضح أن “مشاكلنا سهلة الحل لكن السلطة تعترض على كل حل تقدمه حماس” بحسب قوله.

أما حركة فتح، فتتهم حماس بالتهرب من استحقاقات المصالحة، وإفشال كل المحاولات التي تبذلها جهات محلية وعربية لتحرك الملف، ويعود ذلك إلى أطماع حماس واستفادتها من الانقسام، بعد أن انفتحت على العالم الخارجي، وأقامت علاقات على حساب السلطة الفلسطينية مع بعض الدول الإقليمية، وفق قولها.

وفي تعقيه على ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جهاد ملكة، إن الفشل المتكرر لجهود المصالحة الفلسطينية يعود لعدة أسباب، أبرزها غياب الثقة بين حركتي فتح وحماس اللتين تمثلان طرفي الانقسام، وهما مستفيدتان من الانقسام نفسه. ففي رام الله، هناك فئة استفادت من الانقسام، حيث ارتاحت من أعباء إدارة  قطاع غزة، بسبب تعقيد مشاكله ما بين فقر وحصار وسلاح مقاومة. في المقابل، هناك فئة في غزة لا تريد إنهاء الانقسام، لأنها استفادت منه وأصبحت من ذوي الرتب العالية والأموال والمشاريع، وهذا أدى إلى عدم توفر إرادة سياسية لدى طرفي الانقسام.

وأوضح في حديثه لـ”القدس العربي” أن هناك تحديات كبيرة تواجهها القضية الفلسطينية، كما أن هناك ملفات معقدة يصعب حلها تؤدي إلى فشل جهود انهاء الانقسام، ويعد ملفا الأمن والمعابر من أبرز الملفات الشائكة، يليهما ملفات الموظفين والانتخابات العامة والمحلية وانتخابات المجلس الوطني، إضافة إلى انضمام حركة حماس لمنظمة التحرير.

وأضاف المحلل السياسي، أن تداعيات الانقسام أثّرت بشكل سلبي على مجمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، ويمكن وصفها بأنها مدمرة لكل شيء في حياة الفلسطينيين. وأما من الناحية السياسية، ومع صعود اليمين الإسرائيلي، فقد أضعف الانقسام الموقف الفلسطيني، وقدم ذريعة إضافية لحكومة بنيامين نتنياهو الرافضة للرؤية الدولية للحل على أساس الدولتين، كما عزز الفصل بين شطري الوطن بحجة وجود حماس في غزة.

وبيّن أن الفلسطينيين لا يثقون في أي جهود لإنهاء الانقسام، بسبب التجارب الكثيرة والفاشلة في موضوع المصالحة. فمنذ أكثر من 15 عاماً،  تنقّل الفلسطينيون إلى بلدان العالم في جولات للمصالحة، وقُدمت عشرات المبادرات المحلية والإقليمية، لذلك من غير المتوقع أن تنجح أي جهود مستقبلية، طالما لا يوجد هناك تغييرات أو تنازلات سياسية في هذا الملف.

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور، إن إنهاء الانقسام أمر مستحيل، ويرجع ذلك إلى وجود جهات مستفيدة منه، ومعنية بإدامته سواء على المستويين الداخلي أو الخارجي، كما أن المخططين الرئيسيين والمستفيدين من الانقسام غائبون دائماً عن اللقاءات، وهذا يفشل جهود التقارب.

وأشار في حديثه لـ”القدس العربي”، إلى أن أمريكا تسعى جاهدة لخدمة إسرائيل بتشتيت الصف الفلسطيني وتعزيز حالة الانقسام، حيث تضع  الإدارة الأمريكية شروطا على السلطة الفلسطينية لقبول المصالحة مع حماس، ومنها اعتراف حماس بشروط الرباعية الدولية، خاصة الاعتراف بإسرائيل، حيث ترفض حماس هذا الشرط بشكل قاطع، وهذا ما يجعل من الانقسام أمرا يصعب حله.

وأوضح أن الانقسام أصبح قضية تتجاوز الأطراف الفلسطينية، فهو مخطط إسرائيلي أفرز خلافات فلسطينية حادة، وعدم ثقة بين الأطراف المتنازعة، وهدفه تدمير المشروع الوطني الفلسطيني وحل الدولتين، من خلال فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وبالتالي فإن أي محاولة لتجاوزه بما يؤدي لإعادة توحيد الضفة وغزة في سلطة وحكومة واحدة، تحتاج لموافقة إسرائيلية وإقليمية.

ولفت إلى أن هناك ملفات تزيد من الخلافات بين طرفي الانقسام وأهمها ملف الرواتب والمعابر وغيرها من القضايا الجوهرية، كما أن هناك اختلافا في البرامج السياسية فيما بين الطرفين. فعلى صعيد السلطة الفلسطينية وحتى خلال اجتماع الأمناء العامين في القاهرة، تواصل الاعتقال السياسي بحق عناصر حماس والجهاد الإسلامي، وهذا نهج يصعب على السلطة التوقف عنه لضمان بقائها في الحكم، كما يعيق موافقة حماس لقبول أي شروط لتحريك ملف المصالحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية