يسوع يشير إلى أحد أتباعه (يهودا) الذي سيشي به قبل أن يتم صلبه. (جداريات دورا أوروبوس)
كأول كنيس منزلي في التاريخ القديم ينتصب «دورا أوروبوس» أو بومباي الصحراء، كما لقبه بداية القرن العشرين المؤرخ والمستكشف روستوفزاف.
( M.Rostovtzeff) بثقله المعماري والفني التشكيلي – الذي حُفظ منه الكثير – كأهم حاضرة في الشرق القديم تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، واقفة تتحدى الزمن على مقربة من قرية الصالحية جنوب الشرق السوري، لذلك حملت اسمها. يتمركز ديرها ذو الحصون المرتفعة والشرفات الشاهقة الواقفة على جنبات الضفة الغربية للفرات بموازاة جزيرة الحويجة العائمة وسط التيارات المتدفقة، غير بعيدة عن مدينة البوكمال الحدودية مع العراق، وتعتبر إحدى أهم محطات الحضارة العالمية العتيقة والقديمة التي تربط البحر بالصحراء العربية، لكونها حافظة لحقبات تاريخية متتالية، وجامعة لأديان قديمة متعاقبة وثنية وتوحيدية إلى حدود المسيحية، وفاتحة لأول طريق للحرير عبر الهلال الخصيب مرورا بالعراق شرقا وبفلسطين ومصر غربا، وينبوعا لمختلف الفنون والأنماط التعبيرية، بدءا بالجداريات والأثريات والتحف الفنية، وصولا إلى النقوش والرسومات والرقع الخطيّة المتنوعة، التي وصل صداها إلى الضفة الغربية للمتوسط تحت النفوذ الروماني، وإلى آسيا الصغرى والمدن الأمريكية الأيونية مع التوسع والتهديد الفارسي زمن الإمبراطورية الأخمينية في القرن السادس قبل الميلاد. استمر حضورها كمصدر دائم للثقافة العالمية ورمز للخصب والثراء الفني، وتقاطع الحضارات، على الرغم من أفول وتهاوي العديد من الإمبراطوريات المتعاقبة التي تركت بصمتها في المنطقة.
أدّى ذلك إلى تعزيز موقعها إقليميا وكونيا، خصوصا بفعل مجمل التأثيرات المحلية التدمرية والبابلية العتيقة، فتطور البناء المعماري وتفنن المهندسون في التصاميم، بإضافة العديد من البوابات والأبراج والتحصينات ما وفر حاضنة لمزيد ازدهار المصنفات التشكيلية بأنواعها حتى أصبحت «دورا أوروبوس» مدينة حضارية، امتزجت فيها ثقافات وتعبيرات ولغات العالم العتيق، الفينيقية واليونانية والبابلية والأخمينية والتدمرية والساسنية والمقدونية والسلوقية والرومانية.
تجليات البعد الكوني والازدهار ومؤشرات النهضة العتيقة الشاملة في الكنيس، شملت بالخصوص النشاطات الطقوسية القربانية، باعتماد الألوان والخطوط والتحف الفنية، والنشاطات الحربية الدفاعية الظاهرة من خلال حجم الطابع المعماري والتصميم الحجري الجداري، ما ساهم في تنشئة أسلوبين فنيين متكاملين في الدور والأهمية، ظهرا بخاصيتين مختلفتين هما على حد السواء الخاصية العمرانية الهلنستية المعلنة، والخاصية التشكيلية الوثنية المخفية.
الخاصية العمرانية الهلنستية المعلنة
في ظل أوج الحضارات الشرقية الأولى مثل الآشورية والسومرية والبابلية، اتسم هذا الموقع التاريخي بممارسات وثنية اعتمدت على نشاط المعابد وغرف العبادة ذات العتبات والمدارج الأفقية، وإعداد القرابين للآلهة بعل ة ذات القباب المستديرة المحدبة والأقواس نصف الدائرية. هذه الترتيبات العقائدية الوثنية المتزايدة خلقت بالضرورة عددا لا يكاد يعرف من المعابد على مرّ الزمن تتالى فيه توافد المجموعات البشرية المهيمنة والمنتشرة في المنطقة. فانتظم نشاط العبادات، وتعددت تماثيل الأرباب، وتجهزت قاعات الصلاة وارتفع قوس النصر خفاقا لا سيما في الفترات الرومانية. ازدهر المجال العمراني العمودي الظاهر للعيان بالخصوص في ظل السيطرة الرومانية الثانية على المُعمرة بداية من سنة 165 ميلادية عبر اعتماد التحصينات المتقدمة مثل، الخنادق المائية والمتاريس الترابية والتفنن في تصميم مختلف أدوات الدفاع الخشبية والفولاذية وبناء الأبراج المرتفعة باعتماد مواد صلبة مثل الحجارة والجص وصفائح البرونز المنقوشة برموز ونتوءات النصر، وتثبيت مساند رملية بين الجدران الرئيسة للأسوار الخارجية والداخلية لتجنب تلفها في الوضعية الحربية. ويعد الحصن بناء عظيما في عصره، وحتى اليوم تتملكنا أمامه الدهشة ويرهقنا السؤال وتقلقنا الرغبة في محاولة استعادة الوقائع بتوسيع المخيلة لسبر خبايا التحصينات التي اتخذت بالأساس وظائف عسكرية دفاعية، ما يجعل الأبراج ظاهرة للعيان من مسافات متأخرة.
