غزة: تصاعد معدلات الانتحار والهجرة بين الشباب يدق ناقوس الخطر

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

تتابع المنظمات الحقوقية في غزة بقلق شديد تزايد أعداد الشباب الذين يلجؤون إلى الانتحار هرباً من الواقع المعيشي الصعب، حيث تسجل يومياً حالات انتحار في صفوف الشباب والبعض منها يتم إخفاء تفاصيل وفاتهم من قبل جهات الاختصاص، إلى جانب رصد ما يقارب أكثر من 18 ألف شاب من غزة قد تقدموا للحصول على فيزا للسفر إلى تركيا من أجل الوصول إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، وسط مخاوف المتابعين لهذه الظاهرة المقلقة، والتي تعتبر من الكوارث الاجتماعية التي ابتلي بها المجتمع الغزي، حيث دفعت مئات العائلات ثمناً باهظاً لهذه الهجرة المحفوفة بالمخاطر، بالإضافة إلى تفكير البعض من الشباب في الانتحار لضيق الخيارات أمامهم.
وفي قطاع غزة يقضي أغلب الشباب أيامهم متنقلين ما بين زحمة احتياجاتهم اليومية، وتوترات الوضع الأمني مع إسرائيل من جهة، ومراقبة جدول الكهرباء والثرثرات السياسية من جهة أخرى، وجميعهم يدورون في دائرة مغلقة لا تتوقف، أما التفكير في مستقبل أفضل لهم ولمستقبل أبنائهم، هذا يغيب عن حديث الغالبية نتيجة انعدام الأمن والحياة الكريمة وعدم وجود حلول في الأفق.
ويعتبر انعدام الأمل لدى الشباب، وغياب فرص العمل خاصة لدى فئة الخريجين الجامعيين الذين وصلت أعدادهم إلى مئات الآلاف، وزيادة معدلات البطالة والفقر وانهيار القطاع الخاص بفعل تدمير المنشآت الاقتصادية والشركات، فضلا عن القيود الإسرائيلية المفروضة على قطاع غزة، كل ذلك شكل أرضية خصبة لهروب شباب غزة الذين يتوقون لحياة أفضل حتى لو كان ثمنها الموت.
وأثار خبر انتحار الشاب محمد النجار قبل أيام، حالة من التذمر والغضب في صفوف سكان قطاع غزة، بعد أن نشر قبل وفاته بلحظات على صفحته على فيسبوك قائلاً: «مضطر إلى مغادرة هذا العالم، بعد أن استنفدت كل جهودي ومحاولاتي للشفاء من مرض الاكتئاب على مدار ثماني سنوات آخرها جلسات الكهرباء» ومن ثم أمسك قنبلة يدوية وفجر نفسه إلى أن توفي، وكانت هذه الرسالة بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة للجهات الحقوقية والمواطنين، بعد أن بات تفكير الشباب بالانتحار يزداد كحل أمامهم للتخلص من الواقع المرير. مختصون بينوا أن من بين أسباب لجوء الشباب للهجرة والانتحار الظروف الاقتصادية السيئة التي يواجهونها، بما في ذلك انعدام الأمن الغذائي وتفشي الفقر، في حين ما زالت مؤشرات الفقر والبطالة عالية، وتزايدت سياسات فرض الضرائب من الجهات الحكومية في القطاع، وبات هناك غلاء في الأسعار، ونقص سياسات الحماية الاجتماعية، وتدني مستوى الخدمات لا سيما الصحة النفسية.

سياسة التجويع

ومع سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 اتخذت إسرائيل ضد القطاع سياسة التجويع والانتقام وتشديد الحصار، فانتقلت سياسة التجويع إلى أقصى درجاتها مع تحكم إسرائيل بالمنافذ مع غزة، وتحول القطاع إلى ما يشبه معسكر للاعتقال الجماعي، وأدى الحصار إلى انهيار النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وانعدام الاحتياجات الأساسية للسكان، وهو ما أجبر الشباب للهجرة أملاً في الحصول على حياة أفضل.
وفي تعقيبه على الظاهرة المقلقة يؤكد الحقوقي صلاح عبدالعاطي أن توجه الشباب بشكل متصاعد وبمستويات خطيرة للهجرة إلى خارج القطاع وتوجه البعض للانتحار، قد ينذر بمخاطر كبيرة جداً على واقع الحياة في غزة، وعدم انتباه الجهات الحكومية المختصة للقضية وتجاهلها، سيزيد من حدة الأزمة ويوقع الجرائم، كون أن هناك من يرغبون بالهجرة، ولكن ليس لديهم مبالغ مالية كي يتحركون بها.
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن الانقسام الفلسطيني هو المتسبب الأول لما وصلت إليه الأحوال السيئة في غزة، بعد أن استغلت إسرائيل حالة الانفصال وأرادت الانتقام من حماس بتشديد الحصار على القطاع، في خطوة لإجبار الشباب على الانفجار بوجهها، والخروج من غزة والهجرة بعد غياب الأمل لديهم بالحصول على واقع معيشي آمن.
وأضاف أن الظروف الصعبة التي يتعرض لها الشباب، تسببت لهم أمراضا نفسية صعبة وزادت من معدلات الإصابة بالاكتئاب الذي يضرب القطاع بقوة ووصل إلى معدلات مرتفعة لعدم وجودة مستشفيات كافية خاصة بالصحة النفسية، تحد من تراكم الحالات التي وصلت إلى خيار الانتحار، حيث يوجد في غزة مستشفى واحد فقط لأمراض الصحة النفسية يخدم 2.5 مليون مواطن.
وطالب عبدالعاطي الجهات الحكومية بضرورة وضع برامج تشغيل دائمة للشباب، كي يتمكنوا من الحصول على ظروف معيشية مناسبة، وابعادهم عن التفكير في الهجرة أو الانتحار.
وأظهرت نتائج مسح البنك الدولي، أن 71 في المئة من سكان غزة يعانون من داء الاكتئاب، وسبعة في المئة مصابون باضطراب ما بعد الصدمة، وباقي المجتمع معرضون لاضطرابات الصحة النفسية الشائعة والتي لها علاقة طردية بالفقر المدقع، في المقابل وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 210 آلاف حالة اضطراب نفسي في غزة، وذكرت أنه يوجد شخص من بين كل 10 في حاجة إلى علاج نفسي سريع، ونشرت وزارة الصحة في غزة تقريرا جاء فيه أن الأمراض النفسية ارتفعت إلى 62 في المئة، حيث أن للاكتئاب النصيب الأكبر من الانتشار.
ويفيد بيان للجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، بأن نحو 60 في المئة من السكان في قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما يعيش نحو 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر، عدا عن الزيادة السكانية الكثيفة في القطاع، والتي زادت من الضغوط النفسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية