طرابلس ـ «القدس العربي»: توشحت مدينة درنة الليبية الساحلية باللون الأسود بعد أن قدمت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، آلاف المواطنين جرفتهم المياه واقتلعت منازلهم، في مشهد أشبه بألافلام السينمائية، لتشهد بذلك كارثة العصر، فليبيا البلد البعيد نسبيا عن الكوارث الطبيعية لم يشهد كوارث مماثلة في وقت سابق.
كارثة صدمت العالم أجمع حيث استيقظ أهالي مدينة درنة على سيول اجتاحت منازلهم بعد أن ضربت عاصفة دانيال المتوسطية الشديدة عدداً من مدن الشرق الليبي وعلى رأسها درنة.
وأبدت السلطات في شرق ليبيا مخاوفها من انتشار الأمراض والأوبئة بعد ثلاثة أيام من الفيضانات، حيث قالت وزارة الحكم المحلي بالحكومة المكلفة من البرلمان في بيان إن الإدارة العامة لشؤون الإصحاح البيئي شرعت الثلاثاء في تجهيز قافلة من معدات وأجهزة ومبيدات ومطارات للرش والتعقيم للحد من فرص انتشار أي أمراض وحدوث تلوث بالمناطق المتضررة بالفيضانات، نتيجة لانتشار الجثامين ونفوق الحيوانات.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة، يوم الأربعاء، إن ما لا يقل عن 30 ألف شخص أصبحوا بلا مأوى في مدينة درنة شرقي البلاد بسبب الفيضانات المدمرة التي أحدثتها العاصفة.
وأضافت المنظمة أن آلافا آخرين أصبحوا بلا مأوى في المدن المجاورة.
وضربت العاصفة دانيال بقوة شرق ليبيا وسقطت كميات كبيرة من الأمطار ما أدى إلى انهيار سدين قرب درنة لتنطلق مياه هادرة دمرت في طريقها نحو البحر مناطق واسعة من المدينة وجرفت بنايات سكنية مخلفة آلاف القتلى والمفقودين في أسوأ فيضانات شهدتها البلاد.
وفي حديث لوكالات روى عبد العزيز بوسمية (29 عاما) المقيم في حي شيحا بدرنة -والذي نجا من الفيضانات- متحدثا لوكالة الصحافة الفرنسية «كانت المياه تحمل وحولا وأشجارا وحطاما من الحديد وعبرت كيلومترات، قبل أن تجتاح وسط المدينة وتجرف أو تطمر كل ما كان في طريقها».
وأضاف بوسمية بتأثر «فقدت أصدقاء وأقرباء، منهم من طمروا تحت الوحل، ومنهم من جرفتهم المياه إلى البحر» مقدرا عدد القتلى بـ10 في المئة من سكان المدينة.
ورأى أن السلطات الليبية لم تتخذ التدابير الضرورية لتدارك الكارثة، بل اكتفت بإصدار تعليمات إلى السكان بلزوم منازلهم تحسبا للعاصفة دانيال التي ضربت تركيا وبلغاريا واليونان، قبل أن تصل الأحد الماضي إلى ليبيا.
ويقول السكان إن مئات الجثث لا تزال مطمورة تحت أطنان الوحول والأنقاض المتراكمة.
وتسببت السيول التي ضربت شرق ليبيا في قتل وفقدان الآلاف، وتدمير البنية التحتية، خاصة في مدينة درنة التي لا تزال معزولة بسبب الدمار الذي لحق بالطرقات الموصلة إليها بشكل يجعل من الصعب وصول فرق الإنقاذ والإمدادات الإنسانية، كما انقطعت الاتصالات بشكل كلي عن المدينة فضلا عن الكهرباء.
من جانبه، قال رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ليبيا يان فريديز إن الكارثة «كانت عنيفة جدا» مضيفا أن «موجة بارتفاع سبعة أمتار جرفت الأبنية والبنى التحتية إلى البحر» مشيرا إلى أن هناك «جثثا تتقاذفها الأمواج على الشاطئ».
وحسب قناة «الجزيرة» فقد أظهر تحليل لصور أقمار صناعية تعرُّض نحو 800 مبنى للهدم الكلي أو الجزئي جراء الفيضانات والسيول التي ضربت مدينة درنة الليبية الساحلية قبل أيام. وقامت وحدة التحقيقات بوكالة سند التابعة لها بتحليل صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها من شركة «ماكسار» الأمريكية، وحصرت أعداد المباني التي تعرضت للهدم حتى الآن.
وتشير البيانات إلى وجود أكثر من 4355 مبنى قبل الفيضانات، وبعد العاصفة دانيال، حددت «سند» بقاء 3528 مبنى فقط، وبتحليل الصور بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبيَّن تعرض نحو 800 مبنى للانهيار بعد وقوع الفيضانات بمنطقة وسط درنة بشكل خاص ومحدد.
