المُهمَلات

حجم الخط
2

لا أحدَ يزور ليل المُهمَلات، وحدهنّ يمشّطن شعرهن، يحكُكْن جلد أذرعهن الخشن، فيفتح فيه الحنين خنادقَ كلّ ليلة، ويغلقه بخيبةٍ كلّ صباح. لا أحد يسأل عن ليل المُهملات، يرتطمنَ بالجدران بعدد دوران عقارب الساعة في الساعة، يأكلن أصابعهن ويأكلُ اللّيل عيونهن الناعسة، لا يمددن أذرعهنّ، لا يلتفتن ليدً قد تمتد. المُهملات تحرّرنَ من الأسر.. ومن الوهم دفعةً واحدة. المُهمَلات قميئات، يحسبن أنفسهنّ قميئات، جلودهنّ متروكةٌ كأسمالٍ بالية، أعينهن مطفأةٌ تنظر ولا ترى، مشيتهنّ متثاقلة، يجرُرن أقدامهنّ كالمعتلّات، لا هُنّ قادماتٍ ولا هن راحلات.
المُهمَلاتُ مُعلّقات على الطّواحين، يتحرّكن ولا يتحرّكن. المُهمَلات قميئاتٌ، يحسبن أنفسهنّ قميئات بالضّرورة، قميءٌ مَن لا يلتفتُ إليه أحد، مَن لا يشدّه إليه أحد، مَن لا يخاصمه ولا يجادلهُ أحد. المُهمَلاتُ هادئات، لا يثُرنَ، لا يشركن، لا يقاوِمن. يذبلن على العتبات وأمام الأبواب، يبلعنَ الصّدأ والغبار، ولا يسألَن. المُهمَلات لا يعرفن السّؤال.
المُهمَلات مُهمِلات، يتركن شعر سيقانهنّ ينبت كزرعِ الحديقة، يستمتعن برؤية أيديهنّ تخشوشن ببطء. ويقعن في النّوم بلا هدهدةٍ ولا حبوب منوّمة.. يستسلمن للنّوم من فرطِ استعجالهنّ طَيّ أوهام الفراش. المُهمَلات لا يجلسن في مكان، الأماكن تهتزّ تحتهنّ. المُهمَلات متحرّكات، ينقرن شجر الحنين بمناقير صلبة، يهتممن بالأشجار وبما يُنقَر فلا يموت. المُهمَلات يؤمنّ بالأشجار ويمُتن تحت ظلالها كقدّيسات. المُهمَلات يكبرن بسرعة، يطوينَ السّنين كورقٍ رخيص، يشيخُ فيهنّ حتى ماء العيون، المُهمَلات بلا عيون.
المُهمَلات يهربن، إلى العمل، إلى المطبخ، إلى الفراش، إلى الشّارع… يعدين بأقدامٍ لا ترونَها، يعدين كأنّ الرّيح تحملهنّ، فإن نسين وتوقّفن مَلأَ الملح جفونهنّ ومتنَ من رخاوة عالمهن. المُهمَلات مؤمناتٌ بالضرورة، يقفنَ بتأدّبٍ أمام باب الله، ينتظرن، لا يطرُقْن، أبوابُ الله لا تُفتح إلا للمُهمَلات. المُهمَلات لا يبكين، عفى الزّمن على ذلك القَيد الجَميل… المُهمَلات لا يضحكن، يخشين تفجّر القلوب المُحتَجزة في قلوبهنّ.
المُهمَلات يمشين قوافل، كالنّمل لا يبقين فُرادى، يعرفنَ بعضهنّ بعضا، يميزن بعضهن بعضا من دَمغةِ الخَيبة على جباههنّ… المُهمَلات أخواتُ قابيل في الخَيبة والخطيئة… وُسِمن ليُعرَفن. المُهمَلات مُهمِلات، يخلعن عنهنّ ثوب الأحلام، يمشين وسط الشّوارع والجادّات، يرتدين الأغنيات، يخاصمن سائقي السيارات، يرفعنَ أثوابهن، يمِلن بخصورهنّ، يصارعن، يواجهن، ويركضن هاربات، من الشوارع، من البيوت، من الأطفال، من القصائد، من المراعي، من مراكز التّسوق، يركضن هاربات… المُهمَلات جبانات.
المُهمَلات عائمات، ينمن بعيونٍ فارغة، لا تهمهنّ الألوان.. ينمنَ في غرفٍ معتمةٍ ويستيقظنَ في سَواد، المُهمَلات يُعرفن بالعتمة الزّاحفة على سطح جلودهن، المُهمَلات كالسّموات عاتمات. المُهمَلات جسورات، عجَنَّ الحدود بين القُبح والجمال، وشوَين أفكارهنّ كخراف هزيلة… لم تعد تهمهنّ الأفكار. المُهمَلات قميئات، المُهمَلات مُهمِلات، المُهمَلات حُرّات، المُهمَلات جميلات.
كلّنا مُهمَلات، كلّنا قميئات، حتى جميلات.
كلّنا قميئات، كلّنا جميلات، كلّنا مُهمَلات.

كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية