الواقعية السحرية واللاواقعية

ليس السرد غير الواقعي خلوا من صور الواقعية، بل هي جزء منه، ولكنها ليست كله. والسبب أن هذا السرد لا يخضع لقانون الاحتمال الأرسطي، ولا يعمل وفق نظرية المحاكاة الفنية. وأي حصر له في صورة من صور الواقعية إنما هو بتر لممكنات السرد غير الواقعي ومواضعاته التي تعود أصولها إلى المرويات التراثية القديمة، التي منها استمد السرد الأوروبي تطوره، بدءا من عصر النهضة.

إن هذا الفارق المفاهيمي بين السرد غير الواقعي وصور الواقعية لاسيما الثلاث (السحرية/ العجائبية/ الغرائبية) هو الذي به نستكشف ما في الموروث السردي العربي من تمثيلات تدلل على وجود تواصل أدبي مستمر لم ينقطع ومن ثم لا هوة بين السرد قديمه وحديثه ومعاصره.

بيد أن الشائع تصوره غير ذلك، وهو أن الواقعية السحرية (نموذج أدبي فريد) وهي من نتاج العقل الغربي، وأنها السبب في أن يعرف أدباؤنا ما فوق الواقع، وأن حكايات ألف ليلة وليلة هي (جزء في تكوين الواقعية السحرية لكنها ليست كل الواقعية السحرية) كما يذهب حامد أبو أحمد في كتابه «الواقعية السحرية في الرواية العربية» وفاته أن كتّاب أمريكا اللاتينية ما اهتدوا إلى الواقعية السحرية إلا لأنهم اتخذوا من ألف ليلة وليلة مرجعا، أو موئلا مهما لصناعة التخييل، وأسطع مثال بينهم بورخس.

إن السرد غير الواقعي ليس هو الواقعية السحرية، لأنه لا يتحدد بالمواضعات التي فيها تعمل هذه الواقعية، ومن خلالها تعيد إنتاج الواقع عبر الموازنة بين ما هو واقعي وما هو خيالي، إنما مراد السرد غير الواقعي هو صناعة واقع جديد لا يحاكي واقعا آخر، أي واقع فريد وليس مجرد إعادة تصنيع الواقع. ولأجل ذلك يستعمل عناصر من غير الممكن لها أن تكون سردية، أي يستحيل عليها أن تكون مقبولة في التصور العقلي الواقعي وبالفهم الأرسطي الذي فيه كل نشاط فكري لا يحصل من دون واقع متخيل، شبهه سارتر بعملية التمثيل الغذائي فـ(مثلما أنه لا يوجد هضم من غير طعام كذلك لا يوجد تفكير من غير صور، أي من غير مواد تستجلب من الخارج) ومن هنا يكون السرد الواقعي شيئا، والسرد غير الواقعي شيئا آخر، ففيه يقص السارد ما لم نسمع به أو نره سابقا، فلا مثال له يمكن محاكاته في الحياة الواقعية، كونه غير ممكن الحصول ولا هو حصل ولا يمكن أن يحصل أيضا. وتحفل النصوص السماوية بالسرد غير الواقعي، لأنها تخبرنا بما لا واقع سابقا له كي يكون محتملا فيه أنه يحاكي واقعا ماثلا أو موجودا. وفي هذا دلالة قاطعة على أمرين: الأول أن السرد غير الواقعي هو الأصل الذي عرفه الإنسان كحكايات خرافية وأساطير وملاحم فيها كل ما هو مستحيل ثم نزلت الكتب المقدسة حافلة بالمعجزات. والثاني أن اللاواقعية هي القاعدة التي عليها قام السرد الواقعي وليس العكس كما يتصور للوهلة الأولى. وتكاد تشغل القصة القرآنية ثلاثة أرباع القرآن الكريم. وكل قصة تحفل بعناصر سردية غير واقعية، أي ليس لها أن تكون متخيلة، وفق قانون الاحتمال الأرسطي ولكنها حقيقية بوصفها معجزات ربانية تسردها ذات إلهية مطلقة في قدراتها، ولا حدود لها لأنها المالكة والخالقة لكل شيء.

إن السرد غير الواقعي ليس هو الواقعية السحرية، لأنه لا يتحدد بالمواضعات التي فيها تعمل هذه الواقعية، ومن خلالها تعيد إنتاج الواقع عبر الموازنة بين ما هو واقعي وما هو خيالي، إنما مراد السرد غير الواقعي هو صناعة واقع جديد لا يحاكي واقعا آخر، أي واقع فريد وليس مجرد إعادة تصنيع الواقع.

ففي قصة النبي سليمان نجد النملة تتكلم، ونجد الطير والعفاريت والرياح مسخرة لأمره، وفي قصة النبي عزير تُعاد إلى الحمار الحياة، وفي قصة النبي موسى تتحول العصا إلى أفعى، ومثل ذلك قصة الناقة العجيبة وقصة أهل الكهف وقصة الرجل الصالح الذي يعرف الغيب وقصة ذي النون، الذي غيّر وجهة الشمس وقصة إسراء النبي محمد ومعراجه إلى السموات العلا. ومثل هذه القصص المقدسة في لا واقعيتها نجده أيضا في التوراة والزبور والإنجيل، ففي هذه الكتب السماوية ما لا عين رأت ولا إذن سمعت وليس للعقل أن يتصور حصولها، لأن من غير الممكن حدوثها ولكن التحبيك السردي هو الذي يمنطق إعجازها ويجعله مقبولا، فضلا عن أنه يحكي عن أمم غابرة وعوالم بائدة، هذا أولا وثانيا أن الإنسان أبدع الأساطير والملاحم وابتكر لنفسه مواضعات أدبية وبطقوس روحية توارثتها الأجيال، وثالثا ثقة الجمهور بـ(الحضور المصطنع Artificial Authority) أي قدسية ما ينقله الحكاء من أخبار لا شهود عليها، ولا محاكاة يعتمدها، ومع ذلك يتقبلها المتلقون واثقين ومنجذبين يتعلمون ويأخذون الحكمة من دون أن يعترضوا أو يشككوا ـ بل إن التشكيك في الحكاء، أو عدم الثقة به تعني تدنيس المقدس والمروق عليه والكفر به. وبهذه القدسية استمرت اللاواقعية قاعدة، سواء قبل نزول الأديان السماوية أو بعدها حتى ترسخت اللاواقعية، وانبنت عليها بمرور الزمان مواضعات السرد القديمة، ثم قامت على هذه المواضعات أشكال وأنواع عرفها السرد العربي القديم، وكان لرسوخها في العصور الوسطى أن انتقلت إلى الأمم المجاورة كتقاليد هي بمثابة عقد ساري المفعول بين الحكاء الذي هو موثوق به كمعلم وحكيم، والمتلقي الذي هو سامع مطمئن إلى ما يسمع ومصدق يتعلم الحكمة ويتزود بالخبرة.

بيد أن المفارقة كانت في العصر الحديث، إذ تحول هذا التصور الطبيعي للقاعدة اللاواقعية، وما بُني عليها من مواضعات إلى تصور غير طبيعي، معه صارت اللاواقعية عيبا وخللا. أما الواقعية فغدت عند الفلاسفة العقليين ونقاد الفن والأدب هي القاعدة لكل ما هو معقول، ما أوجب على القاص أن يحاكي الواقع، وكلما كانت هذه المحاكاة أقرب إلى الواقع، كان ذلك مقبولا وطبيعيا. وبهذا الفهم الفلسفي للواقعية، غدا المؤلف محاكما من قبل القارئ إن هو قدّم شخصية غير ممكن لها أن تكون واقعية، أو وظّف أحداثا من المستحيل حصولها. وهذا ما جرّد المؤلف من دوره وقلل من مركزية التخييل في أداء وظيفته القديمة معلما وحكيما. وقد حدا الأمر ببعض الواقعيين إلى أن يجردوا المؤلف من دوره كحكاء، وأن من غير الجائز له أن يتدخل في ما يسرده، وجاء البنيويون فتشددوا في هذا الجانب إلى درجة أنهم قالوا بانفصال النص عن منتجه كليا، لأنه كيان غير موجود داخل السرد ولا ضرورة لحضوره في متن النص. وهو ما رفضه النقاد الجدد ومنهم واين بوث الذي رأى: (أن قولنا إن كاتب الرواية يجب ألا يُظهر أي دلائل على سيطرته المطلقة في روايته هو بالفعل إدانة لجميع الأعمال القصصية الأولى تقريبا).

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية