السينما في الثقافة الأمريكية: تسليع القيم وتنميط المجتمعات ومحو التنّوع

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تمارس الفنون دورا مهما في تشكيل الوعي وتنميط ذائقة المتلقين وفق اتجاهات ايديولوجية مخطط لها من قبل الجهات المنتجة للعمل الفني، فما مِن مُنتَج إبداعي خالٍ من رسالة يتم تمريرها ضمن خطابه مهما بدا ترفيهيا خالصا، لأن للترفيه رسالة أيضا، وربما ترقى إلى مستوى أكثر تأثيرا من الأعمال ذات المنحى الدرامي الثقيل، والقيم التي تساهم الفنون في إيصالها إلى المتلقي عادة ما تحمل مضامين بسياقات مختلفة، لها صلة بمنظومة الممارسات والعادات المرتبطة بالحاضنة الاجتماعية التي يصدر عنها المنتوج الفني. وقد يكون خيار الفنان في خطابه منحازا إلى ناحية التمرد على سلطة المجتمع، وهذه النزعة كانت حاضرة في تاريخ الفن في مختلف البيئات والأزمنة، وهي التي ساهمت في تحول الأساليب والمناهج الفنية وفي إحداث صدمات وتصدعات وتغيير في القيم والأفكار السائدة في المجتمع حول قضايا عديدة. من ناحية أخرى كان للسلطة دائما دور في تكريس ما تسعى إلى تصديره من أفكار ومفاهيم على الضد مما تذهب إليه نخبة الحالمين من الفنانين المتمردين. لأن الفنون كانت وما زالت محط اهتمام السلطة ورعايتها، إدراكا منها بأن خطابها يمكن أن يصل إلى مساحة أوسع من حيث التأثير. ولكن ليس كل الفنون تمتلك نفس الحيز من التأثير على المتلقي، فالرسم والنحت من غير الممكن اليوم أن يزاحما الفن السينمائي، فهل تقاس الشعبية الكبيرة لممثلين مثل توم كروز أو دي كابريو مع أي نحات أو رسام حديث مثل إيوان بيرش أو بارنابي فورناس؟ بلاشك الكفَّة تميل لصالح نجوم السينما، لأن الفن السينمائي قادر على استقطاب مساحة أوسع من التأثير، سواء من حيث عدد المتلقين أو قدرته على التأثير الوجداني المباشر، وهذا يعود إلى أن الشكل الواقعي في أسلوب السرد السينمائي يفرض قوة حضوره على عملية التلقي ما يضعه في مقدمة الفنون الأكثر استقطابا للجمهور.
من هنا تسعى الأنظمة إلى احتواء الإنتاج السينمائي لإيصال خطابها إلى عموم المجتمع، وفي هذه التفصيلة لا فرق بين الأنظمة سواء كانت علمانية أو ديمقراطية أو استبدادية. لأن جميعها تدرك أهمية الرسالة الإعلامية في السينما وسرعة انتشارها وتأثيرها مقارنة ببقية الفنون، وحتى الأنظمة الرثة في العديد من بلدان العالم الثالث تستشعر فاعلية الفن السينمائي لكنها بطبيعة تركيبتها القائمة على الشعور الدائم بالخوف من لحظة سقوطها، تحرص على أن تحجر على الفن السينمائي، طالما يساهم في إثراء الوعي ويحفز الفرد على إحداث التغيير في مجتمعه، وفي سياق هذه الفكرة ينبغي النظر إلى جمود واقع الإنتاج السينمائي في عدد من البلدان التي تتوزع على قارات مختلفة لكن الظرف السياسي فيها خلال فترات زمنية سابقة كان متشابها، مثل سوريا والعراق منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي وحتى هذه اللحظة، وهو ذات الحال البائس الذي كانت عليه السينما في الأرجنتين خلال فترة حكم العسكر وينطبق الأمر أيضا على جمهورية تشيلي.

احترام وعي المتفرج

إن العلاقة التاريخية بين السينما والسياسة إشكالية، طالما أن السلطات استغلت السينما في إطار غسل أدمغة المتلقين وتلقينهم أجندتها، ووضعت الإنتاج السينمائي في صلب ستراتيجيتها الإعلامية لترويج خطابها، ووظفته في حربها مع خصومها الخارجيين. ويبقى المعيار في تقييم أي فيلم في مدى احترامه لعقل المتفرج، وإلاَّ لن يجدي نفعا ضخامة الإنتاج وارتفاع التكاليف وحشد النجوم، لأن المتلقي أخطر حلقة في العملية الفنية، وفي هذا الصدد يقول المخرج الأمريكي من أصول هندية نايت شالامان: «عندما يخبرني ستون شخصا أن فيلمي رائع، والشخص رقم 61 يخبرني أنه رديء، أتساءل لماذا لم يعجب الأخير؟». بمعنى إذا لم تضع الجهة المنتجة وعي المتلقي في حساباتها وتوليه ما يستحقه من احترام فهذا يعني فشل وصول الرسالة، أو أنها ستحدث انطباعا معاكسا، وهذا ما ينطبق على غالبية الأفلام الدعائية التي يهيمن عليها الخطاب المباشر على حساب الإيحاء. فالسينما ما أن ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر بجهود نخبة مفكرة من المخرجين في مقدمتهم الروسي ازنشتاين والأمريكي ديفيد كريفث، تحولت من وسيلة تسلية إلى أهم وسيط جماهيري شديد التأثير على تشكيل الرأي العام، بمعنى أنها أصبحت وسيلة لإرساء قيم ومعتقدات سياسية وثقافية وأخلاقية، فالصورة التي تمثل العنصر الأساس في تكوين الفيلم، جاذبة لشغف المتلقين بمختلف مستوياتهم الثقافية، امتلكت ما يؤهلها لكي تضع الفن السينمائي في مقدمة ما تهتم به الأنظمة والسلطات السياسية.

