التلاميذ الصغار في الجزائر يكابدون سوء المناهج والآباء يدفعون الأثمان

ككل سنة تزداد مشاكل قطاع التربية في الجزائر، وعلى المستويين البيداغوجي بالنسبة للمدرسين والمتمدرسين والمادي بالنسبة لأولياء الأمور. فعلى المستوى الأول جاء قرار إدراج التربية المرورية كالصاعقة على الأولياء وأهل الاختصاص، وهذا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت صورة كاريكاتيرية لطفل في حالة هستيرية محاط بكم كبير من المواد، التي سيدرسها ويمتحن فيها، والتي بلغ عددها 14 مادة.
لنتخيل طفلا بعمر ثماني سنوات يتلقى كل هذا الكم من المعلومات، فهل هذا سيؤدي إلى توسيع معارف التلميذ وهو قادر على استيعابها؟ أم هي مجرد حشو ينتهي بفشل المتعلم وفشل مهمة المسؤولين عن قطاع التربية؟
على صفحة «ريم العمودي» على فيسبوك نقرأ عن تكثيف المواد على التلميذ والتهويل، كان بكل بساطة أن يجعلوه موضوع قراءة يعيها التلميذ ويطبقها وانتهى الأمر. تلميذ السنة الثالثة ابتدائي ما زال لا يتقن الكتابة والقراءة وهما أدوات التعلم، فكيف بدراسة 15 مادة، يمكن دمجها جميعها في مادة القراءة على شكل نصوص بسيطة، ويتم شرحها. أتساءل هل يمكن تعليمه في السنة نفسها لغتين فوق اللغة الأم، وهو ما زال لم يتقنها بعد، واللغتان متشابهتان في حروفهما مختلفتان في النطق، أراها صعبة جدا على ابن ثماني سنوات، وهذا مجرد رأي»؟!
إضافة إلى اعتماد منطق الحشو في المنظومة التعليمية في كل مرة يدرجون فيها مواد جديدة، فلا يؤخذ بعين الاعتبار واقع الجزائري المعاش، أولئك الذين يحيون على هامش المدن الكبرى والمناطق الحضرية، التي لا تتوفر، على الأقل، على رصيف معبد وإشارات ضوئية، حتى يمكن للتلميذ وعي ما يدرس ويمكنه تطبيق الخيال على الواقع. فمن يطلع على الملف الوزاري لأخذ فكرة، كما جاء في صفحة «التعليم في ذراع بن خدة» يدرك أنه قد يشكل عائقا لمن لا يوجد مقابل مدرسته ممرا للراجلين، ولا عمود إشارات ضوئية ومكونات الطريق، من حواف وأرصفة وطريق معبدة للسيارات وإشارات المرور ومن لا يستعمل مركبة في تنقلاته، وأخيرا، كما جاء في ملف التربية المرورية، بعنوان «إذا كنت سائقا» لندع الصغار يكبرون، ولا ندخل فكرة السياقة ومخاطرها في عقولهم الصغيرة منذ الآن. وكما علق صلاح الدين سناني: «نحن المعلمين، نقرر للتلاميذ التربية المرورية، نمدهم بشهادة سياقة في آخر السنة أو في نهاية المرحلة الابتدائية»! ويضيف «أنا خايف كل تلميذ، يقلك إن المعلمين ما يعرفوش يقروا التربية المرورية»!
عندما تتحول المدرسة إلى مركز تعذيب، كما كتب محمد علواش على صفحته، وتلقيه 14 مادة «للعلم فقط هذا الطفل عمره 8 سنوات، وكي يكمل المدرسة يروح للدار يحل على الأقل 5 واجبات منزلية. ماعندوش حق في اللعب أو الراحة»!
وتعليقا على تصريح وزير التربية الوطنية عبد الحكيم بلعابد أن «إدراج التربية المرورية في الوسط المدرسي من الأساليب العالمية» علق أمين أمين قائلا: «وزير التربية حريص على شحن المناهج بأشياء تحول دون تلقي التلميذ المهارات القاعدية في التعليم» وصاحب منشوره بمنشور عبد الغني بن يوسف، الذي كتب على صفحته «قالك من الأساليب العالمية! هل من الأساليب العالمية طفل يدرس في السنة الثالثة ابتدائي، عمره 8 سنوات، مطلوب منه دراسة كل هذه المواد والامتحان فيها: اللغة العربية، الرياضيات، التربية الإسلامية، التربية المدنية، التربية المرورية، التربية العلمية، التاريخ، الجغرافيا، التربية التشكيلية، التربية الموسيقية، التربية البدنية، المحفوظات والأناشيد، اللغة الفرنسية، اللغة الانكليزية، الأمازيغية»؟! (والمنشور أيضا نقلا عن أحمد فرحات).
أما على صفحة زهية جدي فنقرأ: «صباح الخير، أين أنتم أيها الأولياء؟ لماذا تسمحون بتدمير عقول أطفالكم بهذا الشكل؟! بل أنتم تشاركون في هذا التدمير، حينما تجعلون أولادكم يحفظون أمورا لا يفهمونها حتى أثناء العطل، التي يستريحون فيها من هذا الضغط، جاهلين أن العقل الذي يردد لا فكر له. يردد فقط، يردد ويتوقف عن التفكير».
ويبدو أن الوزارة تراجعت عن قرارها كما نقرأ على صفحة الأستاذة ابتسام: «الوزارة تتراجع وتؤكد: التربية المرورية ستكون تابعة للتربية المدنية وليست مادة مستقلة، وهذا استجابة لضغوط أولياء التلاميذ». بهذا يضاف عبء لمادة التربية المدنية التي في كل مرة تضاف لها مواد تثقل كاهل المعلم والمتعلم، مثل إدراج التراث ومسائله. فمن يحاول قراءة المقررات المدرسية للأطوار الثلاثة الأولى، محاولا تتبع سير التلقين والتعليم يصاب بالدوار. فكرة التربية المرورية جيدة لزيادة الوعي بمخاطر حوادث المرور، لكن ليس للأطفال بهذه السن، على الأقل تعليمها على مراحل، حسب مراحل أعمار التلاميذ.

وجع أب

انتشر مؤخرا، عشية الدخول الاجتماعي فيديو لأب، يبدو من لهجته أنه إحدى مدن الغرب الجزائري ومن المناطق النائية، يستغيث ويسخط، موجها كلامه للسيد وزير التربية، عن سوء أحوال العيش والغلاء الباهظ للأدوات المدرسية، وهو الأب لخمسة أطفال يدرسون، في ظل غلاء أسعار الأدوات المدرسية. خمسة أفواه ولوازم الدراسة لهم جميعا من يقدر على هذا الحمل؟ في ظل سعر كراس 32 صفحة بـ 60 دج، وقلم بـ20 دج، تقريبا و40 ألف دينار أدوات مدرسية، يتابع الأب بصوت باك، دامع، أين هذا المسؤول؟ حرمتونا من 5 آلاف دينار للطفل، قسما بالله أن خمسة يدرسون. شوف هذا الابتزاز (الأطفال) لم يدخلوا اليوم، ولم يدرسوا، وأطلب من ربي الموت خير، هذه الجزاير الموت خير، دفتر، روجيستر 550 دج، ابنتي تدرس في الثانوية، من أين لدي ما يكفي للشراء، لكن أسعار العام الماضي وهذا العام ليست واحدة، هذا العام محال، والله ما أراهم قاريين».
رسالة موجهة لوزير التربية، صرخة هذا الأب من العام الماضي، أعيد نشرها قبيل الدخول المدرسي لهذا العام، لكن غلاء أسعار الأدوات المدرسية في تزايد مستمر وتذمر الأولياء كبير وواضح، وتناقلته وسائل الاتصال الخاصة والعامة ووسائل التواصل الاجتماعي. ودعت عدة صفحات على فيسبوك، إلى ضرورة التعاون، وتشابك المساعي الخيرية والمساعدات للفئات ذات الدخل المحدود، وما أكثرها، ماذا يمكن للمحفظة أن تحمل، وماذا يمكن للفكر أن يستوعب، وماذا يمكن للجيوب أن تدفع؟

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية