لعلاقتي بشعر نزار قباني قصّةٌ تستحقُّ أن تُروى، يُسمّيها من يعرفني هوَسا، وأسمّيها عشقا بكلّ ما في هذا العشق من تقلّباتٍ بين الوصل والصّدود، والقرب والبعد، والشّوق والإعراض.
كانت قصائدُه أنيسةَ مراهقتي، وتَصادقَ ديوانُه «أشهد أن لا امرأة إلا أنت» مع خزانتي، ولم يَرْوِ غليلي أنّ بحوثي في الجامعة كانت كلّها عنه، فلم يزدني الوِرْدُ من شعره إلا عطَشا. حفظتُ قصائدَه، وردّدتها في نشوةِ صوفيٍّ، وألقيتُها في المسابقات، فرفعتني إلى المراتب الأولى. فليس عجيبا أن يصبح شعرُه تميمة أتفاءل بها، أنعَمَتْ عليّ في الجامعة وعند من يعرفني بلقبِ «عاشقة نزار».
نصحني أستاذي صلاح فضل أن أقتل نزار قباني بحثا حتى أُشفى من هذه «التعويذة التي تَهوَّسْتُ بها». وحين شرعتُ في إعداد رسالتي للماجستير «تقنيات التّعبير في شعر نزار قباني» تصاحبتْ خيبتي مع ابتهاجي. خيبةٌ مردُّها ندرة الدّراسات الأكاديمية الجادّة عن شعره، وكنت أعتقد أنني لا أجد ثقب إبرة أنفذ منه لدراسته، فإذا بي أمام سيل من كتب انطباعيّة تنفيه إلى بلاد ما بين النّهدين، وتجعله وصيفا في بلاط النساء. وابتهاجٌ لأنني سأمشي في دروبٍ عذراءَ ومسالكَ مجهولةٍ لأشرِّحَ الظاهرة النزاريّة بمشرط المناهج الحديثة في النقد، فأدرك بعقلي ما أحببتُ بقلبي من جهة، وأفكّكَ شيفرة السّحر النزاري، عسى أن يذوب هوَسي بشعره من جهة ثانية. فكان بدءُ بحثي من نزار قباني الشّخص نفسه، فـ»ما أطيب اللّقيا بلا ميعاد» وبميعاد أيضا..
وقتَها لم أكن أدرك حين قلتُ لأستاذي علوي الهاشمي: «حلمي أن ألتقي نزار قباني» أنّ أُذُن القدر كانت مصغية لي، فيسّرت لي وساطةُ شاعرين تَحقُّقَ هذا اللقاء الأثيري، إذ تواصل أستاذي علوي مع سفير المملكة السعودية في لندن الأديب الشاعر غازي القصيبي وكان صديقا لنزار، فرتّب لي موعدا معه. شعرتُ وأنا متّجهة إلى بيته وكأني في عربة تجرّها أحصنةُ القصائد، تعرج بي إلى سماوات الإبداع. من لهفتي صعدتُ درج المبنى اللّندني الجميل أنهب الطوابق راكضة دون أن أنتبه إلى وجود مصعد، ورأيته ينتظرني أمام الباب مرحّبا بابتسامةٍ وودٍّ صادق، كلّ شيء في بيته يَشِي بالأناقة، أثاثُ البيت، لوحاتُه، ثيابُه، جلستُه، طريقةُ صبِّه للقهوة، شعرتُ بأنني دخلت ديوان شعر وليس بيتا.
كلّما أقول شُفيتُ من العشق النزاري أضبط نفسي متلبِّسة بحبّه أكثر فأكثر، فحين زرت لبنان للمرة الأولى سنة ألفين، وجدتني أنزل في فندق «السمرلاند» وهو الفندق الذي كان ينزل فيه شاعري الأثير، أحسستُ بطيفه يحوم في الأجواء يؤانسني، أسمع صوتَه وأرى صباحةَ وجهه، فهنا شرب قهوتَه وهناك كتب قصيدة جديدة.
سألني عن بحثي وعمّا يعجبني من شعره ، وحين أجبته بأنّني أحبّ غزلياتِه، لم يسرّه جوابي كثيرا، وفهمتُ في ما بعدُ أنه يضيق بمن يصرّون على تنميطه شاعرَ المرأة فقط، بحسن نيّة حينا وبسوئها حينا آخر، مهملين دواوينَ كاملة من شعره السّياسي، وقصائدَ ردّدها العالم العربي في محطاته المفصليّة ففجّرتْ غضبَه أو ضمّدتْ جرحه، ثم حين أخبرته أنني أحفظ من شعره الكثير رغب أن يسمع بعضَه مني، ولمّا انتهيت من إلقائي قال لي مجاملا: «أنت تقرئين شعري أحلى مني». خرجتُ من بيته وأنا أعتقدُ أنني كنت في حلم جميل صحوتُ منه فجأة، لولا أن في يدي ديوانَه «مايا» وعليه إهداء بخطّه المترف «بروين حبيب الصديقة العزيزة». ودخلتُ عوالم نزار هذه المرّة ومشرط الجراح في يدي، مرهفة سمعي إلى نبضات الإيقاع في شعره، أتتبّعها وهي تخفق عالية بين ضلوع قصائده العمودية، أو حين تخفِتُ قليلا في قصائده النّثرية، وأفهمُ منها سرّ خلود هذا الشعر. وكم راهن من يغارون منه – وغيرة الشّعراء أشدّ من غيرة النّساء- على تلاشي الولع بالقصيدة النزارية بعد وفاته، فهو – في رأيهم – كان رافعة لها بحضوره الطاغي، ووسامته اللافتة، وإلقائه المبهر، ودبلوماسيته المعهودة، وستنقشع سحابةُ الوهم بعد رحيله. لكنهم جهلوا أنه طائرُ فينيق محكومٌ بالخلود، يُبعث دائما من رماده مع دواوينه التي يعاد طبعها باستمرار لتجعل منه الشاعر العربي الأكثر مقروئية، ويُبعثُ ثانية في منشورات جيلٍ جديدٍ لا يحبُّ الشّعرَ، لكنّه يتناقل أبيات نزار على وسائل التواصل الاجتماعي في شكل حِكَمٍ ترسم له خريطة طريق الحبّ.
هو عندي وعندَ المنصفين محطة مفصليّة في مسيرة الشعر العربي لا يمكن إغفالها، فهل نستطيع أن نعدِّدَ رموز الشّعر العربي وننسى المتنبي مثلا! قلّد نزار قباني الكثير فكانوا صورة مشوّهة عن أصلٍ عصِيّ على التقليد، واتهمه الحاسدون بالسّرقة من فلان وفلان، فأخرج لهم كنزا من أربعين ديوانا ليقول للأربعين حرامي: ما حاجة من يملك الشّمس للشموع الضئيلة. وأثبتَ لهم للمرّة الألف أنّه من سلالة التّجار (الشَّوامِ) الذين يجيدون عرض بضاعتهم النادرة وتسويقها، وحتى محاولاتهم لتبخيسها ستروّج لها أكثر. أعتقد أن نزار قباني كافأني جزاءَ عشقي لشعره حيّا وميتا، فأما في حياته فحين أتاح لي لقاءَه ليصبح هذا اللّقاءُ واحةَ جمال ألجأُ إليها حين تحاصرني بشاعة الواقع وتتيه خطواتي في صحراء الإحباط، فحينها أستذكر اللقاءَ بتفاصيله الجميلة وأشيائه الصغيرة فيملأ هواء الإبداع صدري، وتهبّ عليّ نسائم الرضا. وأما في مماته فبفضله سلكَتْ مسيرتي الإعلامية منعطفا مضيئا أثرى تجربتي ووسّعَ أفقي، وذلك حين شاركتُ بتكليف من تلفزيون البحرين بسهرة عربية في مهرجان القاهرة عن نزار قباني بعيد وفاته، فأعددت وثائقيّا عن حياته وشعرِه عنوانه»شاعر في قلب عصره» استثمرتُ فيه كلَّ شغفي بالشاعر وشعره، فكانت نتيجة ذلك حصولي على الجائزة الأولى التي يمنحها المهرجان «جائزة النخلة الذهبية» وانتزاعي عقدَ عمل لمدة سنة بعد أن سمعني مدير تلفزيون دبي فأعجبَ بإلقائي وبإعدادي، وامتدّتِ السّنة إلى عشرين سنة أخرى، كانت خيرا عليّ وصنعتِ الإعلاميةَ التي أصبحتُها اليوم، وبعد هذا ألا يحقّ لي أن أقولَ إنّ نزارا بادلني حبّا بحبّ؟!
كلّما أقول شُفيتُ من العشق النزاري أضبط نفسي متلبِّسة بحبّه أكثر فأكثر، فحين زرت لبنان للمرة الأولى سنة ألفين، وجدتني أنزل في فندق «السمرلاند» وهو الفندق الذي كان ينزل فيه شاعري الأثير، أحسستُ بطيفه يحوم في الأجواء يؤانسني، أسمع صوتَه وأرى صباحةَ وجهه، فهنا شرب قهوتَه وهناك كتب قصيدة جديدة. وحين زرتُ دمشقَ – وقد أحببتها من خلال شعره – وجدتُها مألوفة لي أعرفها بتفاصيلها، فقد زرتها سابقا في سيرته «قصتي مع الشعر» وشممتُ ياسمينها، وقطفتُ العنب من عرائشها، وشربت من نوافيرها، وتسكعت في حواريها في قصائده. فهل ألام بعد هذا إذا قلت إنني أشعر بأنني ابنته أو صديقته، أتتبع أخبارَه وأحفظ أشعارَه، وألبس السوادَ يوم وفاته فيعزّيني الناس فيه، وكم قلتُ في نفسي «لخير هذا الحبّ فلنفترق قليلا» فأجدني موغلة في التعلّق به أكثر فأكثر.
وحين لم ينفعني التنقيبُ البحثيُّ في الابتعاد عنه، أشرعتُ نوافذ ذائقتي لشعراء آخرين، لعلّي أزرع في حديقة الروح أزهارا مختلفة الألوان، فرافقتُ السيّاب تحت المطر لأخفّف من غربته على الخليج، ولاعبتُ درويش بالنّرد وهو يروي لي عشقه الممنوع لريتا، وبكيتُ مع أمل دنقل بين يدي زرقاء اليمامة، وأطعمتُ نوارس قاسم حداد بعضا من خبز الحب. لكن.. هل خرجتُ فعلا من عباءة نزار؟ فلماذا إذن لا يزال حديقتي السريّة؟ ولماذا ما أزال أذهب صباحا كلَّ يوم إلى مدرسة الحب مع كاظم الساهر، وأجلس عصرا مع عبد الحليم حافظ ليقرأ لي فنجاني، وفي الليل تُريني نجاة الصغيرة فساتينها التي رقصتْ على قدميه؟
عشقتُ شعره طالبة، ودرستُه باحثة، وقدّمتُ له التحيّة مرارا إعلاميّة، وحاولتُ جاهدة الفرارَ من قفصه الذهبي، والتّحليقَ بعيدا في سماءٍ مختلفة من الحرية والإبداع، لكنني في كلّ مرّة:
كم قلتُ إنِّي غيرُ عائدةٍ له… ورجعتُ .. ما أحلى الرّجوعَ إليهِ.
شاعرة وإعلامية من البحرين