ودمرت السيول الجارفة جميع الجسور الرابطة بين ضفتي المدينة، وغالبية العمارات والمباني والبيوت التي تقع على ضفتي مجرى الوادي. كما قطعت معظم الطرق المؤدية إلى داخل المدينة. وأظهر تسجيل مصور، بثته وكالة الأنباء الليبية، مشاهد لبقايا أحد سدي درنة اللذين دمرتهما مياه السيول الناجمة عن العاصفة المتوسطية دانيال المدمرة التي اجتاحت مدن الشرق الليبي.
آمال في العثور على ناجين
ونجحت فرق الإنقاذ العربية والأجنبية الموجودة في مدينة درنة المنكوبة، في إنقاذ عشرات الأشخاص من تحت الأنقاض بعد مرور نحو 4 أيام على العاصفة دانيال التي حاصرت مياهها الضحايا تحت المباني المنهارة.
وأعلن وكيل وزارة الصحة في حكومة الوحدة الوطنية، سعد الدين عبد الوكيل، أن «عدد قتلى الفيضانات في مدن شرق ليبيا تجاوز 6 آلاف، لكن المفقودين بالآلاف. هذه الحصيلة تخص كل المناطق المتضررة، فيما سجلت درنة العدد الأكبر من الضحايا، ومن المرجح ارتفاع الحصيلة». وأوضح عبد الوكيل، أن «فرق الإنقاذ المحلية والدولية تمكنت من إنقاذ 510 أشخاص من تحت الأنقاض بمدينة درنة. عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث مستمرة، وتحتاج إلى وقت نظراً لوجود آلاف المفقودين في العديد من المناطق المتضررة».
وقال رئيس بلدية درنة، عبد المنعم الغيثي، لـ«رويترز» إن الوفيات في المدينة قد تصل إلى 18 ألفاً استناداً إلى حجم الأضرار، وإن المدينة بحاجة إلى فرق متخصصة في انتشال الجثث، معبراً عن مخاوفه من حدوث وباء بسبب كثرة الجثث تحت الأنقاض وفي المياه. وأكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لويس ميغيل بوينو، أنه تم تفعيل آلية الحماية في الاتحاد الأوروبي بناء على طلب السلطات الليبية، مشيرا إلى أنه من خلال هذه الآلية سيتم حشد المساعدات الإنسانية وتنسيق العروض المقدمة من الدول الأوروبية للمشاركة في جهود الإغاثة.
ووصف المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في حديثه لوكالة أنباء العالم العربي ما جرى في مدينة درنة بأنه «دمار شامل» وقال «رأينا صورا مرعبة هناك».
وفيما يتعلق بعملية إعادة الإعمار، لفت بوينو إلى أن «ليبيا ستحتاج إلى مساعدات كبيرة لتجاوز آثار الكارثة، وأعتقد أن وفودا من كل دول العالم ستزور مناطق الكارثة لتقييم الأوضاع وتقديم المساعدات اللازمة».
وكثفت الحكومتان في ليبيا من جهودهما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العالقين إثر العاصفة دانيال في حين عبرت دول عديدة عن استعدادها للمساعدة وتحركت لإرسال قوافل لليبيا.
وقال رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، الثلاثاء، إن المجلس ينسق حاليا مع دول ومنظمات دولية، لتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين من كارثة العاصفة دانيال، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتخفيف الضرر الذي لحق بالمنطقة الشرقية.
دعم دولي
أكد هشام شكيوات، وزير الطيران المدني في الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، في حديث لوكالة أنباء العالم العربي الجمعة، أن أهم الصعوبات في المناطق التي سويت بالأرض عقب الإعصار، هي قلة فرق الإنقاذ، مشيرا إلى أن المتوافر حاليا لا يمكن أن يغطي كل المناطق التي ضربتها السيول.
وأكد شكيوات أهمية وصول الفرق المختصة للمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ، لأنه كلما أسرعنا، زادت فرص الوصول إلى ناجين، الذين قد يكونون أحياء تحت الركام.
والاثنين، أعلنت 10 دول عربية، بينها الإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان، تضامنها مع ليبيا في مواجهة الفيضانات الأخيرة، وسط توجيه إماراتي وقطري بإرسال مساعدات عاجلة.
وعلى الفور قامت عدد من الدول على رأسها الجزائر وفلسطين وقطر والكويت وإسبانيا وتركيا ومصر بإرسال فرق ومساعدات إلى ليبيا فضلا عن عناصر طبية وباشرت عملها في البحث عن مفقودين وانتشال الجثث.
وبعد انتشار أخبار الفيضانات والسيول في ليبيا على الفور أكد المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن طائرة قطرية تقل مستشفى ميدانيا ومساعدات في طريقها إلى مطار بنينا الدولي في مدينة بنغازي شرقي ليبيا، مشيرا – في إحاطة على حساب الخارجية القطرية على منصة إكس- إلى أن الطائرة تحمل مواد طبية ومساعدات غذائية يبلغ حجمها نحو 60 طنا.
بدورها، أعلنت الجزائر بدء إرسال مساعدات إنسانية إلى ليبيا عن طريق جسر جوي مكون من 8 طائرات تابعة للجيش الجزائري، وتشمل المساعدات فرق إنقاذ متخصصة تتكون من 113 عنصرا بمختلف الرتب والتخصصات.
وأشارت إدارة الحماية (الدفاع) المدنية إلى أن الفريق يضم غطاسين وفرقة للكلاب المدربة وأخرى طبية متخصصة في الكوارث وأفرادا للبحث والإنقاذ، فضلا عن عتاد خاص بالتدخل في الفيضانات، إلى جانب إرسال مواد غذائية وطبية وخيام وملابس.
من جهتها، أعلنت الخارجية التونسية في بيان أن وزير الداخلية كمال الفقي أشرف على إرسال فريق متخصص في البحث والإنقاذ مصنف دوليا على متن طائرة عسكرية إلى ليبيا، وأوضح أن الفريق يتكون من 52 فردا من عناصر وأعوان تابعين للدفاع المدني، إضافة إلى 3 أطباء وفريق غوص وفريق شفط مياه مجهز بمضخات مائية عالية المنسوب.
مخاوف من انتشار الأمراض
وعن الوضع الإنساني في المدينة تصاعدت المخاوف من حدوث كارثة بيئية في مدن الشرق الليبي وعلى رأسها درنة إثر انتشار الجثث في أحياء وأزقة المدينة، وتأخر عمليات الإنقاذ والانتشال وتزايد أعداد المفقودين مجهولي المصير، حيث دخلت فرق الإنقاذ الليبية بالتعاون مع أخرى أجنبية في صراع مع الزمن لتفادي كارثة محتملة قد تضرب المدينة بعد كارثة العاصفة التي راح ضحيتها آلاف الأشخاص.
وحذر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أهالي المدينة والسلطات من خطر انتشار الأوبئة والأمراض في حال تعفن الجثث وتأخر انتشالها مطالبين بضرورة الإسراع في اخلاء المدينة بشكل كامل من السكان، وضرورة الإبقاء على الفرق المختصة فقط، لتفادي وقوع أي كوارث محتملة.
ومع نداءات النشطاء حذر مدير مركز البيضاء الطبي في بيان نشره على صفحة المركز من كارثة بيئية شديدة الوطأة تكمن في خطر الأمراض المنقولة عن طريق المياه والأمراض التي ستنتقل نتيجة تحلل الجثث.
وطالب مدير المركز بشكل عاجل بتوفير تطعيمات لفرق الإنقاذ المحلية وتوفير تطعيمات لسكان المناطق المنكوبة سواء كبار السن أو الرجال والنساء والأطفال موصياً باستخدام مياه الشرب المعلبة محذرا من الشرب من مصادر المدينة السابقة نظرا لتلوثها.
وفي نهاية بيانه ناشد مدير المركز الحكومات والمنظمات الدولية المتخصصة وبشكل عاجل بتوفير هذه التوصيات وأخذ الموضوع على محمل الجد لأن الوضع أصبح خطيرا ولا يحتمل التأجيل حسب وصفه.
فزعة خوت
وقوبلت هبة الليبيين لنجدة ضحايا العاصفة المدمرة التي ضربت مدن الشرق الليبي وأسقطت آلاف الضحايا في مدينة درنة، قوبلت بإشادة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث هب الليبيون من الشرق والغرب والجنوب لمساعدة أشقائهم في المدينة المنكوبة بعد سنوات من الصراعات المسلحة والانقسامات التي فصلت الشرق عن الغرب.
وأطلق نشطاء ومؤسسات مجتمع مدني ليبية وجهات رسمية أيضا حملة بعنوان «فزعة خوت» انطلقت تحت شعارها قوافل ضخمة من كافة المدن الليبية متجهة لمدينة درنة المنكوبة التي قدمت آلاف الضحايا في يوم واحد بفعل تدمير السيول لسدود المدينة ما أدى إلى اجتياح المياه لآلاف المنازل وجرها واقتلاعها من مكانها مع من فيها من السكان.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لمشاركة عدد كبير من المواطنين والمنظمات في هذه الحملة فيما أعلنت العديد من البلديات الليبية في الغرب والجنوب، مشاركتها في هذه الحملات لجمع التبرعات والمساعدات للمتضررين من الفيضانات والسيول.
واشترك في هذه الحملة أغلب الجهات الرسمية المختصة والجهات الأهلية والمنظمات الشبابية والنوادي الرياضية وجموع المواطنين من مناطق الغرب والجنوب الليبي وانطلقت على إثرها قوافل المساعدات الطبية والغذائية وفرق الإنقاذ من كل مناطق البلاد.
وحظيت هذه الحملة بدعم شعبي واسع حيث اعتبرها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة إعلان واضح وصريح بانهاء الانقسام بين الفرقاء الليبيين، فيما أكد آخرون أن وحدة الليبيين بعد مأساة درنة غير قابلة للنقاش، مؤكدين على مبدأ ان ليبيا واحدة مطالبين السياسيين بإنهاء شتات الوطن.