البروفسور نور القادري: الحضور في الإعلام يحتاج لحكمة والتزام القانون

زهرة مرعي
حجم الخط
1

جالية عربية تجمعها فلسطين رغم الانقسام في كندا والأكاديميون متميزون

بيروت ـ «القدس العربي»:  الدكتور نور القادري بروفسور في جامعة اوتاوا وأستاذ في كلية الدراسات العليا في التخطيط الإستراتيجي، ويحاضر في مادة الذكاء الاصطناعي في كلية الهندسة، ويدرّس طلاب الماجستير في اختصاص إدارة الأعمال الإلكترونية.

حاز الإجازة في علوم الكمبيوتر والماجستير من الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت، وهاجر إلى كندا سنة 1998 وبدأ العمل بالتزامن مع الإعداد للدكتوراه. وبعدها بأربع سنوات بدأ التعليم في جامعة اوتاوا.
يقدّم البروفسور نور القادري صورة مشرقة للعرب طلاباً وأساتذة في جامعات كندا، ويقدر عالياً أن الجالية العربية تجتمع على قضية فلسطين، وتحقق نجاحات.
مع البروفسور نور القادري هذا الحوار:
○ ما هو عدد الأساتذة اللبنانيين والعرب في جامعة اوتاوا؟
• لست أملك رقماً، لكن الأساتذة العرب واللبنانيين تحديداً هم الأبرز والألمع في جامعة اوتاوا. والدكتور عبد المطّلب الصديق من أهمهم في كلية الهندسة، مختص بعلوم الكمبيوتر ويحمل صفة الأستاذ المتميز. وحالياً هو أستاذ معار لرئاسة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. حصّل علومه الجامعية في لبنان، وحاز الدكتوراه من ألمانيا. هاجر إلى كندا وبدأ التدريس في جامعة اوتاوا. والدكتور حسين العثمان لبناني شغل منصب مدير كلية إدارة الأعمال الإلكترونية. والدكتور رامي أبو المنى يدرّس الذكاء الاصطناعي، وغيرهم الكثير من الأساتذة المتميزين عرباً ولبنانيين في جامعة اوتاوا. وهذا ما عبّر عنه عميد كلية إدارة الأعمال البروفسور ستيفان بروتوس خلال الافتتاح السنوي للعام الدراسي. التقليد الجامعي يحتّم اختيار أغنية للمناسبة، واختار العميد أغنية الشاب خالد «دي دي واي» تكريماً للأساتذة العرب الذي يؤدون عملاً ممتازاً في الجامعة.
○ هل من إطار أكاديمي يجمعكم كأساتذة عرب؟
• عندما كنت رئيساً للاتحاد العربي الكندي لخمس سنوات تقريباً توزّع نشاطنا على العديد من القضايا المهمة ومنها قضية فلسطين. مرّة كنا بصدد الإعداد لرسالة خاصة بفلسطين توجه لرئيس مجلس الوزراء الكندي، وكانت المفاجأة أنّ الكثير من الأساتذة العرب كانوا بانتظار إطار للتعبير من خلاله. جمعت الرسالة 387 توقيعاً لأساتذة جامعيين، ووردتنا العديد من التواقيع دون سؤال أصحابها.
○ وما الذي استدعى الرسالة؟
• تعرّض غزّة لقصف إسرائيلي عنيف. طلبنا كأكاديميين إدانة لهذا العنف من رئيس الحكومة، لكونه خرقاً فاضحاً لحقوق الإنسان، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وبنود أخرى. واخترنا لتوجيه الرسالة أستاذين جامعيين كبيرين هما الدكتور عاطف قبرصي من جامعة ماكماستر، والدكتور هاني فارس من بريتش كولومبيا، وهما كبيران بالمرتبة الأكاديمية والسن، ولإسميهما منح الرسالة ثقلاً وصدقية.
○ متى تأسس الاتحاد العربي الكندي؟
• سنة 1967 إثر الهزيمة، ومن بين مؤسسيه الدكتور ابراهيم السلطي الذي تولّى رئاسة الجامعة الأمريكية في بيروت، والدكتور سليمان أبو ستة وآخرين. وحالياً يشغل منصب رئيس مجلس أمناء الاتحاد العربي الكندي الدكتور عاطف قبرصي. والاتحاد في مرحلة البحث عن رئيس جديد بعد طلبي الاستقالة من المهمة لترشّحي لمنصب عمدة مدينة اوتاوا العام الماضي. والاتحاد بصدد تغييرات دستورية، بعدها يصار لانتخاب رئيس جديد.
○ هل بات الصوت العربي مسموعاً في كندا في السنوات العشر الماضية؟
• للأسف لا. لا اتحاد على صعيد الجالية، ولا مؤسسات تجمعها. الجاليات تحمل انقساماتها إلى المهجر، من العراق أو فلسطين أو لبنان أو سوريا. الجالية مرآة لانقسامات بلدانها. نسعى للانطلاق نحو المهنيين من أبناء الجالية والقادرين على وضع الخلافات جانباً، فالخلاف «لا يفسد في الود قضية» ونبحث عن القاسم المشترك. حققنا نجاحات لكنها لا ترتقى لمستوى حجم الجالية العربية وامكاناتها.
○ لو اتحدت الجالية نسبياً كيف تتصور الواقع؟
• لتعاملت معنا قيادات الأحزاب السياسية في كندا كتعاملها مع اللوبيات الأخرى، ستبحث عن قياداتنا لتطلب مرشحين للانتخابات. اتحاد الجالية العربية سيؤثر على حضورنا داخل الأحزاب، ويمكننا تحقيق ذلك بسهولة ولدينا أمثلة. ففي العام 2016 لدى انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي الجديد في ادمنتن، ومن خلال مجموعة صغيرة من أبناء وبنات العرب وجهنا الاهتمام نحو استصدار مرسوم لدعم فلسطين، ولم يجد قبولاً. وفي المؤتمر التالي للحزب نفسه والذي عُقد في اوتاوا سنة 2018 خسر المرسوم 11 صوتاً، المؤيدون للمرسوم 189 من 389 صوتا. وفي عام 2021 حصل المرسوم على تأييد ثمانين في المئة من المؤتمرين وشكل مفاجأة للإعلام والصحافة ولرئيس الحزب الذي اضطرّ لتغيير الكثير من سياسات الحزب لتتماشى مع القاعدة.
○ المثابرة تحقق النجاح؟
• صحيح، فاحياناً نحتاج للصبر. وسجلنا نجاحات أيضا مع مؤسسة «صوت عرب كندا «AC vote وهو ما خططنا له بقيادة الحزب الليبرالي في اونتاريو، حيث تمكنّا من مشاركة 94 مؤتمِراً في المؤتمر العام، ونسبتنا 9 مع اللقاء الذي حقق ربحاً. تنظيم هذا المؤتمر كان ممتازاً جداً، وفشلت محاولات السيطرة علينا بالمفرّق، تواصلوا معنا منفردين، والرد نحن جزء من المجموعة، وتأكيد الانتماء للمركزيتنا كعرب، التنظيم الجدي فاجأ مسؤولي الحزب الليبرالي. بالعودة إلى التجربة مع مؤتمر الحزب الديمقراطي الجديد ومرسوم دعم فلسطين فنحن تعلّمنا من أخطائنا في المرة الأولى والثانية، وأسسنا لعملنا، فنجحنا باكتساح في المرة الثالثة. مشاريعنا صغيرة، نسعى لتقديمها مؤسساتياً لنتمكن من الاستمرار والبناء عليها للمستقبل. وهنا البناء ليس فقط على قدرات وأصوات الجالية. ففي العالم كثير من القضايا المحقة وعلينا أن نستقطب الدعم لها إينما وجدت. أتى الدعم الكبير من النقابات العمّالية، ومن السكّان الأصليين، وجمعيات متعددة نتقاطع معها في قضايا العنصرية خاصة من ذوي البشرة السمراء، وكل من نلتقي معهم على قضايا مشتركة.
○ هل يختار الباحثون من طلاب الماجستير والدكتوراه عناوين من القضايا العربية؟
• صدرت العديد من الأطروحات في هذا الاتجاه، ومنها في القضية الفلسطينية، والقانون الدولي وحقوق الإنسان، ونوقشت الأطروحات في جامعات كارلتون وماك ماستر وتورونتو وماكغيل واوتاوا. أي طرح لحقوق الإنسان، فالشعب الفلسطيني وقضيته من صلبه. نلمس لدى الباحثين بتلك القضايا وعياً بتفاصيل عالمنا العربي وقضاياه، وهولاء قد يكونون انكليزاً أو فرنسيين، أبحاثهم تجعلهم متفهمين ومتماشين مع مشاريع دراساتهم. وحالياً يُحضر لمنحة مستمرة باسم الصحافية الشهادة شيرين أبو عقلة في كلية الصحافة في جامعة كارلتون، ويشرف عليها مباشرة مدير الكلية الكتور آلان ثومسون.