هذا المزيج من المعمار اليوناني الكلاسيكي (الدائري، الأيوني، الكورنثي) والطابع الشرقي المعتمد على غرف منفصلة، أدى إلى ظهور الطابع المعماري الروماني الهلنستي، في ضوء التحول الاستراتيجي والانفتاح الكبير للإمبراطورية الرومانية، عقب موت الإسكندر المقدوني (الملقب بالأكبر) في 323 قبل الميلاد.

جدارية تظهر معجزة شفاء المسيح لرجل مشلول
تميز الطابع الهلنستي بنظام التعامد واعتماد تقسيمات شطرنجية متوازية تتكون من وحدات سكنية مربعة الشكل، بممرات متقاطعة منتظمة تتخللها مراكز قيادية مستطيلة الشكل يتوسط هذه التقسيمات شارع رئيسي يزيد طوله عن 600 متر يضم في زواياه أبراجا مربعة الشكل ويحتوي على برج خماسي الأضلاع فريد من نوعه في المنطقة، بينما تتمركز المساكن والأسواق والقبور والأغوار والحمامات في الصحن الداخلي للمبنى، مع وجود عدد من المعابد على غرار معبد زيوس رب الأرباب في الناحية الجنوبية ومعبد زيوس ماجستوس، إضافة إلى القصور المشيدة والمسرح شبه الدائري، كأحد سمات الشخصية اليونانية العتيقة، مع وجود المعمودية في فترة متأخرة، لاسيما بعد إعلان المسيحية ديانة رسمية.
نشأ النشاط الكنسي اليهودي بثقله الجمالي اللوني والخطي والتحفي في الأقبية تحت المساكن، وفي كنائس الصلاة المنزلية البسيطة، بسبب التهديد الروماني الوثني المستمر لهذه الديانة السماوية، ما يضع حدودا لانتشارها وازدهارها بعد اضمحلال الدعوة الأولى للنبي موسى.
الخاصية التشكيلية الإيمانية المخفية
تتميز هذه الخاصية بالتعبيرات الإيمانية الموحدة، باعتماد الرسومات الملونة وخطوط الفحم المثبتة على الجبس الرطب والجاف، وتبقى كلها نشاطات شخصية وعائلية خاصة لا يمكن التصريح بها، تتسم بالتخفي والتستر. كان ذلك شأن الديانتين الموحدتين اليهودية والمسيحية، ناهيك عن أن الكنيس كان على ملك أحد أثرياء الهلال الخصيب. نشأ النشاط الكنسي اليهودي بثقله الجمالي اللوني والخطي والتحفي في الأقبية تحت المساكن، وفي كنائس الصلاة المنزلية البسيطة، بسبب التهديد الروماني الوثني المستمر لهذه الديانة السماوية، ما يضع حدودا لانتشارها وازدهارها بعد اضمحلال الدعوة الأولى للنبي موسى. وهي لوحات جدارية متراصة في أروقة الكنائس المنتشرة ما زالت تحتفظ بوهج ألوانها القرمزية وخطوطها السوداء وتفاصيلها السمراء ذات النتوءات البيضاء، سواء كانت مقصودة لإبراز العلامات الشكلية، أو دون ذلك بفعل عوامل التهرم الزمني والتآكل. أغلب هذه الأعمال تستحضر المصادر التوراتية ونسخ الوصية القديمة منه. نجد على الأغلب صورة موسى مخلص اليهود من الفراعنة، يرفع عصاه التي تحولت إلى ثعبان ويدفع بيده إلى الأمام كإعلان عن المداواة والشفاء وصورته وهي يحمل لفافة التوراة، ثم جدارية ثالثة للنبي (موسى) وهو يحرر شعبه ويحاول تجميعهم بعد الشتات.
أما في الفترة المسيحية، ورغم المحافظة لما يزيد عن ثلاثة قرون عن الطابع الخفي للدين الجديد نتيجة التهديد اليهودي والروماني على حد السواء، فإن الأعمال الجدارية تناولت مقاطع من الوصية التوراتية الجديدة، التي أعلنت ظهور النبي المخلص عيسى بن مريم العذراء مثل، الجدارية الحجرية القديمة التي تصور إشفاء اليسوع لرجل مشلول عند عودته لكفر ناحوم، والصورة النمطية المعروفة بالراعي الصالح، التي أصبحت إحدى أيقونات الديانة الجديدة بعد إعلانها بسبب رمزيتها القوية التي تدل على المحبة والثقة بين الراعي والرعية. وكلها جداريات تعتمد على التقنية الجافة (secco) بواسطة وضع اللون مباشرة على الجدار الجيري ثم إعادة صباغته قبل أن تتم إضافة التفاصيل الأخرى على مراحل حتى يتم تثبيت الأصباغ.
أغلب جداريات الفترة اليهودية محفوظة في المتحف الوطني السوري، أما أعداد الجداريات المسيحية فتم نقلها إلى متاحف الولايات المتحدة الأمريكية من طرف المستكشفين والباحثين الأمريكيين بداية القرن الماضي (20).
كاتب تونسي