السورية التي فازت بأكثر من سباق عالمي للركض و«إلترا ماراثون» في كندا
بيروت ـ «القدس العربي»: عندما كانت لمى عرجة تفكر في كيفية دحر مشاعر بلوغ عتبة عمر الأربعين التي كانت تؤرقها، لم تكن تعلم أن الرياضة ستكون الوصفة السحرية للانتصار. هكذا وبدون سابق تصور وتصميم بدأت تمارس رياضة الركض اليومي. ومن ثم طوّرت خطواتها لتصبح أكثر مهنية حين انتقلت مع زوجها للعمل في دبي.
باتت لمى عرجة حالياً اسماً لامعاً في سباقات «الجري» الماراثون والترياثلون العالمية. وهذه السباقات الثلاثية تبدأ بالسباحة ثم ركوب الدراجة وتنتهي بالركض. ومنذ سنتين انتقل سكن العائلة إلى كندا ومدينة تورونتو تحديداً، ومن هناك تسافر للمشاركة في السباقات التي تتأهل لها حول العالم. تشارك باسم وطنها سوريا أينما حلّت، ودائماً هي السورية الوحيدة المشاركة في أي سباق.
عندما تواصلت معها بهدف الحوار كانت لمى عرجة تشارك في سباق بطولة العالم للتلرياثلون في فنلندا إلى جانب زوجها، وعلى مدى أسبوع. ومع عودتها إلى تورونتو كان معها هذا الحوار:
○ آخر حضور رياضي عالمي لك في أواخر شهر آب/اغسطس الماضي في سباق فنلندا. ماذا عنه؟
• إنه سباق الترياثلون أو الثلاثي، والذي يجمع بين ثلاث رياضات وهي السباحة، وركوب الدراجة والركض. البداية تكون مع السباحة لمسافة 1.9 كيلومتر. ومن ثمّ ركوب الدراجة 90 كيلومترا. وأخيراً الركض لمسافة 21.1 كم.
○ وهل تتزامن السباقات الثلاثة في اليوم نفسه؟
• السباقات الثلاثية تبدأ بالسباحة ثم ركوب الدراجة، وتنتهي بالركض، وتعتمد أيضا على سرعة التبديل بين الملابس والأحذية الخاصة بكل مرحلة من مراحل السباق. وتُعتبر أحد أصعب الأحداث الرياضية ليوم واحد في العالم.
○ وماذا عن المشاركين في هذا السباق؟
• 6000 متسابقة ومتسابق شاركوا في سباق بطولة العالم للسباق الثلاثي ترياثلون فنلندا من 115 بلدا، ووصل عدد السيدات 2000 متسابقة. ترياثلون جمع متأهلين من أكثر من سباق جرى على صعيد العالم أجمع. ويمكن وصف المتسابقين في فنلندا بأنهم نخبة النخبة من سباقات الترياثلون في العالم. بالنسبة لي إنها مشاركتي الثانية في سباق مماثل. وفي سنة 2019 شاركت في ترياثلون نيس في فرنسا لبطولة العالم.
○ كيف تصفين هذا النوع من الرياضة؟
• إنها من نوع رياضات التحمُّل الجسدي نظراً لطول مدتها. فيما يخصني يستغرق سباق الترياثلون بين خمس ساعات ونصف وست ساعات ونصف. حتى تاريخه شاركت في 14 سباقاً من هذه المسافة، وتأهلت ثلاث مرات لبطولة العالم. وهذا ما أنجزته في فنلندا حين كنت إلى جانب أبطال من العالم في هذه الرياضة.
○ ألا يداهمكم الجوع خلال هذا السباق الطويل في زمنه؟
• بكل تأكيد يداهمنا الجوع، ويجب ان نأكل كمية طعام أكبر من المعتاد خلال كل ساعة من السباق. وهو طعام خاص بالرياضين، ويجب ان يكون بكميات محسوبة. مع الخبرة والبحث استطعت ان أصل إلى كمية الأكل الصحيحة لجسدي خلال السباق.
○ من تمثلين في هذه السباقات؟
• بدأت مسيرتي بجهد واستثمار شخصي، لذلك أنا أمثل وطني سوريا.
في كافة السباقات التي حضرت فيها كنت أقوم بجهد شخصي، ودون دعم من أحد. ولكوني أحمل الجنسية السورية من الطبيعي جداً أن أمثّل وطني سوريا. في نيس كنت السورية الوحيدة المشاركة. وفي فنلندا كنت مع زوجي الذي تأهّل مثلي السوريين الوحيدين كذلك. ولأنها رياضة تحمُّل وتحتاج لدعم معنوي فأنا ومنذ ثماني سنوات أشارك إلى جانب زوجي وسام العشّ في هذه السباقات، وكل منا يدعم الآخر. ومن بين 6000 متسابق يمثلون 115 دولة، كنت وزوجي وحدنا من سوريا. مع العلم بأن عدد العرب في تراياثلون فنلندا كان قليلاً للغاية.
○ ألا تحتاجون لدعم مادي؟
• طبعا نحتاج إلى دعم مادي، لان هدفنا لم يعد فقط إنجاز السباق، بل ارتفع سقف الطموح وأصبحنا نسعى لتأسيس فريق رياضي عربي في الغربة لنشر ثقافة الرياضة بين العرب، لتصبح جزءاً من حياتنا. نسعى الآن لتأسيس ناد رياضي خاص في تورنتو لتدريب كل من يحلمون بالتغير والوصول إلى أهدافهم. إذاً نحن ندعم ذاتنا، وما نقوم به هو جهد شخصي.
○ كيف تعرّفت إلى هذه الرياضة التي تحتاج للصبر وقوة التحمّل؟
• بدأت هذه الرياضة قبل حوالي 8 سنوات. صممت على ممارسة الرياضة وهدفي تحدي العمر، وكي أوكد لنفسي بأن العمر هو مجرد رقم فقط. أحببت الرياضة لكونها تشكّل عاملاً مساعداً للحفاظ على الصحة.
○ وهل تنعكس الرياضة على حياتك بشكل عام؟
• بالتأكيد، خاصة على صعيد العمل والعائلة. انعكاس الرياضة على الإنسان إيجابي جداً وفي كافة المجالات، وتعطي راحة نفسية وهي علاج لضغوط الحياة.
○ لماذا تأخرت في الإقدام على هذه الرياضة؟
• أنا الآن في عمر الـ47 وكنت أعاني خوفاً من الوصول إلى الرقم 40 على صعيد العمر كما سبق القول. كنت أردد لنفسي «خلص كبرت» كلّما قاربت حدود هذا الرقم. بدأت الركض من حينها وأكتشفت كم أحب هذه الرياضة. كما اتخذت قراراً ذاتياً بأن أشارك في السباقات، وأن أضع لنفسي دائما تحدياً جديداً يساعدني على الاستمرار بالتدريب. وهكذا كان التحدي الأول لي في عمر 40 أني أنجزت ماراثون الـ42 كيلو مترا في دبي. وفي كل عام كنت أراكم التحدي إما في زيادة أرقامي وتحسينها، أو بالمشاركة في سباقات الترياثلون الذي وجدت نفسي أتطور معه. وهذه المرة الثانية التي أشارك فيها في بطولة العالم. ومرّة تأهلت للمشاركة في بطولة العالم في الولايات المتحدة، لكني وجدت صعوبة بالحصول على فيزا لأني أحمل الجنسية السورية.
○ هل سهّل وجودك في كندا التمارين التي تحتاجين لها؟
• تبرز الصعوبة في الشتاء حين تهبط درجة الحرارة إلى ما دون 30 تحت الصفر. لكني وبشكل عام وجدت السبيل كي أتدرّب. أحمل الماجستير في إدارة المعلوماتية، لكني ومنذ الهجرة إلى كندا أعمل في اللياقة البدنية من خلال دروس خاصة. وفي كندا وخلال شهر أيار/مايو الماضي شاركت في سباق ركض المسافات الطويلة «ألترا ماراثون» وهو الركض لمسافة100 كلم. استغرق إنجاز هذه المسافة 12 ساعة، وقلة من الرياضيين تشارك في هكذا سباق. وفزت فيه باسم وطني سوريا.
○ رغم كل ما يحيط بسوريا من قضايا ومشكلات تصرّين على رفع اسمها؟
• نعم. حتى عند استلامي للجنسية الكندية ستبقى مشاركاتي جميعها باسم سوريا. فنحن كعرب وسوريين قلة نادرة في تلك الرياضات. وربما يكون السبب ناتجاً من تعقيدات حياتنا، ولهذا يبتعد الناس عن الرياضة ويعتبرونها ترفيهاً. وفي الحقيقة الإلتزام بالرياضة، وبالحياة الصحية يساهمان بالنجاح المهني. أما السؤال الذي يتكرر طرحه علي هو كيف تجدين الوقت؟ سنجده بالتأكيد عندما نقرر.
○ وهل اكتسبت مهارتي السباحة وركوب الدرّاجة في سوريا؟
• تلقيت دروساً في السباحة في سوريا، إنما ركوب الدرّاجة في الشارع بالنسبة لأنثى فلم يكن أمراً مألوفاً. في الواقع بدأت هذه الرياضات في دبي حيث كنّا نعيش.
○ كونك مهاجرة إلى كندا هل تتلقين أي دعم يساعد في تكاليف السفر للمشاركة في السباقات العالمية كما في فنلندا؟
• نحن حيال تكاليف كبيرة من بينها شحن الدراجة الهوائية للمشاركة في السباق والسفر. جميع هذه التكاليف على عاتقنا زوجي وأنا. ننظر إلى هذه المشاركات كنوع من اكتشاف بلد جديد، وكذلك المشاركة في السباق. وإضافة لكل ما ورد هناك التحدي الشخصي، ورفع اسم بلدي سوريا في العالم.
○ وماذا ينتظرك في المستقبل القريب؟
• المشاركة في سباق ماراثون الـ42 كلم في مدينة تورونتو وذلك في منتصف تشرين الأول/اكتوبر المقبل. وإن نجحت في تحقيق رقم مرموق بالنسبة لفئتي العمرية يمكنني تحقيق التأهيل لست سباقات ماراثون عالمية مهمة في العام 2024 وما بعده.
○ على الصعيد الشخصي هل أسست عائلة قبل بدء تحديات عمر الأربعين؟
• نعم والحمد لله. ابنتي في سنتها الجامعية الثالثة، وأبني في الصف الثامن. ولأني أرغب بأن أكون دائماً إلى جانب أبنائي وبكامل حيوتي وصحتي رحت نحو الرياضة، التي أصبحت نمط حياة أمارسه كهواية واحتراف معاً، ومهنة أيضاً. ففي كندا بدأت منذ وصولي العمل في دروس التدريب الخاصة. ولأني وجدت في الرياضة عاملاً مهماً في تغيير حياتي نحو الأفضل انشأت في تورونتو «نادي الركض» وعددنا يتراوح بين 50 و100 شخص يتلقون التدريب ويشاركون في سباقات. ومن بينهم من لم يكن يمارس الركض مطلقاً. وهذا النادي مجاني وهدفه التشجيع على الركض والرياضة.