○ ما هو الأثر الذي يتركه أساتذة الجامعات العرب وغيرهم من المؤيدين لقضايا العرب المحقة؟
• يمثّل أساتذة الجامعة رأياً، وهم مؤثرون جداً في نقاشات مشابهة، للأستاذ الجامعي متابعون ويؤخذ برأيه. شخصياً صُنّفت ضمن مجموعة الأساتذة المسمّاة «خبراء تحت الطلب» لوسائل الإعلام. والجامعة هي من تضعنا بالتصرّف، إسبوعياً أحضر في الإعلام الكندي المرئي والمسموع والمكتوب. على سبيل المثال كان لجامعة اوتاوا مؤخراً منشور حول البريكس، وتلقيت اتصالاً للموافقة على طرح اسمي للإعلام إلى جانب مجموعة من الزملاء، وهذا ما حصل. وفي وقت سبق اجتماع البريكس، كنت في حوار على الستي نيوز حول الذكاء الاصطناعي، وعلى سي بي سي راديو علّقت على مشروع شات جي بي تي الجديد والمسمى «وورلد كوين». إذاً دور الأساتذة الجامعيين يتخطى الدائرة الصغرى فهم خبراء في الإعلام يتمّ استدعاؤهم لمحاضرات خارج الجامعة، وكتابة المقالات، وهكذا تتوسّع دائرة التأثير.
○ لبعض الإعلام مهمة غسل الأدمغة. كيف تلمس تأثير حضورك وزملائك في الإعلام الكندي؟
• نحن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي كندا حالياً أزمة مع فيسبوك وغوغل. يمكنني الإعلان عن حوار معي على وسيلة إعلامية كندية، ويمنع لاحقاً وضع اللينك الخاص بها. فالقانون الجديد الذي تصوغه الحكومة ولّد مشكلات مع إدارتي فيسبوك وغوغل، تطلب الحكومة من الشركتين دفع المال بدل وضع لينك للمحتوى الكندي، قبل هذا الخلاف كنا نصل بنسبة أكبر عبر «بوست» و«شير» لللينك على كافة وسائل التواصل، فيصبح التأثير أكبر وكذلك الوصول للناس أوسع. قبل 20 عاماً كان الإعلام الكندي مغلقاً أمامنا، فلم يعد بالامكان تجاهلنا، لنا قدرة وضع بصمتنا والوصول إلى الإعلام ساعة نشاء.
○ وهل أنتم بمنأى على التجريم والإدانة حول بعض التعابير؟
• الظهور في الإعلام الكندي يحتاج حكمة «أكل العنب وليس قتل الناطور». نحن نتعامل مع الموضوع في إطار القوانين الكندية، وفي الوقت نفسه لا نسير على الطرف، وشجعان. نعارض مواقف للدولة والوزارات، وأسلحتنا كثيرة، إن قلنا إسرائيل دولة فصل عنصري ستجتاحنا المواجهة، وإن قلنا «إمنستي إنترناشيونال» صَنّفت إسرائيل دولة فصل عنصري، سيكتسب الكلام وزناً أكبر. نحن الأكاديميون نستعمل هذه «الريفرانسيس» بما يؤدي لتأثير أكبر في الناس، تصل الفكرة دون مخالفة القوانين.
○ وهل تعبير الحركة الصهيونية الاستعمارية متاح؟
• أردده عشرات المرات يومياً. نأخذ بالحسبان أننا نريد تكرار هذه الأفكار في الإعلام، وليس التلفظ بما يمنع دعوة الخبير مجدداً للظهور الإعلامي، تسجيل الموقف ليس الهدف، بل إيصال الأفكار والتواجد الدائم في الإعلام دفاعاً عنها، والتراجع عن المبادئ غير قابل للنقاش.
○ قرأنا عن مراقبة للطلاب العرب وخاصة الفلسطينيين في الجامعات الكندية من قبل اللوبي الصهيوني. هل ما يزال قائماً؟
• هو خوف غير مبرر، والطلاب العرب هم الأكثر عدداً في الجامعات، ونشاطهم يتوسّع. قبل خمس سنوات جرى تصويت في جامعة ماكغيل حول حركة المقاطعة «بي دي أس». وصل الأمر برئيس الوزراء ترودو للتعليق عبر تويت «لا مكان لهذه الحركة في ماكغيل» وهو خرّيجها. أحد الزملاء في الجامعة أخبرني عندما جاءه ابنه وطالبان لبنانيان وآخر فلسطيني للقول «عمو لن يُحدِث صوتنا فرقاً فاليهود هم المؤثرون في الجامعة». اقنع الطلاب الأربعة بالذهاب معه للإدلاء برأيهم. فجاءت النتيجة أن ثلثي الأصوات أيّدت فلسطين، والطالبة نور علي ديب العضو السابق في مجلس إدارة الاتحاد العربي الكندي من أصل سوري، فازت برئاسة اتحاد الطلبة في اونتاريو وهي بعمر 23 سنة، وتمثّل364 ألف طالب. وكان لمجلس فرع الطلاب في اونتاريو قرار بدعم الـ«بي دي أس». وكنقابة تمثّل الطلاب تمكنوا من اتخاذ قرار بالتبرّع لأي مشروع في الجامعات خاص بالشعب الفلسطيني بـ500 دولار دون الرجوع لأي هيئة، القضية الفلسطينية هي قاسمنا المشترك كعرب في كندا.
○ وماذا عن ترشحك لعمدة اوتاوا؟
• ترشّحت ليس بهدف الفوز من المرة الأولى، بل لبناء أساس للمستقبل كما درجنا على العمل. بلغ المرشحون لمنصب العمدة 14 واُخْتِرت من بين الأربعة الأوائل. وشاركت بـ 13 من 14 مناظرة. في هذا الترشح نجحنا بوضع أسس متينة نبني عليها للمستقبل. كنت حيال 12 هدفاً في ترشحي هذا، تحقق 8 منها، و2 جزئياً، ولم يتحقق هدف الفوز بالمقعد مع آخر، والآتي سيكون أجمل.
○ لماذا تثار مخاوف حول القدرات الخارقة للذكاء الاصطناعي وبأنه سيحلّ مكان البشر في أعمالهم وحتى إبداعاتهم؟
• الخوف يسود كافة الأمكنة وهو غير مبرر. الذكاء الاصطناعي مبني على مبدأ قديم حدثت حوله الكثير من التطبيقات. أدرّس المادة منذ سنة 2004 في جامعة اوتاوا، وحينها تحدّثت لطلابي عن الحجم الكبير للذكاء الاصطناعي نظرياً، وحجمه الضئيل في التطبيق. بعد عشر سنوات أقلعت عن هذا الكلام، وبعد 20 سنة بات التطبيق هو الأكبر حجماً. بعد «تشات جي بي تي» والذي يمثّل مشروعاً واحداً، في حين توجد مئات المشاريع بمستواه وأكثر أهمية، لم تنل الحق الإعلامي الذي تحتاجه. هناك مؤتمرات ومؤسسات تأخذ بالذكاء الاصطناعي نحو الخير واختصاره «إي آي فور غوود AI for Good ». وفي هذا العام الجامعي أنا بصدد مقرر جديد عنوانه «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» أدرّسه في كلية الهندسة. كما سائر أنواع التكنولوجيا يمكن توجيه الذكاء الاصطناعي نحو الخير والشر، وهو يحتاج لأخلاقيات محددة، وهذا ما تقوم به مجموعة من الأساتذة في مونتريال. الدفع يجري باتجاه رفع الخوف من الذكاء الاصطناعي والسعي ليكون بالاتجاه الصحيح. انقسام الذرّة مفيد في إنتاج الكهرباء، وفي الصحة وخاصة علاج مرضى السرطان، لكنهم سارعوا لاستعماله في القنبلة النووية، والديناميت يمكن استخدامه لتفجير الصخور ولصيد السمك معاَ. ويحمل الذكاء الاصطناعي المفيد للبشرية ومنها الأدوية التي يمكن إنتاجها بسرعة، وخاصة تلك المتعلّقة بالأمراض المستعصية، وسيحفز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بطريقة أعلى. بالطبع الشر موجود وهناك من يتبناه لسرقة خصوصيات الناس وبياناتهم الشخصية، وحتى الحسابات المصرفية. وفي المنطقة الرمادية السؤال هل يُستنسخ بشر شبيهون لمن رحلوا؟ الدكتور عبد المطلب الصديق الذي يعمل على ما يُسمّى التوأمة الرقمية يقول بهذه الإمكانية، كأن يكون أحدنا حاضراً في ستاد الفوتبول وتوأمه الرقمي يحاضر في الجامعة، وهذا لم يعد بعيد المنال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية