“يا للدولاب كيف يدور!”. نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي احتفظ في جيبه ببطاقات الدخول إلى البيت الأبيض على مدى السنين ووزعها على زعماء غير قليلين في العالم ممن أرادوا الوصول إلى هناك، أصبح اليوم هو من يتوق الوصول إلى لقاء مع رئيس الولايات المتحدة في الغرفة البيضاوية.
سيضطر نتنياهو هذه المرة بالاكتفاء بلقاء، بل نصف لقاء، مع الرئيس جو بايدن في الفندق الذي ينزل فيه الرئيس في نيويورك. هذا لقاء يرمز إلى تخفيض جلي في قيمة مكانة نتنياهو وإلى تدهور في الموقف منه في هذه الأيام وذلك رغم أن الحديث يدور عن أحد الزعماء الأكثر قدماً ومعرفة في العالم.
الدرك الأسفل الجديد في مكانته يؤثر على سلوكه. وعندما يكون نتنياهو مضغوطاً، يكون عادة غير متوقع، يرتكب الكثير من الأخطاء ويتلفظ بالمكاره والترهات التي تنقلب عليه كسهم مرتد.
إن من حرض وشق وزرع الاستقطاب والكراهية في شعب إسرائيل على مدى السنين، ومن جعل من أولئك المقاتلين والطيارين يساريين خونة ورافضين، يشكو الآن ممن يكافحون في سبيل الديمقراطية في إسرائيل ووثيقة الاستقلال كأساس لوجودنا وسلوكنا في الدولة الديمقراطية واليهودية. نتنياهو المضغوط ينثر وقائع وتصريحات بعيدة عن الحقيقة والواقع. لقد جنى رئيس الوزراء بجدارة الحملة التي تخاض ضده وضد حكومته في الولايات المتحدة. من لا يجري المقابلات الصحافية منذ بداية ولايته بلغة شعبه بوسائل الإعلام في وطنه ويختار الحديث إلى وسائل الإعلام الأمريكية، لا يمكنه أن يشكو ممن يتظاهر ضده هناك، في الولايات المتحدة، ولا سيما حين يتذكرون التهجمات التي أطلقها في وسائل الإعلام الأمريكية ضد حكومة بينيت-لبيد حين كان في المعارضة. فقد قال إن “الحكومة الحالية تعتزم تمرير ثلاثة قوانين ستمس بمبادئ الحرية. هذه الحكومة تدفن مبادئ الديمقراطية. هذه قوانين تشطب الأساس الديمقراطي في صالح زيادة القوة لأحزاب معينة”.
وإذا لم يكن هذا بكاف، فهاكم مثالاً كلاسيكياً آخر لما قيل في مصادرنا: “الرافض بذاته مرفوض”. ففي بيان الليكود من مقاعد المعارضة، قيل إن “نفتالي بينيت ويئير لبيد يجعلان إسرائيل دكتاتورية ظلامية مع قوانين شخصية، موجهة لنتنياهو تشبه إملاءات في كوريا الشمالية وإيران. أما اليوم فالمسؤولون عن هذه الترهات يهاجمون ويشهرون بمن يكافحون من أجل منعهم من جعل دولة إسرائيل كوريا الشمالية وإيران. بخلاف قصة الملك شاؤول كما تقول في مصادرنا، الذي خرج للبحث عن الأتن فوجد مملكة، فها هو نتنياهو خرج إلى الولايات المتحدة ليبحث عن مملكة، فوجد الأتن.
لقد توقع ولا يزال يتوقع في هذه الساعات أن يستعيد لنفسه مكانته التي حظي بها في الولايات المتحدة والعالم. فليواصل الأمل، لأن الواقع مختلف تماماً. يبدأ هذا باللقاء مع إيلون ماسك، الذي كان نوعاً من الانبطاح أمام الطاغية. “أديسون عصرنا”، كما وصف نتنياهو “السيد تسلا”. غير أن ماسك لم يوفر البضاعة، ولم يتعهد بالاستثمار في إسرائيل كما توقع نتنياهو، بل أظهر استخفافاً ما برئيس الوزراء حين ظهر بلباس مهمل للقاء الرسمي معه.
نتنياهو، الذي يستطيب الاحتكاك بأصحاب المال، بقي مع ابتسامته فقط. صحيح أن الحديث جرى عن الذكاء الاصطناعي، لكن لم يكن لنتنياهو الكثير من الذكاء ليبقى بين ذراعي ماسك لالتقاط الصور.
في لقاء مرتقب اليوم مع بايدن، سيقف نتنياهو أمام أسئلة قاسية وليست بسيطة عن سلوك حكومته أمام الشرخ في إسرائيل وأمام رغبة أمريكية في الدفع قدماً بالمفاوضات مع السعوديين، والتي ستجبر حكومته على تقديم تنازلات عديدة للفلسطينيين. وذلك عندما يتبين بأن نتنياهو لم يجرِ أي نقاش أولي مع جهاز الأمن قبل سفره في مواضيع أمنية حساسة وهامة لمسيرة المفاوضات مع السعوديين.
نتنياهو، الذي يحب منصة الأمم المتحدة، ويمكنه استعراض قدراته الخطابية أمام العالم من خلالها، سيحاول بعد غد أن يجعل الخطاب في الجمعية العمومية درة التاج في رحلته.
السؤال هو: هل يتعاطى أحد ما مع أقواله بجدية، بعد أن عرف الجميع أن أقواله ينبغي أن تؤخذ بشكل محدود الضمان، ليس فقط بسبب إعلانات ويافطات المتظاهرين التي ترافق زيارته هناك.
الواضح أن نتنياهو بعد هذه الزيارة إلى الولايات المتحدة، يعود إلى الديار، إلى الاختبارات الحرجة للواقع والزعامة، والتي ستقرر مستقبل حكومته المتعثرة ومستقبله السياسي وربما أيضاً القانوني والشخصي.
الوضع الأمني، وغلاء المعيشة، والأمن الشخصي، وقانون تجنيد الحريديم، وقرارات محكمة العدل العليا، والتضخم المالي، والتدهور الاقتصادي… كلها تربض على عتبته وتنتظر ردوداً وأجوبة موضوعية وسريعة.
السؤال: هل باستطاعة نتنياهو اليوم التصدي لكل هذا؟
أفرايم غانور
معاريف 20/9/2023