هيمنة الفردية

رغم كل ما مر على الثقافة العربية في تاريخها الطويل من تحديات وفترات عصيبة إلاَّ أنها ما تزال تمتلك هوية وجذورا وروافد تمدها بنسغ الحياة من موروثها الثقافي والشعري والفلسفي قبل وبعد الإسلام، وهذا ما منحها أفقا ورؤية إنسانية منفتحة على الثقافات الأخرى، ومن غير أن تفقد خصوصيتها ويختل توازنها، وهذه العناصر التي كونتها يكمن فيها سر حيوتها وقوة منظومتها الجدلية في الدفاع عن قيمها الفلسفية والأخلاقية في شخصية الفرد والمجتمعات العربية، ومن غير الممكن أن تنسجم مع الثقافة الأمريكية القائمة على تقديس الثروة، وتقديم المصلحة المادية للفرد فوق أي اعتبار آخر، بالشكل الذي تبيح له أن يستخدم كل الوسائل لتكديس الثروات مهما بدت لا إنسانية، ومثال على ذلك فيلم «ذئب وول ستريت» إنتاج 2013 للمخرج مارتن سكورسيزي الذي أدى شخصيته الممثل دي كابريو، فلا غرابة أن تُسقِط الثقافة الأمريكية مؤسسة العائلة في الفيلم الهووليودي، كما جاء في فيلم «باربي» إنتاج 2023 للمخرجة غريتا جيروج، وأن تهمِّش الدين بمنظومته الأخلاقية انسجاما مع الدعوة إلى المثلية، وهذا ما عبرت عنه معظم الأفلام الأمريكية التي تم إنتاجها خلال العقدين الماضيين، وكل ذلك يصب في مصلحة هيمنة الروح الفردية بكل أنانيتها، بالتالي هذا الخطاب الثقافي يمنحها كامل الجهوزية لممارسة «العنف والجريمة والجنس» من أجل تحقيق مصلحتها، والأمثلة على هذه القيم الثلاث نجدها في كم هائل من الأفلام التي أنتجتها ستديوهات هووليود خلال تاريخها.

أصوات أمريكية ناقدة

منذ نهاية الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، انتهى صراع القطبين في السياسة الدولية، واستفردت أمريكا في الهيمنة على العالم فعملت بكل وحشية على فرض منظومتها الثقافية على ثقافات الشعوب، ليحل بذلك نموذجها المقنن بطريقة سلعية مبهرة وباذخة بديلا عن التنوع، وكانت القوى الناعمة أداتها في تحقيق هذه الهيمنة، لإدراك صناع القرار أن الثقافة والفنون بكل الوسائط التقنية المختلفة التي تعبر عنها، أهم وأخطر الوسائل في إحداث ما تنشده من تغيير وتخريب، وفي مقدمة ذلك؛ السينما والدراما وبرامج التلفزيون والميديا.
منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي لم تسلم الثقافة الأمريكية من النقد الجريء، وبدا ذلك واضحا في ستينيات القرن الماضي الذي شهد تحولات كبيرة في المجتمع الأمريكي إثر ما اقترفته من جرائم في فيتنام ومناطق أخرى من العالم شملت بلدانا في قارتي آسيا وأمريكا الجنوبية، إضافة إلى ما شهده المجتمع الأمريكي من انفجار في ممارسة الحرية الجنسية، وأبرز من كانوا في طليعة المنتقدين، الروائي أرنست همنغواي، الصحافي هربرت ريد، الشاعر ت،إس،اليوت، الروائي هنري جيمس، الروائي ريتشارد رايت، الفيلسوف هربرت ماركوز، الشاعر آلان غينسبيرغ إضافة إلى الحركات والتنظيمات الثورية مثل منظمتي الفهود السود وشيكاغو 7.

الثقافة العربية وهووليود

بالعودة إلى مفهوم الثقافة في الوعي العربي والإسلامي فهي لا تخرج في جوهرها عن نظرية في السلوك، يعبر عنها الفرد في ممارساته ومواقفه في الحياة والمجتمع الذي ينتمي إليه، وهذا ما عبر عنه المفكّر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) عندما حدد أربعة عناصر تمثل دعائم الثقافة العربية والإسلامية: الدستور الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي، الصناعة أو (التقنية). وإذا ما نظرنا إلى السينما الأمريكية من هذا المنظور للثقافة العربية والإسلامية فإن ما تنتجه هووليود سيكون في حالة خصومة وصراع معها لان أفلامها تعمل على تحييد مشاعر التعاطف لدى المتلقين، طالما ستراتيجتها قائمة على أن يبدو العنف ومعاناة الآخرين مقبولا ومألوفا، فالمتلقي يكاد أن يصبح متبلد المشاعر، ولا يتشكل في داخله موقف رافض لمشاهد العنف والجريمة والجنس، وهذا ما كان بارزا في الأفلام التي أنتجتها هووليود عن الحرب في أفغانستان والعراق مثل فيلم «القناص الأمريكي» إنتاج 2014 إخراج كلينت ايستوود، لتلميع صورتها وتزييف الحقائق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية