لوحات العراقي كاظم إبراهيم: من تقنية اللوحة إلى تعتيق اللون

حجم الخط
0

التقنية تعني الاهتمام بإخراج مفردات اللوحة، والصعود بمكوناتها بشكل يوحي بضبط الحركة والخطوط والألوان والعلاقات الموصولة على السطح، وتعميق الأداء والوظيفة الغنية، وذلك بإجراء تحولات تضبط العرض والتسيّد، لأن لوحات الفنان كاظم إبراهيم موضوع الدرس هي ناتج خبرة طويلة في الرسم معتمدة تراكما كميا فنيا ومعرفيا منذ سبعينيات القرن الماضي أدى ذلك إلى تراكم نوعي، هذا العطاء والدأب خضع أيضاً إلى معارف واسعة، سواء في تلقي مفردات الثقافة والمعرفة لتشكيل شخصية مزدوجة التركيب، فنا، معرفة، ثم ممارسة الكتابة، خاصة السرد. لقد أضفى على لوحاته سردية تلاحق مجموعة أفعال ونتائجها تُعلن عن سمات حركة دالة على نوع الفعل وتأثيره، فهو فنان مثقف وصاحب مشروع حريص على مدونته التاريخية، من خلال إبعاد تأثير الشوائب الزائدة غير المفيدة في تعميق المعنى في اللوحة.
إن العشوائية وانفلات الفرشاة غير وارد من خلال ناتج اللوحة، وإنما الذي يتجسد محض ضبط فني محكم، مدعوم برصانة فكرية، فهو كإنسان وفنان لم ينزع رداء الانتماء إلى حقيقة الحياة وجدليتها، بل التزم بمشروعها الخاص والعام، هذا الدأب دفعه كما ذكرنا إلى القلة في الإنتاج، القلة المؤدية إلى الكثرة في النوع، بمعنى تعميق تلك المكونات التي نمت وتطورت على هدوء التجربة وصبرها، إنه كفنان ينتمي إلى الرعيل الذي ظهر في الستينيات واكتسب أخلاقية الفن ممن عاصرهم، وتطور وفق أخلاقية الفن في السبعينيات، الفترة التي شهدت متغيرات على كل الأصعدة، خاصة السياسية والاقتصادية والثقافية، هذا الجيل ظهر وترعرع ونما عوده على نار هادئة، مكللا نموه ضمن عمومية حراك الفن، أي أنه استمد فصول تجربته من سعة النظر إلى ما حوله من جهة، والحرص على تأسيس هويته الفنية وملامح بيّنة الشكل والمعنى فيها من جهة أُخرى، وعلى قلة ما بيدنا من نماذج له، إلا أننا بالإمكان الاكتفاء بالقليل المعبّرـ لذا ستكون قراءتنا منضبطة وفق خصائص استعمالاته لمكونات اللوحة، وما تؤديه من وظيفة تعكس معنى كليا ضمن معاني موزعة على السطح.

إشارات

يمكن القول على ضوء ما تقدم؛ إن الفنان مولع بالبنى الفكرية للظواهر، فهو يرسمها ويعكسها تشكيلياً بعلامات وبنيات دالة، لاسيّما تركيبة محتويات السطح التي تُميّز هوية الفنان الجمالية ـ الفكرية، فهو ليس إزاء فعل عكس مرائيه، وإنما وضع رموز وعلامات تعكس مبررات حدوث مجريات تلك الظواهر، وهذا يتجسد كما سنذكر في السياق اللاحق للدراسة. هذه الظواهر تعكسها العنونة التي اعتمدها الفنان للإعلان عن طبيعة ما تحتويه لوحات المعرض، فإعلان مثل (نوافذ الأُفق البعيد) كما احتواه (الفولدر)، يعني تركيبة تخص ملخص ما يُعرض، وهو شأن يخص مساحة الرؤى التي يطل باتجاهها من خلال نوافذ، وهي أيضاً بعيدة الأُفق في تحديد للرؤية، والبعيد هنا تحديد نوع من استحالة الوصول، وكل هذه التركيبة تنطوي على رؤية فكرية واضحة، تكشفها تفاصيل لوحات المعرض.

كاظم إبراهيم

أما المثال الثاني فهو (أشرعة المدن البعيدة)، إذ نعتقد أنه عنوان واسع الدلالة، لارتباطه بأكثر من معنى، فـ(الأشرعة) ترتبط بمطلق كالبحر، أي يعني نوعاً من الشروع وليس الاستسلام والنكوص، وارتبط هذا مع المدن ـ الحلم، أي أن ثمة انتظارا للوصول إلى المرتقب، وهي بلاغة لغوية تفتح الأُفق لبلاغة تشكيلية، والملاحظ على العنوان ككل يُشير إلى التمسك والإمساك برسالة مستقبلية.

خصائص المحتوى

لقد أدت الصرامة والتداخل في مكونات اللوحة إلى خلق نوع من الصرامة والتراصّ بين الأجزاء المعبرة عن مكونات رؤيوية تُشير إلى جدلية تلك العلاقة، لأن الوحدات المنفردة في ذاتها تُعطي معنى خاصاً، وباجتماعها تمنحنا معنى كبيراً دالاً على أن محتوى اللوحة إنما يُحاكي ويطرح بنية فكرية بجمالية تشكيلية، تُظهر بقدر ما تخفي من سمات، غير أن دراسة الأجزاء يؤدي إلى طرح سردية تشكيلية محكمة وملتزمة بالعلامات التي تحكمها شدة تعتيق اللون وسماته الفنية الصارمة، لقد عبّر التآلف اللوني عن مستوى خلق الانسجام من جهة، وإثراء المعنى، بما يطرحه من تعبير تؤديه تأشيرات اللون والكتل ذات الصيرورة المعبرة عن أفعال ترتبط بالواقع من جانب الفكر في رؤيته وطرحه، فهو حريص على فنية العطاء، والابتعاد عن المباشرة في طرح أفكاره عبر الفن.

إن استعمال العلامات التي تقترب من هندسة الشكل، لكنها تنتمي إلى الكُتل اللونية المدروسة، فمعبر الألوان في قاموس الفنان قادر على طرح البنية الأساسية في وظيفة لوحته، وهي في مجملها تعكس نوعا من الاستلاب الاجتماعي والسياسي، فاللون رغم صرامة تشكيله وتعتيقه، إلا أنه يبدو ممتلكاً أناقة اللون ورشاقة ما يُجسده من معان. الأُنثى ـ جسدا وفعلاً ـ تأخذ لها حيّزاً على سطوح لوحات الفنان، إذ تظهر مكبلة بالعرف والتقاليد واضطراب المفاهيم، وهي نظرة موضوعية لا تنتمي إلى الدفاع عن الحقوق، بقدر ما تقدم صورة للجدل الذي عليه في الحاضنة الاجتماعية من صراع دائم على خطأ مسار البنية الاجتماعية، وينطلق هذا من طبيعة العلاقات وتداخل الإرادات من جهة، والضعف المعرفي الذي يولّد ضعفاً في الموقف عند الأنثى من جهة أُخرى، المهم في هذا عمل اللوحة على تجسيد مثل هذا الصراع بروح الوعي الفني الذي صاغ مساره التشكيلي باتجاه معادلة رصينة في تدرج اللون والخطوط والكُتل، ما خلق سرداً تشكيلياً كاشفاً عن الكثير من العلل التي تتسبب في خلق التناقض المستمر، إن الكشف عن هذه الظاهرة يندر ضمن رسالة الفن ضمن كل المسؤوليات المبدئية، التي تتخذ من الجنس وسيلة لمثل هذا الدفاع الذي يعكس موقفاً، فما تُظهره بعض اللوحات وقوع الأُنثى تحت سطوة وسلطة الرجل، التي توحي بسلطة المجتمع وموقفها من المرأة، فهي تظهر مكبلة ومقيدة بالقيم الجائرة، أو تحت سلطة الرجل، فهي تظهر تحت وليس بموازاة وجنب الرجل. ولعل المظاهر الأخرى تفرض سلطتها الاجتماعية على الأفراد فهم محددون بأُفق ضيق وفق إرادة الاستلاب الاجتماعي، وهذا ما تُظهره اللوحة من لغة التماهي والمصادرة والثانوية في الوجود، فتماهي الأجساد والوجوه يعني تماهي الإرادات الفردية ضمن الإرادات الجمعية، دون النظر إلى التوازن في الوجود لمبدأ يؤدي إلى فتح أُفق العلاقات الإنسانية، فالفنان يتعامل عبر ذاكرته المحتشدة مع ما هو مؤثر ومغيّر لبنية التاريخ، لتدوين تاريخ الأفراد والجماعات، لعل ما ذكرناه عن المرأة، ينطبق على هذه الظاهرة، وفنان مثل كاظم إبراهيم قادر على توظيف مفردات ذاكرته بروح الجدلية الفنية التي تعمل على تقريب المتشابهات والمختلفات، بروحية فنية دون الإعلان المباشر، فهي تتناول هذا ضمن دائرة فكرية تصوغ حراكها وفق فنية عالية، ومن هذه الظواهر الفنية، نبرز تقاربه وتجاوره شكلاً مع جداريات الموروث القديم، فهو إنما ينحت على جدار وليس على قماش، ففي أُسلوبه في التعامل مع اللون حرفة الفنان والمدون القديم في الحضارات القديمة، فألوانه معتقة وتميل إلى الدكنة التي توحي بالقِدَم.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية