في متحف زيوريخ: منى حاطوم تحاور كاتي كولفيتز

تعاملت الفنانة الألمانية كاتي كولفيتز مع الإنسانية في جميع أوضاعها، خصوصاً تلك المحفوفة بالمخاطر، من خلال التركيز على موضوعي الحرب والصراع، فقدمت فناً ضد هذين المفهومين بمهارة تعبيرية ثارت بها على توجيه مفهوم الفن من أجل الفن «l›art pour lart» وعلى الرغم من انتمائها إلى أسرة بورجوازية إلا أنها آثرت الانحياز إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي للدفاع عن آلام الإنسان، عبر مناصرتها لحقوق المسحوقين، الأمر الذي قاد إلى تهميش الرسومات الأولية التي أنجزتها والبراهين الدامغة التي حركتها بوعيها الإنساني والسياسي، فأنجزت مجموعةً واسعةً من أعمال الرسم، النحت، الحفر والليتوغرافي في تنوع أغنى تجاربها الفنية. كان تفاعلها مع سطوح أعمالها بتقنية شفيفة لتصبح غاية في حد ذاتها، ونضالاً من أجل مؤازرة المهمشين والدفاع عن حقوقهم المسلوبة.
قد يكون عنوان «اتخاذ موقف» مباشراً وصريحاً، لا يحتاج إلى أي شروحات، بل يرفع مستوى «الديسيبل» في عالم استنفد تكتيكاته في المراهنة على نهايات ترضي غرور مستبديه. العنوان القصير آنف الذكر لا يقبل المهادنة ولا يختبئ خلف سبَّابته أمام التغيير، وما يجب فعله، لا أن يكتفي بهز رأسه للأمر الواقع ويصفق لبدلة التوكسيدو.
في متحف الفن في زيوريخ وبالتعاون مع متحف كاتي كولفيتز في كولن، تحتضن صالة عرض شيبرفيلد – باو أعمال الألمانية كاتي كولفيتز لتحاور أعمال الفلسطينية – البريطانية منى حاطوم المتحيزة أولاً وآخراً للإنسان، في لقاء لتجربتين مهمتين عن موضوعي الحرب والصراع، ضمن الفترة الممتدة من 18-08- 2023- 12-11-2023 تحت عنوان «اتخاذ موقف: كاتي كولفيتز ومنى حاطوم». تُعتَبر كاتي كولفيتز أول امرأة يتم تعيينها أستاذة في جامعة بروسيا – أكاديمية الفنون في برلين، جابت شهرتها العالم في فترة ما بين الحربين العالميتين فبقيت رسوماتها، مطبوعاتها، منحوتاتها وملصقاتها محفورةً بشكل لا يمكن محوُهُ في الذاكرة الثقافية. في بداياتها تأثرت أعمالها المبكرة بالطبيعة الأدبية والميول الرمزية في الفنون البصرية، ومع ذلك لا يمكن أن يُنسبَ عملها إلى أي من الحركات الفنية في القرن العشرين؛ لأن كاتي كولفيتز تمتلك أسلوباً شخصياً للغاية نال إعجاب الباحث وجامع اللوحات وعميد الفن السويسري إيبرهارد كورنفيلد، الذي استطاع تلخيصه بالكلمات التالية: «في كل السنوات، سلكت طريقها الفني الخاص الذي يصعب وصفه، وإن أفضل وصفٍ لاتجاهها هو «الواقعية الإنسانية». فاللغة البصرية البسيطة التي تنطق من خلالها أعمال الألمانية تلامس الضمير الإنساني وتتجاوز التزمين والحدود الوطنية، نظراً لارتباطها بالواقع السياسي في ألمانيا آنذاك، الذي ينسحب على ما يحدث في عالم اليوم، المثال الأوضح على ذلك عملها المهم «الأمهات» 1921-1922، حيث تعيق الأمهات أطفالهن لمنع التضحية بهم في الحرب، فتشكلن من خلال العمل المنقوش على الخشب شكلاً دائرياً أشبه بالحِصن ضمن سلسلة أعمالها المعنونة «الحرب».
تزامن قدوم كولفيتز إلى العالم مع أحداث سياسية كثيرة؛ فقد كانت طفلةً في الرابعة من العمر عندما تم إعلان الإمبراطورية الألمانية في قاعة المرايا في قصر فرساي سنة 1871، وعندما بلغت السابعة والأربعين كانت تعيش في برلين منذ ثلاثة وعشرين عاماً، إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكان ابنها بيتر أول من قُتل في كتيبته في ساحة المعركة. كانت في الخامسة والستين من عمرها عندما تأسست جمهورية فايمار الديمقراطية في ألمانيا، وانهارت بعد ثلاثة عشر عاماً فور وصول أدولف هتلر إلى سدة الحكم، وما أعقب ذلك من تطورات دراماتيكية رسمت خريطةً أخرى قلبت كراسي المشهد السياسي. في سن الثانية والسبعين، شهدت اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي قُتل فيها حفيدها الأكبر بيتر سنة 1942 لكنها لم تعش لترى استسلام ألمانيا النازية، إذ توفيت في موريتسبورغ بالقرب من درسدن قبل ثلاثة أسابيع فقط من نهاية الحرب.

للفنانة الألمانية كاتي كولفيتز

في قاعة العرض تقع عيون الزوار على أكثر من ثمانين عملاً معلقة بشكل أنيق على الجدران في حوار مع خمسة تراكيب للفنانة المفاهيمية منى حاطوم الحائزة جائزة كاتي كولفيتز 2010 التي صرحت بعد تسلمها الجائزة، «أن فساتين التجارب الإنسانية الأساسية هي الألم والمعاناة والضعف و كذلك المألوف والمحلي الذي يتم تدميره، تهديده أو عزله من قبل المؤسسات» فتختلف رؤية الفلسطينية ـ البريطانية للحرب والصراع في تفاصيلها المفاهيمية والتقنية عن رؤية الألمانية، وهو ما صرحت به من خلال المداخلة التي أجرتها أثناء
الـ Preview الذي أتى قبل يوم من الافتتاح الرسمي لعرض تراكيبها في متحف زيوريخ، مشيرةً إلى الاختلاف الذي يصل أحياناً إلى مستوى التضاد الرؤيوي والتقني بين التجربتين الغزيرتين، فلدى مراجعة مجمل أعمالها نجد أن أعمال حاطوم المبكرة في ثمانينيات القرن الماضي، كانت موسومةً بالأداء المرتبط بالجسد، لكن بمواد وأشكال تختلف جذرياً عن الطريقة التي اتبعتها كولفيتز، فأعمال كولفيتز تقدم نفسها بأسلوب تعبيري أقرب إلى صرخة مدوية، من خلال حضور واضح للجسد، لاسيما في لوحتي الليتوغرافي «الانتفاضة» 1899 – كارمانول 1901، ومنحوتات «أم تحمل طفلها على كتفها» 1917 و»عاشقَان» 1915 و»برج الأمهات» 1938، بينما ترسل حاطوم صرخاتها المكتومة بأسلوب المينيمالزم والتجريد ليتسنى للمشاهد تفسير بصمة تلك الصرخة في داخله وهو ما لا يقود إلى تفسير جمعي.
منذ تسعينيات القرن الماضي، لم يظهر أي شخص في أعمال حاطوم فمنذ ذلك الحين، بدلت حاطوم أبطالها من خلال تراكيبها، وعثرت على أشياء لتجميعها، فهي لا تقدم أعمالها بظهور ثابت، بل بظهور ديناميكي من خلال التدريج، الحجم، والجودة اللمسية لموادها المدمجة وتُحوِّل النبض في تركيباتها إلى حسي وروحي.
في تركيبهاWorry Beads الذي أنجزته حاطوم سنة 2009 يستلقي التركيب المذكور على أرض صالة العرض لتجسد حبات مسبحة سوداء تشبه بوب كورن، فتصل إلى أبعاد هائلة يبدو من خلالها الكائن المليء بالرموز مُنَفِّراً إلى حد كبير عبر حضورها المشؤوم، في حين أن المسبحة عادة ما تكون مثبتة بألوان شبه مسبقة كأحجار كريمة، لؤلؤ، مرجان، خشب أو كهرمان، لكنها كرات ثقيلة مصبوبة من البرونز المطلي باللون الأسود تتواصل مع بعضها بعضا، من خلال سلاسل تقييد الأرواح والأقدام. تُلَمِّح حبات القلق التي يبلغ قطر كل منها 20 سم إلى العلاقة بين الثقافات، وكذلك إلى التاريخ المضطرب للطقوس الدينية والحروب، حيث تستطيع الروح تَخيُّلَ الأصوات التي تنبعث من حبات المسبحة على شكل قذائف متوالية، ويمكن سماع صوت وابل مدفع وانفجار يصم الآذان!
أما في تركيب حاطوم الثاني المكون من ثمانية أقفاص، فنرى أنها استخدمت فيه مواد الفولاذ الطري لتشبيك أقفاصها والزجاج المنفوخ في تشكيل غرائبي يربض في قاعدة كل قفص، الذي شاركت به حاطوم تحت مُسمّى «Cellules» «الخلايا» الذي أنجزته سنة 2012، حيث تتكون الخلايا من عدة أقفاص فولاذية مائلة قليلاً، تتوافق بشكل ملحوظ مع طول حاطوم. يحمل كل قفص جسماً زجاجياً أحمر، غير متبلور وهشاً يشبه الأعضاء المتحركة: الصدور أو المثانة أو المعدة، وتوحي بصمات قضبان الفولاذ الطري في أشكالها بأن المخلوقات الغريبة حاولت الضغط عبر الشبكة لكسر الأقفاص والتحرر منها، بينما تثير الطريقة التي تمكنت بها حاطوم من نقد القوة القمعية وهياكل العقاب البدني مشاعراً تحت الجلد، بعد أن قرأت في سن مبكرة نصوصاً كتبها ميشيل فوكو وجورج باتاي، وبعد دراستها المستفيضة لمفاهيم المراقبة والدولة وآليات التحكم الأخرى.

من أعمال الفنانة منى حاطوم

في تركيبها الثالث «مكعب (9 × 9 × 9)» الذي أنجزته سنة 2008 تقدم حاطوم عملها بأسلوب يشبه إلى حد كبير أسلوب الفنان المفاهيمي الأمريكي سول لوويت، وهو مفهوم مكعب معياري مكون من تسعة أجزاء أنجزه لوويت سنة 1977. يتكون مكعبا لوويت وحاطوم من شكل هندسي صارم يشكل شبكة من المكعبات مكدسة فوق بعضها. بينما يستحضر مكعب حاطوم مجموعة غنية من الارتباطات، مثل الألم، أو المتاريس أو معسكرات الاعتقال. ومن المفارقة، أنه على الرغم من كل القلق الذي يشعر به المرء أمام العمل، يبدو المكعب الخاص بها هشّاً إلى حد ما!
في التركيب الرابع تستحضر حاطوم فكرة «البرج» بأفكار إبداعية من خلال تركيب برجين برج 1 وبرج 2، فيبدو البرجان وكأنهما كتلتان كبيرتان ومتفحمتان أصيبتا إصابة جسيمة ويبدو أن حاطوم استمدت فكرته من ذكريات ثقوب الرصاص والصواريخ في أنقاض فندق «هوليداي إن» في بيروت.
في التركيب الخامس المعنون Remains of the Day يجسد خيال حاطوم الجريء الانحلال النهائي للعالم السياسي ونظامه، حيث يبدو الأثاث كما لو كان بقايا شبحية لبيئة عائلية داخل البرج الذي لا يمكن إصلاحه، فيعرف الزائر أن أسلاك أقفاص الدجاج هي الوحيدة التي تجمع الأجزاء المتفحمة من أثاث بيتين، بينما تبقى دمية السيارة شاهداً على كل ما نجا من التلف النهائي الذي خلفته الحرب.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية